كلمة السودان في جلسة مجلس الأمن.. حساب الأرباح والخسائر

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

وعند القراءة في حيثيات جلسة مجلس الأمن الأخيرة بالأمم المتحدة، والتي انعقدت بتاريخ الاثنين ٢٤ أغسطس، وكانت الدعوة لها مخصصة لسماع مجموع إحاطات بملفات تتعلق بدولتي السودان وجنوب السودان، والتي كانت قد تم استباق انعقادها بتوقعات ذهبت بعيدًا حول نتائج الجلسة والقرارات التي كان من المتوقع أن تصدر عنها تحت عنوان عريض هو “حظر السلاح والطيران”، وبما أن الجلسة كانت قد انتهت إلى خلاف كل التوقعات، إلا أنه ينبغي، ولخدمة القراءة المنتجة والإيجابية، ألا نتورط في “فخاخ” التحليل والقراءة الرغائبية بين فخ “انتصار السودان” ودبلوماسيته أو فخ خسارتها.

وبالعودة لإرهاصات ما قبل الانعقاد، فإنه يمكننا القول بأن الخرطوم لم تخرج من الجلسة بقرار عقوبات كما كان متوقعًا، ولكن بالضرورة في القياس لا يمكننا توصيف ما حدث باعتباره انتصارًا للخرطوم في معركتها السياسية والدبلوماسية، لأنه وفي حقيقة الأمر لم يكن المشروع الأمريكي المقترح مكملًا لكل خطوات التصويت عليه واعتماده كقرار ملزم، وهو لم يتعدَّ حالة كونه اختبارًا إجرائيًا شديد الصعوبة مر به السودان خلال الجلسة، ويعتبر ما حدث هو أولى عتبات الامتحان الدبلوماسي والسياسي الأصعب لاحقًا.

الولايات المتحدة طرحت بالفعل مشروع قرار لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، مع إدخال الطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها ضمن نطاق الحظر، وزيادة عدد خبراء لجنة العقوبات. لكن هذا المشروع، كما قلنا، لم يتحول في الجلسة إلى قرار مُعتمد وملزم، وبالتالي، وفي ميزان الربح والخسارة، فإن الخرطوم ربحت “جولة” في معركة التهديد السياسي والدبلوماسي، ولكنها بالمقابل لربما خسرت أيضًا معركة الرواية الأكثر صدقًا واتزانًا عن سلوكها وتاريخها السياسي.

عدم صدور قرار عقابي على الخرطوم، قياسًا برغائب معسكر المليشيا و”الجلبة” الإعلامية التي سبقت انعقاد الجلسة بتوسيع نطاق الحظر من دارفور ليشمل عموم الدولة السودانية، كما ذكرنا سابقًا في مقال “مسعد بولس.. السودان في وضع الطيران”، فإن ذلك كان من شأنه إحداث تغييرات على مستوى الميدان والمعارك العسكرية، والتي يلعب فيها الطيران العسكري للجيش السوداني كعامل ترجيح لا يمكن أن تخطئه عين التحليل العسكري لنتائج العمليات العسكرية، إضافة لتحليل الآمال العريضة التي علقها إعلام المليشيا على صدور القرار، وتعاملوا معه ككفة تزن معادلات الأرض والمعركة، وذلك لأن الحظر المفروض الآن يشمل إقليم دارفور وينتهي أجله المحدد في ١٢ سبتمبر القادم، ولذلك كنا قد أشرنا بأن قرار توسيع نطاق قرارات حظر الطيران لن يكون جزءًا من أجندة اجتماع الاثنين الماضي، وإن حدث ذلك فسيكون طرحه منطقيًا في مناقشات منتصف سبتمبر، بالإبقاء والتمديد لما هو سارٍ من عقوبات أو توسيع النطاق ليشمل السودان بأكمله، مع إضافة حظر توريد السلاح، وبالتالي فإنه يمكننا القول في ميزان الربح والخسارة إن الخرطوم في هذه الجلسة كانت قد ربحت المزيد من “الزمن”، على الأقل للتحضير الجيد والتنسيق مع الحلفاء لإدارة الجولة القادمة من جلسات مجلس الأمن، وبطبيعة الحال فإن عدم التصويت على القرار بتوسيع نطاق العقوبات لا يعني بالضرورة إسقاط المشروع الذي يتبناه مبعوث الرئيس الأمريكي السيد/ مسعد بولس، بل هو تأجيل يتيح الفرصة لأدوات التفاوض السياسي بدلًا عن أدوات الضغط السياسي.

