خالد الإعيسر يكتب: بختان.. يا بختان.. من على البعد، أكتب عنك لأناجي روحك في هذه اللحظة الحزينة

في هذه اللحظات التي حال بُعدي وسفري عن حضور مراسم دفن جثمانك، وفي هذه اللحظة الأليمة، ليس عندي إلا أن أقول من على البعد، بآلاف الأميال، إن قدرك وذكرك عندي يمثلان مئات الآلاف، بل ملايين العناوين والأسماء والصفات؛ فأنت من أولئك الذين لا تقاس مكانتهم بعدد، ولا تختزل سيرتهم في عنوان، وإنما تعرف قيمتهم بما يتركونه من أثر في النفوس، وبما يرسخونه من جميل الذكر وحسن الوفاء.

ولذلك أكتب إليك اليوم، يا بختان، من على البعد، لا لأرثيك بالكلمات فحسب، وإنما لأناجي روحك بما عجز البعد عن أن يحمله إليك. أكتب عنك لأنني لم أجد في هذه اللحظة الحزينة من وسيلة أخرى أبلغ بها وداعي، وأقول لك ما عجزت المسافات عن أن أقوله عند قبرك.

عرفتك يا بختان منذ أعوام طويلة، وأنا أتقلب بين مواقع ومهام مختلفة؛ مراسلاً تلفزيونياً، ومقدماً للبرامج، ومديراً لقناة النيلين الرياضية، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والآثار والسياحة، ومشرفاً على مهمة بالغة التعقيد لاستعادة المؤسسات الإعلامية التي دمرت بالكامل، وما أكثرها. وكنت أنت أحد أهم أسلحتنا الأشد فاعلية في القطاع الهندسي، وسنداً نعتمد عليه في مواجهة واحدة من أصعب مراحل العمل الإعلامي في البلاد.

وعلى امتداد تلك السنوات، ومع اختلاف المواقع وتباين المسؤوليات، بقيت في عيني كما عرفتك أول مرة. لم تغير المناصب رؤيتي لك، ولم تبدل الأيام تقديري لمقامك؛ بل كنت، في كل مرحلة، تاجاً على العطاء، ونموذجاً في التميز، وعنواناً للوفاء.

بختان.. رجل نادر جداً، يتحلى بأخلاق الأتقياء. تجالسه فتأنس به كنسمة في هجير الصحراء، وتجد في حضوره راحة لا تحتاج إلى كثير حديث، ولا إلى عناء في تفسير ما ينبغي أن يقال. وفي مواقفه وضوح يغني عن الشرح والتفصيل والتوضيح الممل.

كان الوطن عنده أولوية لا تتقدم عليها أولوية، ونداء لا يؤجل، وواجباً لا يساوم عليه، وعطاء يؤديه بعزة وإباء.

عرفته في مواقع مختلفة، ورأيته في مواقف متعددة، وكان الثابت فيه أن إنسانيته لم تتغير، وأن وفاءه لم يتبدل، وأن المهنة بقيت عنده رسالة ومسؤولية وطنية، لا مجرد وظيفة أو منصب.

 

آه يا بختان.. آه يا بختان!

 

والله إني لفراقه اليوم لحزين، حزين، حزين؛ حزناً يضاهي ذلك الحزن الفطري العميق الذي يسكن وجدان الأمهات والآباء والأبناء حين يفقدون عزيزاً لا يعوضه أحد، ولا يملأ مكانه أحد.

لقد أوجعني فراقه، وخلف في القلب حزناً لا يداوى، وذكراه في النفس لا تنسى. وستظل ترافقني في المساء والصباح، وفي كل موقف تستدعي فيه الذاكرة أهل الوفاء وأصحاب العطاء الذين عرفتهم في زمن الحرب والشقاء.

كنت، يا بختان، من أولئك الذين لا يغادرون المهنة من غير أن يتركوا وراءهم فراغاً. فإذا غابوا عن المشهد الهندسي والإعلامي، بقي أثرهم حاضراً، وظلت بصمتهم شاهدة عليهم؛ أثراً من الصعب أن يستعاد، ومكاناً من الصعب أن يملأه آخر.

آه يا بختان.. لقد رفعت سقف العطاء، وزدت معيار التميز والوفاء، وتركت من بعدك فراغاً وعناء.

رحمك الله يا بختان، وجزى الوطن والمهنة فيك خير الجزاء، وجعل ما قدمته من عطاء وإخلاص في ميزان حسناتك، وحفظ ذكراك في قلوب من عرفوك، وعاشوا معك تفاصيل هذه المهنة في أصعب الظروف وأكثرها استثنائية على مر تاريخ البلاد، قديمه وحديثه.

فما أصعب أن نفقد رجلاً مثلك في هذه الأيام الصعبة والمهمة، ونحن نتحدى الدمار والحريق والخسائر التي تركتها أيادي ميليشيا الشر والعبث والإجرام. وما أثقل أن تستمر المهنة بعدك وكأن شيئا لم يكن.

رحم الله بختان.. رجلاً كان تاجاً على العطاء، وعنواناً للتميز، وراية للوفاء.

آه يا بختان.. آه.

ولا نقول إلا ما يرضي الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى