من يملك حقَّ الحديث عن حماية المدنيين؟

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

واشنطن تتحدث مجدداً عن حماية المدنيين في السودان، وتدفع باتجاه توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد، بينما يؤكد مبعوثها مسعد بولس أن الدعم المالي والعسكري الخارجي يطيل أمد الحرب.

 

لكن قبل أن ترفع الولايات المتحدة صوتها بهذه النبرة، يحق للسودانيين أن يسألوا: بأي سجلٍّ تتحدث واشنطن عن حماية المدنيين؟ وبأي ذاكرة سياسية تريد أن تمنح الآخرين دروساً في حقوق الإنسان؟

 

ولعلها من المفارقات التي تختصر المشهد كله تلك العبارة التي اشتهرت *عن المشير عمر حسن أحمد البشير: «أمريكا لا تاريخها البعيد ولا تاريخها الحاضر يؤهلها لتتحدث عن حقوق الإنسان».

 

والعبارة، مهما اختلف الناس حول قائلها، لا تحتاج إلى كثير شرح؛ لأن التاريخ نفسه يتكلم.

 

في السادس من أغسطس 1945 سقطت القنبلة الذرية على هيروشيما، ثم لحقتها ناغازاكي بعد ثلاثة أيام. وتشير تقديرات موثقة إلى أن نحو 140 ألفاً قضوا في هيروشيما بنهاية ذلك العام، ونحو 70 ألفاً في ناغازاكي.

 

*/ثم جاءت حروب ما بعد 11 سبتمبر لتفتح فصلاً آخر من السجل. مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون يقدّر أن الحروب الأمريكية بعد 2001 في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن أوقعت مئات الآلاف من القتلى المدنيين مباشرة، وأن إجمالي الوفيات المباشرة وغير المباشرة تجاوز ملايين البشر.

 

أما غوانتانامو وأبو غريب، فليستا حكايتين من كتب الخصوم؛ إنما صفحتان موثقتان من تاريخ الحرب الأمريكية الحديثة. وقد وثقت تقارير حقوقية وتحقيقات رسمية أمريكية ممارسات إساءة ومعاملة قاسية للمحتجزين، بينما وصف مسؤولون أمريكيون سابقون غوانتانامو بأنه رمز للتعذيب والظلم.

 

فأيُّ مرآة تريد واشنطن أن تنظر فيها إلى العالم؟

 

وأيُّ قاموس لحقوق الإنسان تريد أن تستخدمه؟

 

ثم تأتي غزة، حيث لا يستطيع أحد أن يتعامى عن حجم المأساة الإنسانية، فيما تواصل الولايات المتحدة تقديم دعم سياسي وعسكري لإسرائيل، وسط تقارير عن سقوط أعداد هائلة من المدنيين وتدمير واسع للبنية المدنية.

 

ومع ذلك، تتحدث واشنطن عن حماية المدنيين!

 

يا لهذه الجرأة.

 

يا لهذا الوجه الذي لا يعرف الخجل السياسي!

وفي السودان، تبدو الحكاية أكثر وضوحاً.

 

المجتمع الدولي الذي يرفع شعار حماية المدنيين لا يستطيع أن يقنع السودانيين بأنه لا يرى إلا ما يريد أن يراه. فكيف يستقيم الحديث عن وقف الحرب بينما تتعامل بعض العواصم مع الأزمة بمنطق التوازنات والمصالح، وتترك أبواب السلاح والمال مفتوحة أمام من يطيل أمد الحرب؟

 

وكيف يصبح الحديث عن السيادة السودانية مجرد فقرة دبلوماسية، بينما تُستدعى العواصم الخارجية لتقرر للسودانيين شكل دولتهم ومستقبلهم؟

 

المفارقة أن دويلة الإمارات تتحدث عن الهدنة وحماية المدنيين والحل السياسي، بل أعلنت تأييدها لخطة أمريكية للسلام في السودان تقوم على الهدنة وحماية المدنيين والانتقال السياسي.

 

لكن السودان لا يحتاج إلى بياناتٍ براقة؛ السودان يحتاج إلى إجابة عن سؤال واحد:

 

من يموّل الحرب؟ ومن يمدها بالسلاح؟ ومن يملك القدرة على إيقاف هذا الإمداد؟

 

هنا تحديداً يسقط القناع.

 

لأن حماية المدنيين لا تبدأ من المؤتمرات الصحفية، وإنما من تجفيف منابع الحرب.

 

أما مسعد بولس، الذي يتحدث باسم الإدارة الأمريكية عن السودان، فليعلم أن السودانيين لا يحتاجون إلى وصاية سياسية من واشنطن، ولا إلى مبعوث يظن أن الخرائط تُرسم في غرف الفنادق، وأن مستقبل الشعوب يمكن اختزاله في ورقة تفاوض.

 

المشكلة ليست في أن يتحدث بولس عن السلام؛ المشكلة أن السلام لا يكون سلاماً إذا صار مشروعاً خارجياً يُفرض على السودانيين، ولا يكون سلاماً إذا ساوى بين الدولة والجماعات المسلحة، ولا يكون سلاماً إذا تجاهل مصادر السلاح والتمويل.

 

والأخطر أن تتحول الدبلوماسية إلى سوق، وتصبح دماء الشعوب أوراقاً في بورصة المصالح.

 

*مسعد بولس ليس صاحب السودان، والسودان ليس ملفاً في حقيبة واشنطن.*

 

والذين يريدون صناعة السودان على مقاس مصالحهم سيكتشفون أن السودان، رغم الجراح، أكثر عناداً من خرائطهم.

 

*أما المجتمع الدولي:*

 

لقد أكثرتم من الكلام حتى فقد الكلام قيمته.

 

كلما تحركت القوات المسلحة لبسط سيطرة الدولة وتحرير موقع من قبضة المليشيا، ارتفعت أصوات القلق، وتوالت البيانات والمبادرات، وكأن استعادة الدولة لأرضها هي المشكلة، لا السلاح الذي صادرها.

 

ثم تعود الطائرات، وتعود البنادق، ويعود القتل، ويعود المجتمع الدولي إلى بياناته.

 

هذا ليس سلاماً ، هذا إدارة للأزمة ..

 

والسودانيون لا يريدون إدارة أزمتهم؛ يريدون إنهاءها.

 

وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في حماية المدنيين، فليبدأ من حيث تبدأ الحقيقة: من الذين يمدون الحرب بالمال والسلاح؟

 

أما أن تُغضّ الأبصار عن الجهات التي تسند المليشيا، ثم تُلقى المواعظ على الخرطوم، فذلك ليس حياداً.

 

*ذلك تواطؤٌ بربطة عنق.*

 

السودان لا يطلب من واشنطن شهادة حسن سير وسلوك.

 

ولا ينتظر من دويلة الإمارات درساً في الإنسانية.

 

ولا يحتاج إلى مبعوث أمريكي يشرح له كيف يعيش.

 

السودان يعرف أصدقاءه، ويعرف خصومه، ويعرف أن مصالح الدول لا تتحرك دائماً بالفضيلة، وأن بعض العواصم لا ترى في الشعوب إلا مواقع نفوذ وممرات وموانئ وثروات.

 

لكن السودان، رغم كل شيء، لن يكون غنيمة.

 

وسيظل السؤال قائماً في وجه كل من يتحدث عن حماية المدنيين:

 

أين كانت حماية المدنيين عندما كانت القنابل الأمريكية تسقط؟

 

وأين كانت عندما كان أبو غريب وغوانتانامو يختبران معنى الكرامة الإنسانية؟

 

وأين هي اليوم أمام ما يحدث في غزة؟

 

وأين هي في السودان عندما تتدفق أسباب الحرب من خارج الحدود؟

 

من يملك الإجابة، فليتفضل.

 

أما الذين لا يملكون إلا البيانات، فنقول لهم:

 

أطفئوا مكبرات الصوت قليلاً… فالسودان يسمع صوت الرصاص، ولا يحتاج إلى سماع ضجيج النفاق الدولي.

 

هوامش السيادة

 

الكلمة لا تخاف من واشنطن، ولا تنحني لأبوظبي، ولا تستأذن مسعد بولس حتى تقول الحقيقة.

 

والحقيقة أن السودان ليس ملعباً للمبعوثين، ولا مزرعةً للممولين، ولا ورقةً في دفاتر المتاجرين بالسياسة.

 

ومن أراد حماية المدنيين حقاً، فليبدأ بمنع من يشعل النار من شراء الوقود.

 

أما أن تقتل النار ثم تأتي لتبيعنا الماء، فهذه ليست إنسانية…

 

هذه تجارة بالدم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى