عرس الجزيرة.. والامتحان يبدأ من الحواشة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
انتهت انتخابات مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل، وانتهى معها موسم التنافس والاصطفاف، وبدأت الآن مرحلة أثقل وأهم: مرحلة العمل.
الانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لاستعادة مؤسسة المزارعين إلى موقعها الطبيعي، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل الزراعي والمؤسسي داخل المشروع. وقد كان التنافس بين أبناء الجزيرة مشهداً يستحق التقدير، لأنه أعاد للمزارع حق اختيار من يراه أهلاً لحمل قضاياه والدفاع عن مصالحه.
والأهم من النتيجة أن إنسان الجزيرة أثبت أنه قادر على إدارة شأنه متى توفرت له المساحة المؤسسية.
*لقد خرجت الجزيرة من الحرب بذاكرة مختلفة.*
إنسانها رأى كثيراً، وعرف كثيراً، ولم تعد الأسماء وحدها كافية لإقناعه؛ أصبح ينظر إلى المواقف، وإلى من بقي قريباً من الناس في أيام المحنة، ومن حمل هم المشروع عندما كان الحديث عنه أقل كلفة من الوقوف إلى جانبه.
ولهذا فإن المجلس الجديد لا يبدأ من صفحة بيضاء، بل من تركة ثقيلة، ومشروع يحتاج إلى إعادة بناء حقيقية.
*وأقولها بوضوح: مشروع الجزيرة لن يستعيد عافيته بالقرارات المكتبية وحدها.*
العودة تبدأ من الحواشة.
وتبدأ من التفتيش.
وتبدأ من المفتش الزراعي.
*فأنا ابن الجزيرة، وأعرف أن العلاقة بين المزارع والمفتش لم تكن تفصيلاً إدارياً في حياة المشروع؛ كانت جزءاً من بنيته الأساسية. المفتش يعرف المزارعين، يعرف الحواشات، يعرف مواقيت الزراعة، ويرى المرض قبل استفحاله، ويرصد الخلل قبل أن يتحول إلى خسارة.*
*المشروع بلا مفتش زراعي في التفتيش، مهما كثرت مكاتبه المركزية، يظل فاقداً لعينه الفنية.*
وهذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة أمام المجلس الجديد وإدارة المشروع والجهات المختصة.
مكاتب التفتيش المنتشرة على امتداد المشروع تحتاج إلى إعادة إعمار عاجلة. كثير منها تهدم أو تهالك، وبعضها فقد وظيفته بعد سنوات طويلة من الإهمال. وهذه المكاتب ليست حجارة وطوباً؛ إنها ذاكرة الإدارة الزراعية، وعنوان حضورها في الميدان.
أعيدوا بناءها.
أعيدوا المفتشين إليها.
أعيدوا الضباط الزراعيين إلى مواقعهم.
وأعيدوا للحواشة عيناً فنية تراقب وتوجه وتتابع.
*لدينا خريجو زراعة ينتظرون فرصة.*
ولدينا مفتشون سابقون يحملون خبرة سنوات طويلة.
*ولدينا أبناء الجزيرة الذين يعرفون أرضهم، ويعرفون مواسمها، ويعرفون طباعها، ويعرفون المزارع قبل أن يعرفوا المسمى الوظيفي.*
استعينوا بهم جميعاً.
*ليكن مشروع إعادة إعمار الجزيرة مشروعاً بأيدي أبناء الجزيرة.*
*فالخبرة لا تُدفن مع التقاعد، والمعرفة لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.*
يمكن للمفتشين السابقين أن يكونوا مدرسة ميدانية للأجيال الجديدة، ويمكن لخريجي الزراعة أن يحملوا الراية، ويمكن للمشروع أن يستعيد جهازه الفني تدريجياً.
*لكن إعادة بناء المشروع لا تقع على عاتق المجلس وحده.*
المزارع نفسه أمام مسؤولية لا تقل أهمية.
اهتموا بالحواشات ، نظفوا الأرض ..
نظفوا المصارف والقنوات والمداخل.
لا تتركوا الحشائش والمخلفات تتراكم خارج الحواشة.
*احفظوا بيئة الإنتاج كما تحفظون المحصول.*
فالنهضة الزراعية لا تبدأ بقرار وزاري وتنتهي عند حدود الحواشة؛ تبدأ من سلوك المزارع، ومن احترام الأرض، ومن النظافة، ومن المحافظة على قنوات الري والمنشآت، ومن إدراك أن كل حواشة جزء من منظومة أكبر اسمها مشروع الجزيرة.
وإذا كان المشروع يريد أن يستعيد سيرته الأولى، فإن النظافة والانضباط الزراعي يجب أن يعودا ثقافة عامة، لا حملة موسمية.
*الأرض التي نطلب منها أن تطعم السودان، يجب أن نعاملها بما يليق بمهمتها.*
وهنا أتذكر كلمات أغنية سودانية تختصر، ببساطة شديدة، فلسفة السودان الذي نريده:
*«بلدنا نعلي شانا*
*يا ناس سودانا نادانا*
*نعلي نعلي شانا*
*يا ناس سودانا نادانا*
*في الفجرية زارع*
*بيزرع في المزارع*
*أريد زراع بلدنا*
*ونور الشمس ساطع*
*في الفجرية صانع*
*بيصنع في المصانع*
*أريد عمال بلدنا*
*وصوت المكنة طالع*
*يا الحارسين حمانا*
*بعزة وأمانة*
*أريتو يسيل عرقنا*
*بدل ما تسيل دمّانا*
*نحلك يا قضية*
*بدون صوت بندقية*
*أخوي خليك معاي*
*أخوي ما تكون عليّ»*
ما أجمل أن تعود هذه الكلمات إلى معناها العملي.
*«أريتو يسيل عرقنا بدل ما تسيل دمّانا»* ليست أغنية تُستعاد للحنين؛ إنها مشروع وطن كامل.
نريد أن يتعب السوداني في الحقل لا في البحث عن ملجأ.
نريد عرق العامل فوق ماكينة المصنع، لا دم المواطن في طرقات الحرب.
*نريد المهندس الزراعي في التفتيش، والطبيب في المستشفى، والمعلم في المدرسة، والعامل في مصنعه، والجندي في موقعه يحرس الوطن.*
هذا هو السودان الذي يستحق أن نختلف من أجله، لا أن نختلف عليه.
*والجزيرة تستطيع أن تكون إحدى بوابات هذا السودان.*
بل أكثر من ذلك؛ من الزراعة وحدها نستطيع أن نعمر السودان.
*فالسودان لا تنقصه الأرض، ولا تنقصه الشمس، ولا تنقصه المياه، ولا تنقصه الخبرات.*
ما ينقصه هو أن تتجمع هذه العناصر في إدارة تعرف قيمة الإنتاج، ومجتمع يعرف واجبه، ودولة تعرف أن الزراعة ليست قطاعاً هامشياً، وإنما أمن قومي واقتصاد ومستقبل.
*ومن هنا، فإن مسؤولية المجلس الجديد تتجاوز تمثيل المزارعين في الملفات الإدارية.*
عليه أن يدفع باتجاه إعادة بناء الجهاز الزراعي.
*إعادة مكاتب التفتيش.*
*إعادة المفتشين.*
استيعاب خريجي الزراعة.
الاستفادة من الخبرات المتقاعدة.
إعادة تأهيل البنية الأساسية.
وحماية الترع والقنوات والمنشآت.
وتطوير التمويل والتسويق ومدخلات الإنتاج.
هذه ليست قائمة أمنيات؛ هذه شروط أولية لكي يعود المشروع إلى دوره.
ثم يأتي دور المزارع ، الحواشة مسؤولية النظافة المصرف
الممر الزراعي مسؤولية ..
المحافظة على المنشأة مسؤولية.
والعمل بإرشاد الجهاز الفني مسؤولية.
لا يمكن أن نطالب المشروع بالعطاء، ثم نتركه نحن للإهمال.
وإذا كان المجلس يريد أن يصنع فارقاً حقيقياً، فليبدأ من هذه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع الفارق الكبير في الزراعة.
فمشروع الجزيرة لا يحتاج إلى من يصف له الماضي؛ يحتاج إلى من يعيد بناء المستقبل.
*هوامش السيادة*
الانتخابات انتهت، والتهاني قيلت، والمقاعد شُغلت.
*الآن يبدأ الامتحان.*
*نريد أن نرى مكاتب التفتيش تُفتح أبوابها من جديد.*
*نريد أن نرى المفتش الزراعي يعود إلى موقعه وسط المزارعين.*
*نريد أن نرى خريجي الزراعة في الحواشه، وأصحاب الخبرة يعودون لخدمة المشروع.*
نريد أن نرى المكاتب التي بناها الأوائل تستعيد عافيتها، لا أن تبقى أطلالاً تروي وحدها قصة مشروع كان يعرف قيمة الإدارة الميدانية.
أعيدوا للمشروع مفتشه، تعُد إليه عينه.
أعيدوا للمكاتب عافيتها، تعُد إلى الإدارة ذاكرتها.
أعيدوا للمزارع ثقته، تعُد إلى الجزيرة روحها.
ثم ازرعوا نظفوا اعملوا ..
وأعيدوا لهذه الأرض سيرتها الأولى.
بلدنا نعلي شانا… يا ناس سودانا نادانا.
فالسودان لا ينقصه الكلام.
السودان ينقصه أن نضع أيدينا في التراب.



