مجلس الأمن أم مجلس سلب الأمن؟

السودان بين حرب الداخل ومكائد الخارج… حين يصبح ميزان القوة أثقل من ميزان العدالة
بقلم / محمد فؤاد عيد
حين تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كان الوعد بسيطًا وعظيمًا في الوقت نفسه ألا يترك العالم دولة تلتهم أخرى ولا شعبًا يباد أمام أعين الآخرين ولا حربًا تتسع حتى تحرق الإقليم بينما المجتمع الدولي يكتفي بالمشاهدة.
ومن قلب ذلك الوعد ولد مجلس الأمن ومنح صلاحية وصفها ميثاق الأمم المتحدة بأنها المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
لكن بعد أكثر من ثمانية عقود يفرض الواقع سؤالًا أكثر قسوة:
هل ما زلنا أمام مجلس للأمن… أم مجلس يراقب سلب الأمن من الشعوب ثم يصدر بيانًا يعرب فيه عن بالغ القلق؟
السؤال ليس تهكمًا على الأمم المتحدة بقدر ما هو احتجاج على واقع دولي أصبح فيه المواطن في السودان واليمن وسوريا ولبنان والصومال وغيرها يرى القتل أمامه ويرى السلاح يعبر الحدود ويرى دولًا تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة ثم يسمع بعد ذلك اللغة الدبلوماسية ذاتها:
ندعو إلى ضبط النفس. ونشعر بالقلق. كما نطالب الأطراف بوقف التصعيد.
وكأن الدم الذي يسيل يحتاج إلى مفردات أكثر مما يحتاج إلى قرار.
السودان… حرب سودانية أم ساحة صراع إقليمي ؟ :
ربما لا توجد دولة تكشف أزمة النظام الدولي في السنوات الأخيرة مثل السودان.
فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بدأت كصدام عسكري داخلي لكنها لم تبقَ كذلك.
ومع مرور الوقت أصبحت الحدود والمطارات ومسارات الصحراء وشبكات الذهب والسلاح والمرتزقة والتحالفات الدولية جزءًا من معادلة الحرب.
ووفق تقارير وتحقيقات دولية حديثة أصبح النزاع السوداني مرتبطًا بصورة متزايدة بفاعلين ودول خارجية وهذا معلوم للجميع فيما تتبادل الأطراف السودانية الاتهامات حول مصادر السلاح والتمويل والدعم السياسي. وتؤكد العديد من الوكالات والصحف الاستقصائية العالمية إن الحرب جذبت أطرافًا خارجية متعددة وإن الإمارات متهمة بمساندة الدعم السريع بما لا يدعو للشك بينما ترتبط القاهرة وأنقرة والرياض والدوحة بدرجات متفاوتة بعلاقات ودعم للجانب الحكومي والجيش.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا تحولت الحرب الداخلية إلى حرب تتغذى من الخارج فهل يمكن لمجلس الأمن أن يتعامل معها باعتبارها مجرد نزاع بين جنرالين سودانيين ؟
الإمارات… الاتهام الذي لم يعد سودانيًا فقط :
لسنوات ظلت الخرطوم تتهم دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والإسناد اللوجستي
وكان من السهل في البداية وضع ذلك كله في خانة الاتهامات المتبادلة بين الدول لكن القضية لم تعد محصورة في الرواية الرسمية السودانية.
فالعديد من منظمات حقوق الانسان وعلى رأسها منظمة العفو الدولية أعلنت بعد تحليل أسلحة وصور ومقاطع مصورة أنها حددت قنابل موجهة ومدافع صينية متطورة قالت إنها أُعيد تصديرها على الأرجح من الإمارات إلى قوات الدعم السريع بما في ذلك معدات ظهرت في دارفور الخاضعة لحظر سلاح دولي.
وفي يوليو 2026 كشفت ذات الوكالات الاروبية بأنة واستنادًا إلى مسودة تقرير لخبراء الأمم المتحدة عن شبكات طيران استخدمت في نقل أسلحة وطائرات مسيرة ومرتزقة لصالح الدعم السريع وعن وجود مرتزقة كولومبيين قالت التحقيقات إن لهم صلات بشركات أمنية مقرها الإمارات.
كما قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها الأحدث إن الدعم الإماراتي للدعم السريع يمثل في تقدير المنظمة أحد العوامل الرئيسية التي مكنت القوات من مواصلة عملياتها العسكرية.
والإمارات من جانبها تنفي تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالمقال الصحفي المسؤول لا يحول الاتهام إلى حكم قضائي لكنه أيضًا لا يستطيع أن يتجاهل تراكم القرائن والتقارير والتحقيقات المستقلة وكأنها لم توجد.
السودان ذهب إلى لاهاي… فهل تمت تبرئة الإمارات ؟ :
السودان لم يكتفِ بالبيانات السياسية وإنما ذهب إلى محكمة العدل الدولية واتهم الإمارات بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية نتيجة الدعم الذي قال إنها قدمته لقوات الدعم السريع.
وفي 5 مايو 2025 رفضت المحكمة طلب السودان وأمرت بشطب القضية من قائمتها.
لكن هنا وقعت واحدة من أكبر عمليات الالتباس في الخطاب السياسي.
فقرار المحكمة لم يكن حكمًا يقول إن الإمارات لم تدعم الدعم السريع.
ولم تفحص المحكمة الأدلة ثم تصدر حكم براءة في موضوع القضية.
القضية اصطدمت أساسًا بمسألة الاختصاص القضائي.
والفارق هائل بين أن تقول محكمة
«نظرنا الاتهام وثبت أنه باطل»
وبين أن تقول:
«لا نملك الاختصاص القانوني للنظر في القضية».
لذلك فإن استخدام قرار المحكمة بوصفه شهادة براءة سياسية كاملة ليس قراءة دقيقة لما جرى.
ولكن أين مجلس الأمن ؟ و هنا فقط نعود إلى قلب المعضلة.
فمجلس الأمن نفسه أصدر في يونيو 2024 القرار 2736 وطالب قوات الدعم السريع بوقف حصار الفاشر فورًا ودعا إلى وقف القتال وحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية وقد أيد القرار 14 عضوًا بينما امتنعت روسيا عن التصويت.
السؤال:
ماذا حدث بعد القرار ؟ هل انتهى حصار الفاشر ؟ هل توقف تدفق السلاح ؟ هل شعر من يخالف القرار أن هناك قوة دولية ستجبره على الالتزام؟
النتيجة التي رآها السوداني العادي كانت شيئًا آخر.
استمرت الحرب. وكذلك استمر القتل بينما استمرت الأسلحة في الوصول وتفاقمت مأساة دارفور.
وهكذا تحول القرار الدولي في نظر كثيرين من أداة ردع إلى ورقة محفوظة في أرشيف الأمم المتحدة.
الفيتو… عندما يهزم صوت واحد أربعة عشر صوتًا :
وربما لا توجد واقعة تختصر أزمة مجلس الأمن في السودان مثلما حدث في 18 نوفمبر 2024 فمشروع قرار قدمته بريطانيا وسيراليون كان يدعو إلى حماية المدنيين وزيادة وصول المساعدات والضغط باتجاه وقف إطلاق النار. صوّت أربعة عشر عضوًا لصالحه أي أن المجلس كله تقريبًا كان موافقًا لكن روسيا استخدمت حق النقض فسقط القرار.
أربعة عشر صوتًا لم تكن كافية أمام صوت واحد.
وهنا يصبح السؤال أكبر من السودان:
أي ديمقراطية دولية هذه التي تستطيع فيها دولة واحدة إسقاط إرادة أربعة عشر عضوًا؟
وأي مساواة بين الدول نتحدث عنها إذا كان خمسة أعضاء فقط يمتلكون حق تعطيل القرار الدولي مهما كان عدد المؤيدين له؟
هذه ليست مشكلة روسية وحدها.
فالولايات المتحدة استخدمت الفيتو في قضايا أخرى وكذلك فعلت روسيا والصين في ملفات مختلفة.
والمشكلة ليست في اسم الدولة التي تستخدم الفيتو وإنما في النظام الذي يمنح مصالح خمس دول قدرة استثنائية على تعطيل الإرادة الدولية.
السودان بين «المكيدة» والمصلحة :
نعم كلمة «المكائد» ثقيلة ولكن ماذا نسمي دولة تتحول أرضها إلى ممر للأسلحة ؟ وماذا نسمي شراء النفوذ داخل الحركات السياسية والعسكرية ؟ وماذا نسمي استخدام الذهب والموانئ والبحر الأحمر والحدود والمواقع الاستراتيجية أدوات في الصراع ؟
الأكثر دقة أن نقول إن السودان أصبح محاطًا بـشبكة متقاطعة من المصالح الخارجية وبعض هذه المصالح قد يتناقض جذريًا مع مصلحة بقاء السودان دولة قوية موحدة فالسودان ليس مجرد مساحة جغرافية.
إنه بلد يطل على البحر الأحمر.
ويمتلك موانئ استراتيجية.
ويمتلك احتياطيات ذهب ضخمة.
وأراضي زراعية هائلة.
ومياه النيل.
ويقع بين القرن الأفريقي والساحل وأفريقيا العربية وأفريقيا جنوب الصحراء وله حدود مع سبع دول.
لذلك فإن السودان الضعيف بالنسبة لبعض القوى الإقليمية قد يكون أسهل في التعامل معه من السودان الموحد القادر على فرض شروطه.
وهنا لا نحتاج إلى نظرية مؤامرة حتى نفهم الأمر وتكفي قراءة المصالح.
الحدود… من يفتح أبواب الحرب ؟ :
تقارير الأمم المتحدة نفسها أشارت إلى التعقيد الكبير في الحدود السودانية الليبية والتشادية وإلى وجود شبكات ومسارات تستخدم في حركة المقاتلين والسلاح والإمدادات كما تحدثت عن صعوبة السيطرة على المناطق الحدودية واتساع طرق التهريب المرتبطة بدارفور.
والحكومة السودانية وجهت رسميًا اتهامات إلى تشاد في مراحل مختلفة بتسهيل الدعم الموجه إلى قوات الدعم السريع بينما نفت تشاد تلك الاتهامات.
كما أن المشهد الليبي نفسه منقسم بين سلطات وقوات مختلفة الأمر الذي جعل الصحراء الغربية والشمالية الغربية للسودان جزءًا من شبكة إقليمية أكثر تعقيدًا وهنا يظهر خلل آخر.
فعندما تكون الحرب لها خطوط إمداد عابرة للحدود فإن وقفها لا يحتاج فقط إلى مفاوضات في جدة أو جنيف بل يحتاج إلى قرار دولي حقيقي والسؤال من أين يأتي السلاح؟ ومن يموله؟ من ينقله؟ من يوفر المطارات؟ من يوفر الوقود؟ من يشتري الذهب؟ ومن يحمي شبكات الإمداد سياسيًا؟
الذهب… الحرب التي تموّل نفسها :
ولا يمكن الحديث عن مكائد الخارج دون الحديث عن الذهب فالذهب السوداني لم يعد مجرد مورد اقتصادي لقد أصبح خلال سنوات أحد مفاتيح النفوذ السياسي والعسكري.
عندما تستطيع قوة مسلحة الوصول إلى المناجم أو شبكات التهريب والتصدير فإنها لا تحتاج بالضرورة إلى ميزانية دولة.
والحرب تستطيع أن تمول نفسها ويتحول الذهب من نعمة وطنية إلى وقود للرصاص.
ولهذا فإن أي نظام دولي يريد إنهاء الحرب بجدية لا يكفي أن يفرض عقوبات على قائد هنا أو شركة هناك.
المطلوب هو تتبع سلسلة الذهب بالكامل من المنجم إلى الوسيط ومن الوسيط إلى المطار ومن المطار إلى السوق الدولية ومن السوق إلى الحساب المصرفي.
عندها فقط يمكن معرفة من يمول الحرب فعلًا.
لماذا لم يُوسَّع حظر السلاح ؟ :
دارفور تخضع منذ سنوات طويلة لنظام عقوبات وحظر سلاح بموجب قرارات مجلس الأمن ولا تزال آلية الحظر قائمة لكن منظمة العفو الدولية تطالب منذ فترة بتوسيع الحظر ليشمل السودان كله معتبرة أن استمرار تدفق الأسلحة هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار قدرة الأطراف على القتال.
وهنا مفارقة يصعب تفسيرها للمواطن السوداني:
إذا كان العالم يعرف أن السلاح الخارجي يطيل الحرب فلماذا يعجز عن إيقافه ؟
إذا كانت هناك أقمار صناعية تستطيع رؤية سيارة في الصحراء فهل يعجز العالم حقًا عن معرفة مسارات طائرات شحن عسكرية؟
وإذا كانت المؤسسات الدولية تستطيع تتبع التحويلات البنكية وتمويل الإرهاب وغسل الأموال فهل يصعب عليها تتبع ملايين الدولارات التي تغذي حربًا أحرقت بلدًا كاملًا ؟
أم أن المشكلة ليست في القدرة وإنما في الإرادة؟
البريطانيون ومسك القلم السوداني :
هناك أيضًا زاوية شديدة الحساسية فبريطانيا ظلت لسنوات صاحبة «القلم» داخل مجلس الأمن في الملف السوداني أي أنها تلعب دورًا مركزيًا في إعداد مشروعات القرارات المتعلقة بالسودان.
لكن منظمة العفو الدولية قالت في يوليو 2026، استنادًا إلى إفادات أمام لجنة برلمانية بريطانية إن الحكومة البريطانية تعرضت لضغوط إماراتية فيما يتعلق بكشف معلومات مرتبطة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.
وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا وليس حكمًا نهائيًا:
إذا كانت الدولة التي تصوغ مشروعات القرارات نفسها لديها علاقات اقتصادية واستراتيجية ضخمة مع دولة متهمة بالتدخل في الحرب فكيف يمكن ضمان الفصل الكامل بين المصالح الثنائية وبين واجب حماية السودان؟ ومن هنا بالضبط تبدأ أزمة الثقة.
السودان ليس وحده :
وإذا ابتعدنا قليلًا عن السودان سنجد المشهد نفسه يتكرر بأشكال مختلفة.
اليمن أصبح لسنوات ساحة تتصارع فيها مشاريع إقليمية متعددة بل إن التنافس بين حلفاء الأمس أنفسهم ظهر بصورة أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة بما في ذلك خلافات بين السعودية والإمارات بشأن قوى محلية ومسارات النفوذ في الجنوب اليمني سوريا تحولت إلى ساحة تدخل روسي وإيراني وتركي وأمريكي وإسرائيلي لبنان يدفع منذ عقود ثمن ارتباط ساحته بالصراعات الإقليمية الصومال ظل مسرحًا لتنافس قوى إقليمية ودولية على الموانئ والأمن والبحر الأحمر.
ومع كل أزمة يعود مجلس الأمن.
اجتماع يتلوة خطابات ثم اتهامات يعقبة فيتو ثم بيان واخيرآ اجتماع جديد.
هل أصبح القوي هو صاحب الحق :
قانونيًا لا فميثاق الأمم المتحدة واضح في مبدأ السيادة والمساواة بين الدول لكن سياسيًا فإن الواقع أكثر قسوة فالدولة الضعيفة تستطيع أن تملك الحق ولا تملك القدرة على فرضه أما الدولة القوية فقد لا تملك الحق كاملًا لكنها تستطيع أن تؤخر المحاسبة وتمنع القرار وتحشد الحلفاء وتستخدم الاقتصاد والفيتو والنفوذ الدبلوماسي.
وهنا تكمن أخطر مشكلة في النظام الدولي الحالي حيث لم يعد السؤال دائمًا من معه الحق بل أصبح أحيانًا من وراءه دولة كبرى؟ من يستطيع منع العقوبات؟ من يملك المال؟ من يملك الفيتو؟ ومن يملك شبكة المصالح؟
ولكن هل السودان بريء من صناعة أزمته؟ مع ذلك سيكون من الظلم أن نحمل الخارج كل شيء. فلا تستطيع قوة أجنبية أن تتدخل في بلد إلا إذا وجدت شقوقًا تدخل منها.
والسودان قدم للخارج على مدى عقود عددًا هائلًا من تلك الشقوق:
صراعات سياسية لا تنتهي.
جيوش ومليشيات متعددة.
ضعف المؤسسات.
انقلابات.
فساد.
نزاعات قبلية.
غياب المشروع الوطني.
سياسيون يبحث بعضهم عن الدعم الخارجي لمواجهة خصوم الداخل وحركات مسلحة أقامت تحالفات خارج حدود البلاد ونخب ظنت أحيانًا أنها تستطيع الاستعانة بالخارج للوصول إلى السلطة ثم التخلص من نفوذه لاحقًا.
لكن التاريخ يعلمنا أن من يستدعي الخارج إلى بيته لا يملك دائمًا تحديد موعد خروجه.
ولذلك فإن جزءًا من «مكائد الخارج» صُنع للأسف داخل السودان نفسه.
أخطر ما يواجه السودان ليس تقسيم الأرض فقط وهناك حديث متزايد عن احتمال تقسيم السودان أو تحوله إلى مناطق نفوذ.
لكن التقسيم لا يبدأ بالضرورة بإعلان دولتين ورفع علمين.
التقسيم قد يبدأ عندما تصبح لكل منطقة قوة مسلحة ولكل قوة ممول خارجي ولكل ميناء دولة مهتمة به ولكل منجم شبكة ولكل حدود راعٍ.
ثم تبقى الخريطة موحدة على الورق بينما الدولة مقسمة في الواقع.
وهذا ربما هو السيناريو الأخطر.
ليس تقسيم السودان غدًا بقرار دولي
بل تفكيكه تدريجيًا حتى يصبح عاجزًا عن العودة دولة واحدة صاحبة قرار وسيادة.
ومجلس الأمن… ماذا بقي منه :
لا يمكن إنكار أن مجلس الأمن أصدر قرارات مهمة وأن الأمم المتحدة قدمت مساعدات وأن وكالاتها أنقذت أرواحًا كثيرة.
لكن القضية ليست هل فعل شيئًا وإنما القضية هل فعل ما يتناسب مع حجم الكارثة؟ فإذا استمر السلاح في التدفق رغم الحظر واستمرت الدول في دعم الأطراف رغم المناشدات.
وظلت القرارات بلا تنفيذ.
وظل الفيتو قادرًا على إسقاط إرادة أربعة عشر عضوًا.
فلا ينبغي أن يتفاجأ أحد عندما تفقد الشعوب الثقة بالمؤسسات الدولية.
لأن الخطر الأكبر ليس فشل مجلس الأمن في إنهاء حرب واحدة.
الخطر أن يصل العالم إلى قناعة بأن القانون الدولي لا يحمي الضعيف إلا عندما لا تتعارض حمايته مع مصالح القوي.
السودان يحتاج إلى مجلس أمن لا مجلس يتعامل بأكثر من وجة والسوداني الذي فقد منزله لا يحتاج إلى بيان .
والمرأة التي فقدت أبناءها لا تحتاج إلى جلسة مغلقة.
والطفل الذي يعيش في معسكر النزوح لا تعنيه براعة اللغة الدبلوماسية.
السودان يحتاج إلى شيء أكثر وضوحًا وهو.كشف الدول والجهات التي تسلح الأطراف عبر إغلاق خطوط الإمداد الخارجي وتتبع الأموال والذهب وفرض عقوبات حقيقية على من يخرق الحظر مع منع استخدام أراضي دول الجوار ممرًا للحرب.
محاسبة كل من ارتكب جرائم ضد المدنيين سواء كان من الدعم السريع أو الجيش أو القوات المتحالفة مع أي منهما وحماية وحدة السودان من مشاريع مناطق النفوذ والتقسيم.
وفوق ذلك كله يحتاج السودان إلى السودانيين أنفسهم.
إلى مشروع وطني يقول إن الخلاف حول السلطة لا يجوز أن يفتح أبواب البلاد أمام الآخرين.
السؤال الذي سيبقى
ربما لم يعد السؤال:
أين مجلس الأمن؟
بل:
لمن يعمل مجلس الأمن عندما تتعارض العدالة مع المصالح؟
وهل يمكن لنظام دولي صُمم عام 1945، ومنح خمس دول حقًا استثنائيًا في تعطيل إرادة بقية العالم أن يكون الحكم العادل على حروب القرن الحادي والعشرين؟
وفي السودان يبدو السؤال أشد مرارة:
كم مدينة يجب أن تحترق؟
وكم سودانيًا يجب أن يموت أو ينزح؟
وكم طائرة سلاح يجب أن تهبط؟
وكم مرتزقًا يجب أن يعبر الحدود؟
وكم تقريرًا يجب أن يُكتب؟
قبل أن ينتقل المجتمع الدولي من مرحلة «نحن قلقون» إلى مرحلة «نحن نمنع»؟
وإلى أن يحدث ذلك سيظل السؤال معلقًا فوق مبنى الأمم المتحدة في نيويورك:
هل هو حقًا مجلس الأمن؟
أم أن الشعوب التي سُلب أمنها بات من حقها أن تسميه… مجلس سلب الأمن؟