لا أعتقد بأن الصيغة “الاحتفالية” بعدم صدور قرار العقوبات، أو حتى طرحه للتصويت وسقوط المؤامرة، هي الصيغة المناسبة حاليًا، والخرطوم ومندوبها الدائم في الأمم المتحدة يحتاجان حقيقة لتحويل ما حدث في جلسة أغسطس إلى نصر دبلوماسي دائم في جلسات سبتمبر، ووقتها يمكننا الحكم على ميزان الربح والخسارة، خاصة وأن إمكانية عودة المقترح والمشروع لا تزال مواتية بشكل أكثر إحكامًا وجدية الشهر المقبل.

دبلوماسية الخرطوم تحتاج للاستثمار في أجواء جلسة ٢٤ أغسطس وتجهيزها لتكون السلم الذي يمكنها الصعود عليه سبتمبر القادم، إذا كان مندوبها قد استمع جيدًا لخطاب دولة روسيا، والذي حذر من إجراءات جديدة قد تؤثر في الجيش السوداني، وبالضرورة هنا أنه يقصد مسألة “حظر الطيران” المقدمة في المقترح الأمريكي، وكذلك دولة الصين بطبيعة سياساتها ومواقفها في الفترة الأخيرة، والتي تعارض فيها بشكل واضح ومباشر كل التوجهات الأمريكية عبر مجلس الأمن.

وأن السودان عليه ابتداءً الدخول إلى جلسات سبتمبر باحتياط ورقة “الجوكر”، الفيتو، في مواجهة أي ضغوطات محتملة.

الأرباح لم تتوقف عند هذه النقطة في الجلسة، بل كان من الملاحظ خلال المناقشات بأن الأجواء داخل الجلسة لم تظهر ميولًا أو إجماعًا حول مناقشة الأزمة السودانية باعتبارها أزمة بين طرفين متساويين، وهذا يدعم الملف في مسائل بقاء الدولة والسيادة، إن نجحت دبلوماسية الخرطوم في إقناع المزيد من الدول بموضوعات الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن هذا يعتبر عاملًا مهمًا جدًا في تعزيز الموقف السياسي والدبلوماسي للخرطوم.

(*) الرواية المقنعة..

في الكلمة التي وجهها السيد السفير الحارث، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، استهلها بتوجيه الشكر لعدد من الأشخاص الذين كانت مسؤوليتهم تقديم إحاطات للمجتمعين، باعتبار أن الإحاطة التي قدموها إما أن تتقاطع مع الرواية الحكومية أو تنطبق معها، وأيًّا من الحالتين فإن لها تأثيرًا إيجابيًا يدعم سردية الخرطوم أو يهزمها تمامًا.

وهنا يلزمنا التنويه إلى أنه وحتى وإن امتلكت الخرطوم ودبلوماسيتها حلفاء داخل مجلس الأمن، فإن هذا لا يعني بالضرورة امتلاكها لرواية مقنعة.

وبحسب الروايات التي قدمها المسؤولون في الإحاطات، فإن “الأرقام” كانت هي الأكثر إقناعًا من غيرها من الروايات، وهي تلك التي تحدثت عن صورة كارثية: نحو 13 مليون شخص فروا من منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخليًا، ووثقت نحو 1400 وفاة بين المدنيين خلال يناير–يونيو 2026، بينهم نحو 1100 بسبب ضربات المسيّرات.

الرواية الأمريكية، “رواية اليانكي”، يبدو وأنها لم تتراجع عن فكرة حشد الضغط الدولي على الحكومة السودانية، على الأقل للعدول عن رأيها وموقفها الحالي، وأن الرواية في فصلها الأول كانت هي عبارة عن تلويح بالعقوبات، بينما يتم الإعداد لسيناريو ومشهد جديد ومختلف في سبتمبر.

الخسارة الأكبر في جانب الرواية الأكثر إقناعًا لعب فيها السيد المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث، دور البطولة والدور الأكبر، عندما لم يعر الاهتمام لجمهور المخاطبين والمستهدفين بكلمته التي ألقاها، معتقدًا بأنه يخاطب الشعب السوداني، ولم يضع في الاعتبار بأن حضور الجلسة هم أعضاء مجلس الأمن بثقلهم السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي، والإعلام الدولي الذي يملك المعلومات والتغطيات والأرشيف، إضافة لممثلي منظمات حقوق الإنسان الدولية، والتي وثقت الحالة السودانية أثناء الحرب وقبلها بشكل دقيق وشامل، وبالتالي فإن تحري الدقة والإقناع في الرواية الرسمية كان مطلوبًا بشدة أثناء إلقائه لكلمته.

الرواية الأساسية لدبلوماسية الخرطوم حتى قبل انعقاد الجلسة الأخيرة تقوم على أساس أن الدولة السودانية تواجه تمردًا مسلحًا، فلا يجوز أن يبدأ الدفاع عن الدولة بإعادة كتابة الوقائع التي يعرفها المجتمع الدولي جيدًا ويحفظها عن ظهر قلب، وكأنك توجهها لمواطن عادي خالي الذهن من المعلومات الموثقة.

لا أعلم ما الذي كان يدور في ذهن سعادة سفير السودان لدى الأمم المتحدة وهو يحكي روايته عما حدث في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، بأن الحكومة المدنية في السودان قد استقالت، ثم نشأ عن ذلك فراغ اضطرت معه قيادة القوات المسلحة إلى ملئه، فهذه الرواية تصطدم مباشرة بالسجل الأممي الموثق وبالبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية والأمم المتحدة والولايات المتحدة في ذلك التوقيت، والتي وصفت فيه تلك الإجراءات بناءً على ما هو متوفر من معلومات ووقائع تنفي تمامًا رواية السفير وتضعه في مقعد “الحرج” الدبلوماسي.

ففي 25 أكتوبر 2021، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش صراحة إدانته لما أسماه بـ«الانقلاب العسكري»، وطالب بإعادة ترتيبات الحكم المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، وأدان احتجاز رئيس الوزراء والمسؤولين الحكوميين، ولا ندري ما هي دوافع السفير وقتها لتبني هذا الفصل “الهش” من الرواية، ولو كلف السفير نفسه دقائق للمرور على صفحة أرشيف بيانات مجلس الأمن نفسه قبل الشروع في كتابة روايته تلك، لاكتشف بأن مجلس الأمن نفسه أصدر في 28 أكتوبر 2021 بيانًا تحدث فيه عن «الاستيلاء العسكري على السلطة»، وتعليق مؤسسات انتقالية، وإعلان الطوارئ، واحتجاز رئيس الوزراء، وطالب بإعادة الحكومة الانتقالية المدنية، فما هي مبررات الاستناد لرواية غير مقنعة وغير مطلوب ذكرها من أساسه؟

نعم، وقعت أحداث في أكتوبر 2021، ونعم، كانت هناك أزمة سياسية عميقة قبل الانقلاب، ونعم، كانت هناك أخطاء ارتكبتها القوى المدنية والعسكرية، ونعم، كان الانتقال نفسه يعاني من اختلالات خطيرة، لكن كل ذلك لا يحول ما حدث إلى استقالة طوعية للحكومة، والرغبة في تبرئة جهة لا تعني إعادة كتابة التاريخ.

هذه الرواية، وعلى الرغم من القصد منها في كلمة السفير هو الدفاع، إلا أنها تحولت إلى “هدف عكسي” وعبء على كتف الخطاب الرسمي للحكومة.

لا توجد خسارة في ميزان الدولة بسبب عدم فرض الحظر، ولكن بالضرورة فإن مجرد طرحه يعتبر خصمًا على تصورات المجتمع الدولي للخطاب والموقف الرسمي، وهذا وضع يتطلب الاجتهاد الدبلوماسي والسياسي.

في حسابات الربح والخسارة، يجب توجيه السؤال للدبلوماسية السودانية عن ماذا ستفعل بالزمن الإضافي الذي كسبته في جلسة ٢٤ أغسطس، خاصة وأن قاعدة “الهدف الذهبي” لا تزال معمولًا بها في جولات ومواجهات السياسة والدبلوماسية الدولية، ففي السياسة الخارجية، قد تكسب جولة بالتصويت أو بالتعطيل، لكنك لا تكسب حرب الرواية إذا كانت روايتك تصطدم بالوثائق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى