النور حمد.. حين يفقد مدعي الفكر بوصلته.. ويبدأ في تعليم السعودية كيف تدير أمنها!

حاجب الدهشة

علم الدين عمر 

..ومما أحتفظت به من لطائف التعلم من أستاذنا حسين خوجلي- أن العرب إذا أرادت إعادة الرجل إلي حجمه الطبيعي بعد انتفاخ أوداجه..وأعتقاده بعلو كعبه وهو الوضيع.. قالوا أنه ذو مال ومنصب وطموح-بيد أنه خامل الذكر..ةفكانت القاضية التي ليس بعدها مجد ولا سيادة..وقد طوفتُ بالأمس-كحاطب ليل في الأسافير.. وحاطب الليل يأتي في حزمته بالثعابين والعقارب والهوام فينثرها مع طيب الحطب..وقد وجدت فيما وجدت خاملاً للذكر اسمه النور حمد.. صور له خياله الموهوم أن يصارع دولاً وجماعات بحجم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان بعد ان لفظه قومه.. من هوانه عليهم..

وليس الوهم أن يختلف رجل مع السعودية.. أو ينتقد سياستها.. أو يعارض خياراتها في السودان.. فهذا كله متاح.. وممكن.. الوهم الأكبر أن يتحول صاحب رأي قاصر في قومه إلى وصي على دولة بهذا الحجم ويتحدث إليها من علٍ.. وكأنه يملك من أدوات المعرفة ما لا تملكه مؤسساتها وأجهزتها وخبراؤها وصانعو قرارها..

الرجل خامل الذكر .. بائس الفكر.. محدود الأفق..يقول إن السعودية بسبب «تدخلها العسكري السافر» في حرب السودان.. وبسبب جلبها لباكستان ذات القدرة النووية إلى الجزيرة العربية.. «تطلق النار على قدميها».. وهي عبارة تصلح شعاراً سياسياً صاخباً.. لكنها لا تصبح تحليلاً إستراتيجياً..

السؤال البسيط لصاحب التغريدة.. كيف أستنتجت أن الإتفاق السعودي–الباكستاني–التركي صُمم أصلاً بسبب حرب السودان؟..

الاتفاق الذي وقع في مكة في 7 أغسطس 2026 يقوم على مبدأ الدفاع المشترك.. ويأتي في سياق أمني إقليمي بالغ التعقيد.. مع تصاعد التهديدات الإقليمية وتراجع اليقين بشأن مظلة الأمن الأمريكية التقليدية.. وهو يعكس اتجاهاً نحو بناء منظومة ردع إقليمية أكثر إستقلالاً..بينما أكدت الأطراف أنه دفاعي وليس موجهاً لدولة بعينها..

إذن حتى لو سلّمنا جدلاً بصحة كل مقدمات النور حمد فكيف يستقيم أن يفترض أن السعودية وباكستان وتركيا ثلاث دول ذات سيادة وقدرات إستراتيجية هائلة تحتاج إلى نصيحة من النور حمد قبل أن توقع اتفاقاً؟

ولكن.. من هو «المفكر» الذي يتحدث بهذه الثقة؟..

لنكن أكثر إنصافاً من خصومه ونقول

أن للرجل كتب وإنتاج معرفي..وله أعمال منشورة في قضايا الثقافة والهوية والتعليم والحداثة..من بينها العقل الرعوي.. والسودان.. آفاق الوعي الذاتي.. وأعمال تناولت التعليم والهوية والعرب والقرن الأفريقي..

لكن وجود الكتب لا يصنع بالضرورة مفكراً..

لأن المفكر يُعرف بقدرته على إنتاج الأفكار المؤسسة.. وبعمق تأثيرها.. وبقدرتها على تفسير الواقع.. وبقدرته على مراجعة أطروحاته عندما تتغير الوقائع..

عطفاً علي ذلك.. ما المشروع الفكري الكبير الذي تركه النور حمد للسودانيين؟ وما الفكرة التي أعاد بها تعريف الدولة السودانية؟ وما النظرية التي قدمها لإدارة التنوع؟ وما تصوره المتكامل للدولة والجيش والسيادة والإقتصاد والعلاقات الخارجية؟ ومن هم الذين أعادوا بناء أفكارهم السياسية والإستراتيجية إستناداً إلى منتوجه؟..

هذه ليست إساءة شخصية..

هذه أسئلة مشروعة في وجه رجل اختار أن يضع نفسه في مقام الناصح للدول..

فمن يريد أن يقدم نفسه كمفكر وجب عليه أن يقبل أولاً أن يخضع فكره نفسه للنقد..

والأهم أنه يبدو كمن فقد بوصلته أمام تغير المشهد السوداني..

ثلاث سنوات من الحرب كانت كافية لكي تكشف كثيراً من التقديرات..

كان هناك من افترض أن الدولة السودانية ستنهار.. وأن الجيش لن يستعيد زمام المبادرة.. وأن الخرطوم لن تعود إلى الحياة..وأن العاصمة أصبحت مدينة عصية على السكن والإستعادة.. وأن السودان يتجه إلى واقع جديد لا مكان فيه لمركز الدولة القديم..وكان السيد النور حمد دائماً من هؤلاء.. بلا رؤية ولا قرءاة حقيقية ولا جمهور يصفق له ولا قاعات تفكير تفتح له أبوابها..

حتي جاءت الوقائع..

عاد الجيش إلى قلب الخرطوم..

عادت مؤسسات الدولة..

عاد القصر الجمهوري..

وعادت العاصمة تدريجياً إلى الحياة..

وتغير ميزان الحرب..

وأصبح الحديث عن استعادة الدولة وترتيب مؤسساتها وإعادة الإعمار أكثر واقعية من حديث الإنهيار المزعوم..

وفي المقابل.. ظل خطاب النور حمد أسير كثير من التقديرات التي تنظر إلى الدولة السودانية باعتبارها مشروعاً منتهياً..آيلاً للسقوط والإنهيار..

ولذلك لابد لي شخصياً من توجيه سؤال حتمي له..

ماذا يفعل المفكر..أو مدعي الفكر حين تخالف الوقائع توقعاته؟..

هل يعيد النظر في أدواته؟

هل يراجع فرضياته؟

هل يقول للناس أخطأت؟

أم يهرب إلى معركة جديدة..فينتقل من محاولة تفسير المشهد السوداني إلى منصة الناصح للملكة السعودية لتعليمها كيف تحمي أمنها..وباكستان كيف تدير تحالفاتها.. وتركيا كيف تبني أمنها الإقليمي؟ إستناداً لخطرفات النور حمد وجماعته الذين يحسبون كل صيحة عليهم..

المفارقة التي تجعل تغريدته الأخيرة أكثر من مجرد تغريدة..إنها تبدو كأنها أزمة بوصلة..

فبدلاً من أن يسأل ماذا حدث للتقديرات التي بشرت بانهيار الدولة؟

انتقل إلى السؤال.. لماذا لا تفعل السعودية ما يراه هو صواباً؟

ربما الرجل لا يعلم من فرط أنكفائه علي فكره المحدود أن السعودية ليست بحاجة إلى نصيحة من هذا النوع..

السعودية دولة ذات سيادة..وقيادتها تدير منظومة أمنية واقتصادية ودبلوماسية معقدة.. وتتحرك في بيئة إقليمية شديدة الخطورة..

وباكستان دولة نووية ذات مؤسسة عسكرية ضخمة وحسابات إستراتيجية ممتدة..

وتركيا قوة إقليمية حالية وتاريخية ومستقبلية كبرى وعضو في حلف الناتو..

هذه ليست ثلاث عواصم تنتظر تغريدة من كاتب سوداني مغمور..يدعي الفكر لتكتشف أخطاءها!

والأغرب أن النور حمد نفسه يبني حكمه على افتراضات تحتاج إلى إثبات..ثم يقدم النتيجة بوصفها حقيقة مكتملة..

هذا ليس تفكيراً إستراتيجياً..

هذا استبدال للبرهان باليقين الشخصي..

إذا كان الرجل قد أخطأ في تقدير قدرة الدولة السودانية على استعادة عافيتها.. وأخطأ في قراءة مستقبل الخرطوم.. ولم يرَ أن الحرب يمكن أن تنقلب عسكرياً وسياسياً.. فبأي ميزان يمنح نفسه الآن سلطة إصدار الأحكام على الحسابات الأمنية للسعودية وباكستان وتركيا؟

وهو يسوق (لخزعبلاته) هذه لم يقدم ما يكفي من التفكير لكي يصبح نقده مرجعاً لجهة أو أحد..

كان الأولى بالنور حمد أن يسأل نفسه..كيف يمكن أن يساعد بلاده وشعبه على بناء دولة أقوى؟ كيف يمكن إعادة صياغة العقد الوطني؟ كيف يمكن إدارة التنوع؟ كيف يمكن إعادة بناء الإقتصاد؟ كيف يمكن تحويل الإنتصار العسكري إلى استقرار سياسي واجتماعي؟

أما أن ينصب نفسه مستشاراً إستراتيجياً للسعودية..ويقرر أنها «تطلق النار على قدميها».. فذلك تنطع يوجب مراجعة الأهلية العقلية والفكرية وحتي المجتمعية..

هل ما زال الرجل يقرأ الواقع..أم أنه يحاول أن يجعل الواقع يقرأ نفسه من خلال أفكاره القديمة العقيمة!!؟

فالمدهش ليس أن يبدي النور حمد رأيه مع السعودية..

المدهش أن يختلف معها من موقع من يظن أنه يعرف أكثر من دولة تعرف مصالحها..ومنظومة أمنها..وتحالفاتها.. ومخاطر إقليمها..

والأكثر إدهاشاً أن يحدث ذلك في الوقت الذي يتغير فيه السودان نفسه أمام عينيه عكس توقعاته وأمانيه المريضة..وأحلامه العرجاء..الحرون..

لقد بدأت الخرطوم تستعيد نبضها..

وبدأت الدولة تستعيد أدواتها..

وبدأ ميزان الحرب يتغير..

وبدأت المؤامرة على السودان تتكشف طبقة بعد أخرى..بينما لايزال الرجل يحارب طواحين الهواء..وحده..بلا أدوات ولا مناصرين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى