حوار الدولة أم وصاية الخارج؟..

ما وراء الخبر 

علم الدين عمر 

 كيف أصبح رفض المبادرة أخطر من عيوبها؟؟!!

لماذا يُرفض حوار ترعاه الدولة ويُطلب السلام برعاية الخارج؟

إقحام المليشيا في السياسة.. هل تكافئ البندقية على تمردها أم تحمي الدولة شرعيتها؟

من يريد سلاماً سودانياً.. لماذا لا يؤسس لحوار الداخل بدلاً من انتظار وصاية الخارج؟

ربما لا تبدو المعركة الحقيقية حول ما إذا كان الحوار مطلوباً أم لا..المعركة بدأت حول من يملك حق إطلاقه ورعايته وتحديد سقفه السياسي..

دعوة الدولة إلى حوار داخلي..مهما كانت ملاحظات القوى السياسية عليها..ينبغي أن تكون نقطة انطلاق وليس سبباً تلقائياً للرفض كما تعاملت معها بعض القوي السياسية لأن البديل المنطقي عن حوار ترعاه الدولة وتشارك فيه القوى السودانية ليس بالضرورة سلاماً أفضل..وإنما قد يكون إعادة إنتاج للمعادلة التي جعلت القرار الوطني رهيناً بالتدخلات الخارجية خلال فترة الحرية والتغيير ..

المفارقة الكبرى..إذا كانت الدولة قد أبدت إرادة سياسية لفتح باب الحوار.. فلماذا الإصرار على أن تكون الرعاية الخارجية هي المدخل الإجباري للحل؟!! وإذا كانت هناك مخاوف حقيقية من هيمنة طرف أو اختلال موازين الحوار.. فلماذا لا تدخل القوى الرافضة لتطرح شروطها وتصحح مساره بدلاً من رفض مبدأ الحوار نفسه؟..

والسؤال الأكثر حساسية..لماذا تحاول بعض القوى إعادة إدخال المليشيا المتمردة إلى المعادلة السياسية باعتبارها طرفاً لا غنى عنه؟!! بينما يقوم الجيش والقوات النظامية بواجبها في مواجهة تمرد مسلح على الدولة واستعادة مؤسساتها وأراضيها؟..

هذه ليست للإجابات القطعية.. ولا لمنح المؤسسة العسكرية حصانة من النقد..هذه أسئلة لإعادة النقاش إلى أساسه الصحيح.. السودان يحتاج إلى حوار سوداني تقوده إرادة الداخل..وليس لعملية سياسية يصبح الخارج فيها صاحب المبادرة والمرجعية والضامن والوصي في آن واحد..

 

السلام السوداني لا يحتاج إلى وصاية دائمة..

 

من أخطر ما أفرزته سنوات الحرب أن التدخل الخارجي انتقل في الخطاب السياسي للقوي المناوئة للوضع الدستوري الحالي للدولة من كونه وسيلة مساعدة إلى كونه شرطاً للحل..

صحيح أن الحرب السودانية تجاوزت حدودها الداخلية.. وأن لها امتدادات إقليمية ودولية.. وأن أطرافاً خارجية تمتلك تأثيراً مباشراً على مساراتها..وأن الدعم الدولي والإقليمي يمكن أن يكون مهماً في وقف النار والإغاثة وإعادة الإعمار والضمانات..

لكن ذلك لا يعني أن يتحول الخارج إلى صاحب الحق في تصميم العملية السياسية السودانية..

إذا كانت الدولة نفسها قد أعلنت استعدادها للحوار.. فلماذا لا يُبنى على هذه الإرادة؟..

إذا كانت القوى المدنية والسياسية تختلف حول شكل العملية..فلماذا لا تجلس لتناقش هذه الخلافات في إطار سوداني؟..

وإذا كانت هناك مخاوف من أن تستأثر الدولة بتحديد أجندة الحوار..فإن الحل ليس إلغاء الحوار بالكلية.. بل بناء آلية وطنية أوسع وأكثر توازناً..

هل أصبح السودانيون غير قادرين على إدارة خلافاتهم إلا عبر وسيط أجنبي؟..

وإذا كان الأمر كذلك..فالمشكلة لم تعد في الحكومة أو الجيش أو القوى السياسية وحدها.. بل في مفهوم السيادة نفسه..

الدولة بالضرورة تحتكر الشرعية و

الموقف المتزن لا يفترض أن كل ما يصدر عن الدولة صحيح.. وإنما ينطلق من حقيقة أكثر أهمية.. الدولة هي الإطار الشرعي الذي يجب أن تجري داخله عملية إعادة بناء النظام السياسي..

يمكن نقد الجيش.. ومساءلة الحكومة.. والمطالبة بإصلاح المؤسسات.. والإعتراض على توقيت الحوار أو تركيبته أو شروطه..

لكن لا يمكن وضع الدولة والمليشيا المتمردة عليها في خانة واحدة باعتبارهما مجرد طرفين متساويين في نزاع سياسي كما تحاول هذه القوي بالتصريح والتلميح أن تقول..

الجيش مؤسسة رسمية يمكن إصلاحها وتطويرها ومراجعة علاقتها بالسياسة..أما المليشيا التي اختارت التمرد واستخدمت القوة المسلحة للسيطرة على مؤسسات ومقدرات الدولة فلا يمكن أن تتحول إلى كيان سياسي شرعي لمجرد أنها امتلكت السلاح وسيطرت على الأرض..خاصة بعد تمردها وشروعها في تدمير الدولة والعبث بالمجتمع..

السياسة لا ينبغي أن تكافئ التمرد بتحويل نتائجه العسكرية إلى حقوق سياسية مكتسبة..

وإلا فإن الرسالة التي ستصل إلى كل جماعة مسلحة في المستقبل ستكون بالغة الخطورة..

لأن التمرد نفسه سيصبح إستثماراً سياسياً..

 

لماذا إقحام المليشيا في الحوار السياسي؟

 

يجب أن تكون الأسئلة أكثر صراحة..

إذا كانت المليشيا قد دخلت في تمرد مسلح على الدولة.. وإذا كانت القوات المسلحة تقوم بواجبها المهني في إنهاء هذا التمرد واستعادة المناطق والمؤسسات التي خرجت عن سيطرة الدولة.. فبأي منطق تتحول المليشيا نفسها إلى طرف سياسي مطلوب إدماجه في صناعة مستقبل البلاد؟

هل المعيار هو امتلاك السلاح؟

هل هو السيطرة على الأرض؟

هل هو الإعتراف الخارجي؟

هل هو القدرة على تعطيل الدولة؟

إذا كانت الإجابة واحدة من هذه.. فنحن لا نبني دولة.. بل نقنن منطق القوة المسلحة خارج شرعية الدولة ..

أما القول إن الجميع يجب أن يشارك في العملية السياسية.. فهو صحيح من حيث المبدأ.. لكنه لا يعني أن التنظيم المسلح يحتفظ ببنيته العسكرية وقيادته وسلاحه ثم يدخل إلى العملية السياسية باعتباره طرفاً مساوياً للدولة..حتي القوي العسكرية وشبه العسكرية المشاركة مع الجيش والدولة ومؤسساتها لم تقل بذلك..

الفرد السياسي والحزب شيء..والتنظيم المسلح الذي يفرض إرادته بالسلاح شيء آخر..

هذه التفرقة هي التي يجب أن تحكم أي عملية سياسية جادة..

الجيش يقوم بوظيفته.. والسياسة مطالبة بأن تقوم بوظيفتها

هناك تناقض واضح في بعض الخطابات السياسية..

فالجيش والقوات النظامية مطالبة بأن تؤدي واجبها في حماية الدولة وإنهاء التمرد واستعادة مؤسساتها.. بينما تتحرك بعض القوى السياسية في الإتجاه المقابل لإبقاء القوة المسلحة المتمردة داخل المعادلة السياسية..

 

كيف يمكن بناء جيش مهني واحد بهذه الطريقة؟

 

كيف يمكن إنهاء تعدد الجيوش إذا ظلت المليشيا محتفظة بموقعها السياسي والعسكري؟

من يريد جيشاً واحداً عليه أن يقبل أولاً بمبدأ إنهاء الجيوش الموازية..ودعم القوات المسلحة

ولا يمكن أن تكون الدولة المدنية مشروعاً لتقاسم النفوذ بين قوى مسلحة.. يجب أن تكون دولة القانون التي تخضع فيها كل القوة المسلحة لمؤسساتها الشرعية..

الحوار ليس مكافأة للمليشيا..

الحوار السياسي ليس بالضرورة اعترافاً بمنطق المليشيا..وإنما يمكن أن يكون أداة لإعادة ترتيب المشهد على أساس جديد..

لكن الخط الأحمر يجب أن يكون واضحاً..لا حوار يعيد إنتاج السلاح كحق سياسي.. ولا تسوية تمنح التمرد مكافأة على ما أحدثه من دمار..ولا عملية سياسية تجعل القوة العسكرية معياراً لحجم المشاركة..

يمكن أن يكون هناك مسار سياسي شامل..لكن ذلك لا يعني مساواة الضحية بالمعتدي.. أو الدولة بالمليشيا.. أو المؤسسة العسكرية بالتشكيل المسلح..

هذا هو الشرط لمنع تكرار الحرب..

 

هل نريد إنهاء الحرب أم إدارتها سياسياً؟

 

هذه هي المسألة التي يجب أن تواجه بها القوى السياسية نفسها..

إذا كان الهدف إنهاء الحرب.. فإن أي مبادرة قابلة للتطوير ينبغي أن تُختبر من داخلها بدل أن تُرفض لمجرد أنها جاءت من الدولة..

وإذا كان الهدف بناء دولة جديدة.. فلا يمكن أن تبدأ هذه الدولة بتكريس تعدد الجيوش..

وإذا كان الهدف الديمقراطية.. فلا يمكن أن تصبح البندقية طريقاً إلى صندوق الاقتراع..

وإذا كان الهدف السلام..فلا يمكن أن يتحول السلام إلى مشروع لإعادة توزيع السلطة بين من أشعلوا الحرب وحلفائهم..

السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد لتقاسم مواقع السلطة بقدر ما يحتاج إلى تسوية تاريخية مع منطق الحرب نفسه..

 

الخارج مهم.. لكنه ليس بديلاً عن الداخل..

 

لا أحد ينكر الدور الدولي والإقليمي..

لكن المساعدة الخارجية شيء.. والوصاية السياسية شيء آخر..

يمكن للخارج أن يضغط لوقف الحرب.. ويدعم الإغاثة.. ويقدم الضمانات..ويسهم في إعادة الإعمار.. ويساعد في بناء المؤسسات..

لكن من يقرر شكل الدولة السودانية ومستقبلها يجب أن يكون السودان..

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه القوى الرافضة للحوار هو..

لماذا لا يكون الحوار سودانياً في المقام الأول؟

لماذا لا تبدأ العملية من إرادة الدولة..ثم تتوسع لتشمل القوى السياسية والمجتمعية بدلاً من أن تبدأ من الخارج ثم يُطلب من الداخل أن يلحق بها؟..

من الذي قال إن قبول رعاية الدولة للحوار يعني قبول كل مواقفها؟

الدخول إلى الحوار يمنح القوى السياسية فرصة لمواجهتها سياسياً.. وانتقاد سياساتها.. وطرح بدائلها.. والمطالبة بإصلاحاتها..

أما المقاطعة ثم انتظار أن تصنع العواصم الخارجية الإطار الذي سيعود به الجميع إلى السودان..فهي لا تضعف الدولة فقط.. بل تضعف القوى المدنية نفسها وتنتزع منها حق صناعة مستقبل البلاد..

السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته

إذا كان الحوار الوطني المقترح ناقصاً.. فليُستكمل..هكذا ببساطة..

إذا كانت آلياته مختلة..فلتُعدل..هكذا بسهولة..

إذا كانت شروطه غير كافية.. فلتُطرح شروط جديدة..هكذا بوضوح..

إذا كانت المشاركة محدودة..فلتُوسع..هكذا كحق..

لكن لماذا يكون الرفض هو الخيار الأول؟..

ولماذا يتحول اعتراض مشروع على التفاصيل إلى رفض للمبدأ؟..

ولماذا يصبح الخارج مقبولاً باعتباره حكماً محايداً.. بينما تصبح الدولة مشتبهاً فيها بمجرد أنها طرحت مبادرة؟

والأهم..

لماذا يُطلب من الجيش أن يوقف عملياته العسكرية المتقدمة علي الارض.. بينما يجري سياسياً العمل على إعادة المليشيا إلى منصة الحكم؟..

هذه هي المفارقة التي تحتاج إلى إجابة واضحة ومباشرة..

فالجيش..وهو يطارد قوة متمردة لا يقوم بعمل سياسي..بل يؤدي وظيفته الأساسية في حماية الدولة.. أما القوى السياسية.. فعليها أن تؤدي وظيفتها في بناء النظام السياسي الذي يمنع تكرار التمرد..

 

الدولة أولاً..ثم الإصلاح..

 

الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل حكومة..ولا يعني حصانة المؤسسات.. ولا يعني رفض الإصلاح..

السودان يحتاج إلى دولة قوية وقابلة للإصلاح في الوقت نفسه..

يحتاج إلى جيش مهني..وحكومة مدنية..وعدالة.. وإصلاح سياسي.. ومعالجة لجذور التهميش..وإعادة بناء المؤسسات.. وإصلاح العلاقة بين المركز والأقاليم..أليست هذه مطلوبات الجميع؟

لكن كل ذلك يصبح مستحيلاً إذا انهارت الدولة أولاً..

ولهذا فإن الإختبار الحقيقي أمام القوى السودانية ليس هل خطاب البرهان كامل؟..

بالطبع ليس كاملاً..ولا هو ادعي ذلك.. ويمكن نقده وتطويره..كما طالب هو نفسه..

السؤال الأهم هو.. هل البديل عن خطاب ناقص هو تطويره من داخل الحوار الوطني..أم إسقاط المبادرة لأنها صدرت عن الدولة؟..

العملية لا تحتاج إلى طرف ينتصر على طرف..بل إلى دولة تنتصر على منطق الحرب..

والسلام الذي لا يعيد الإعتبار للدولة ليس سلاماً مستداماً..

والحوار الذي لا ينتهي إلى دولة واحدة وجيش واحد وسلاح واحد تحت القانون ليس حواراً لإنهاء الحرب..هو مجرد تفاوض على شكل الحرب القادمة..

في النهاية.. يمكن إصلاح الدولة.. ويمكن تطوير الجيش..ويمكن إعادة بناء السياسة..

لكن تحويل التمرد إلى مؤسسة سياسية دائمة يعني أن الحرب لم تنتهِ..وهذا لا ينبغي السماح به علي أي حال..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى