وزيرة الدولة بوزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية لـ(العودة).. (2-2)

سليمى إسحق:
مسؤولون استحوذوا على مساحات النساء وحولوها إلى مكاتب شخصية
أكثر من 100 طفل فاقد للسند عُثر عليهم في شهر واحد ونطالب بتيسير إجراءات الكفالة
أنا ضد إنشاء «مايقوما» جديدة.. والكفالة الاجتماعية والدمج الأسري هما البديل
تجربة البحر الأحمر في كفالة الأطفال تستحق أن تصبح نموذجاً قومياً
بعض الأسر زوجت بناتهن لعناصر في الدعم السريع لتكتشف لاحقاً أن الأمر استعباد جنسي
الدعم النفسي للنازحة ليس «فضفضة».. بل منظومة من الكرامة والأمان والتمكين
حاورتها بالقاهرة: أفراح تاج الختم
تتناول وزيرة الدولة بوزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السودانية، سليمى إسحاق، في الجزء الثاني من حوارها مع «العودة»، أنماطاً من الاستغلال التي رافقت موجات النزوح خلال الحرب، مشيرة إلى استخدام المساعدات الإنسانية للضغط والابتزاز، واستغلال حاجة النساء والفتيات إلى العمل، إلى جانب حالات زواج قسري قالت إنها استُخدمت للتستر على جرائم العنف الجنسي.
وتتحدث إسحاق عن تجاوزات طالت المساحات الآمنة المخصصة للنساء، قائلة إن مسؤولين محليين استحوذوا على بعضها وحولوها إلى مكاتب شخصية بعد تجهيزها من المنظمات، فيما تؤكد أن شكاوى قُدمت بحقهم.
كما تتناول أوضاع الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب والأطفال فاقدي السند، داعية إلى اعتماد الكفالة الاجتماعية والدمج الأسري، ومحذرة من مخاطر ترك الأطفال خارج منظومة الرعاية
==================
ابتزاز بالمعونات وزواج قسري للتستر
متى بدأ انتباهكم لظاهرة الاستغلال الجنسي للنساء مع موجات النزوح؟ وما أبرز صورها الميدانية؟
انتبهنا للظاهرة مبكراً جداً مع بدايات الحرب وموجات النزوح من الخرطوم للولايات الآمنة. رصدنا سلوكيات واستغلالاً من بعض القائمين على توزيع المساعدات عبر محاولات تواصل غير لائقة مع النساء والفتيات القاصرات في أوقات غير مناسبة. هذا الاستغلال لا ينبع من نفوذ سياسي أو أمني فحسب، بل يمتد لاستخدام المساعدات الإغاثية كأداة للابتزاز والضغط، فضلاً عن استغلال حاجة النساء لفرص عمل موهومة.
كيف واجهتم هذه الظاهرة في ظل غياب الآليات التشريعية والتوعوية وقتها؟
عملنا فوراً مع منظمات الأمم المتحدة لتدريب الكوادر الحكومية المعنية بملفات النازحين على مفاهيم الحماية والوقاية من الاستغلال والتحرش الجنسي، وبناء قدرتهم على التمييز بين أنواع السلطة الممارسة (مالية، إغاثية، أو وظيفية) لابتزاز المستضعفين. وبمجرد تسليط الضوء على تلك الممارسات ومواجهتها، تراجعت حدتها خوفاً من المحاسبة. كما أطلقنا مبادرة ناجحة بالنيل الأبيض بالتنسيق مع منظمة قانونية والشرطة المجتمعية بزيها الرسمي، مما أرسل رسائل تحذيرية صريحة للوسط الذي تقع فيه الجريمة، وأدى لتأطير العمل حالياً مع منظمة الهجرة الدولية (IOM) وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) لتلقي الشكاوى.
ما الذي يمنع الناجيات من الإبلاغ، وكيف تُستغل ظاهرة الزواج للتستر على الجرائم؟
رصدنا حالات لزواج قسري أُجبرت فيه الفتيات والقاصرات على الزواج من أقارب أو عناصر ميليشيات تحت مفهوم مغلوط للـ “ستر”. بعض الأسر رفضت الخدمات المتاحة وفضلت تزويج القاصرات لأبناء عمومتهن لإنهاء ملف الجريمة تحميلاً للضحية المسؤولية. بل إن بعض الأسر زوجت بناتهن لعناصر مليشيا الدعم السريع اكتشفت لاحقاً أن العملية لم تكن سوى نمط من الاستعباد الجنسي المقنن بغطاء الزواج، حيث تكتشف الفتاة أن المهر مدفوع لصالح مجموعة أشخاص وليس لزوج مفرد.
تعديات المسؤولين والدعم النفسي للناجيات
ما وضع المساحات الآمنة المخصصة لتأهيل الناجيات؟ وما أبرز العقبات التي تواجهكم بها؟
تتواجد مساحات آمنة للنساء بمعدل 3 إلى 5 مساحات كحد أدنى في كل ولاية، لكننا نكشف عن تجاوز صارخ تتمثل في استحواذ بعض المسؤولين المحليين في المحليات على هذه المساحات وتجهيزاتها بعد تأهيلها من المنظمات وتحويلها إلى مكاتب شخصية لهم! هؤلاء المسؤولون معروفون لدينا وتُقدمت شكاوى كثيرة في حقهم.
كيف تصنفين هذا التصرف الصادر من مسؤولين حكوميين في موقع المسؤولية؟
هؤلاء المسؤولون لا يقلون إجراماً عن الجنجويد؛ فالجنجويد ليس فقط من يحمل السلاح ليعتدي على النساء، بل إن أي شخص يعرقل العمل ويستغل سلطته للاستحواذ على المساحات الآمنة المخصصة للنساء في وقت الحرب هو شخص لا يقل إجراماً، والشكاوى ضدهم قيد المتابعة وسيعلمون أنهم محاسبون.
ما هو المفهوم الحقيقي للدعم النفسي الذي تحتاجه المرأة السودانية حالياً؟
المرأة السودانية لم تنتظر جلسات الدعم النفسي التقليدية؛ فمسؤولياتها تجاه أطفالها أكبر من الاستغراق في الألم. الدعم النفسي للنازحة لا يتحقق عبر “الفضفضة” والكلام فقط، بل يرتبط بكرامتها وتلبية احتياجاتها الأساسية: توفير السكن والوجبات، ضمان التعليم والأمان لأطفالها، وتمكينها عبر مشاريع صغيرة توفر لها قوتاً مستقلاً؛ فالدعم النفسي منظومة متكاملة من التمكين والكرامة.
قنابل موقوتة وبديل “المايقوما”
بالنسبة للأطفال الناتجين عن الاغتصاب القسري، لماذا تمتنع الأمهات عن التبليغ أو تسجيلهم؟
الأعداد الحقيقية للأطفال أكبر بكثير من المسجلين رسمياً. امتناع الأمهات يعود لعدم وجود قنوات آمنة والوصمة الاجتماعية. فمثلاً، هناك أمهات في القاهرة لا يستطعن الذهاب للسفارة لتسجيل أطفالهن أو استخراج شهادات ميلاد بسبب اشتراط السلطات إحضار “ولي الأمر” أو الزوج، وكأن الأمر بهذه البساطة! وسيكون هناك تنسيق مع “السجل المدني” لتسهيل وتيسير هذه الإجراءات الإدارية.
هل تؤيدين إنشاء دور إيواء جديدة لهؤلاء الأطفال أم هناك حلول بديلة؟
أنا ضد فكرة إنشاء “مايقوما” أو دور إيواء دائمة جديدة تماماً. البديل الفعال هو “الكفالة الاجتماعية” داخل المجتمع. فنحن نشجع الأسر — عبر التأهيل والتأمين الصحي والمساعدات المباشرة — على كفالة هؤلاء الأطفال ودمجهم في أسر حقيقية. أود التأكيد أن الدور إن أُنشئت يجب أن تكون مؤقتة جداً للاستقبال فقط .
أما الكفالة فهي ليست غريبة على المجتمع السوداني. في بداية الحرب، كثيرون كفلوا أطفالاً وسافروا بهم، وفي “دار نادوي” بالبحر الأحمر أطفال كثيرون تم كفالتهم. الكفالة جزء من القيمة الاجتماعية في مجتمع البحر الأحمر ، وعلينا تحويل هذا العرف الاجتماعي الجيد إلى ممارسة شاملة في كل السودان لإنقاذ هؤلاء الأطفال والنساء الناجيات المظلومات.
ما هي الخطورة في حال عدم دمج هؤلاء الأطفال مجتمعياً؟
إذا لم ندمجهم في المجتمع، فنحن نؤسس لقنابل موقوتة ومشكلة أمنية خطيرة ستنفجر مستقبلاً؛ فالأطفال الذين سيكبرون بلا انتماء للدولة أو المجتمع وهم غاضبون، سيكونون عرضة للإجرام وجاهزين للتجنيد والانضمام للميليشيات. وحقهم في الاندماج والرعاية هو حق أصيل وليس منّة من أحد.
أطفال فاقدو السند وقانون مكافحة العنف
انتشرت أخبار عن تزايد أعداد الأطفال فاقدي السند، ما حجم الإحصائيات المتوفرة ومصير دور الرعاية؟
ليست ظاهرة بسيطة، فالحرب أفرزت فقراً وظروفاً معيشية قاسية تسببت في انتشار الاستغلال الجنسي والدعارة والمخدرات. حتى فترة قريبة، تم العثور في شهر واحد فقط على أكثر من 100 طفل أغلبهم في الخرطوم. حالياً لا توجد دار مخصصة لهم بعد انتقال دار “المايقوما” إلى كسلا وضمت الأطفال الكبار فقط، بينما يُنقل الأطفال الصغار حالياً للمستشفيات لتوفير الرعاية لحين العثور على “كافل”.
ما هي أبرز العقبات التي تواجه نظام الكفالة حالياً؟ وما وضع وحدات حماية الطفل؟
الكفالة أصبحت تتطلب إجراءات معقدة ومُعطلة وغير مبررة؛ والمطلوب هو تيسير الإجراءات بحذر لضمان عدم الاتجار بالأطفال، دون الوصول للتعجيز. أما وحدات حماية الأسرة والطفل فقد تعرضت بنيتها التحتية للتدمير بفعل الحرب وتحتاج لجهد كبير لتأهيلها.
ختاماً، ما مصير مشروع قانون مكافحة العنف ضد المرأة الموجود في أروقة الحكومة؟
هذا مشروع قانون ممتاز قدمناه سابقاً وهو متطلب أساسي من متطلبات التقرير الدوري الشامل لحقوق الإنسان، وتمت مراجعته قبل الحرب وهو مكدس حالياً في وزارة العدل. أطالب وأتمنى إجازة هذا القانون فوراً؛ لأنه يُلزم مؤسسات الدولة بوضع تدابير وإجراءات حماية محددة، ويزيد من حماية النساء والأطفال ويُسهل الوصول للعدالة. يجب التعامل مع هذا القانون كضرورة وأولوية قصوى لحماية نساء وأطفال السودان.




