أيمن كبوش يكتب : الحب الذي له ألف وطن

أفياء..

# بعد غيبة “طالت حبتين” عدتُ إلى باب ذلك الباب حيث تختبئ (الخواطر والتأملات) كما تُدرس لطلاب الإعلام في الجامعات، عدتُ إليها قارئا على فنجان الحنين حيث اعجبتني في رحاب الكاتب المصري “فاروق الدسوقي” الذي طوّف بنا “عشقا” في شقاف عدة دول عربية هي فلسطين وليبيا والسودان وسوريا ومصر فقال: «يا سلام لو العمر يتعاد من الأول.. كنت هغير حاجات كتير أوي في حياتي».. قالها وهو يفتح درجًا قديمًا، في ساعة متأخرة من الليل، لم يكن يبحث عن شيء، لكنه وجد عمره كله، مفتاحًا صغيرًا، وصدفة بحر، وكتابًا أصفر، وورقة مطوية، وصورة لأمه.. أشياء لا قيمة لها في عيون الآخرين، لكنها كانت عنده أثقل من العمر نفسه، أمسك المفتاح، وعاد إلى أول مرة عرف فيها أن الإنسان يمكن أن يحب مكانًا لم يره.. في البداية، كان الحب امرأة توقظه من النوم، هي أمه.. تفتح الستارة قليلًا، يدخل الضوء، وتناديه بصوت لا يشبه أي صوت آخر: «اصحى يا حبيبي»، كان يجد قميصه جاهزًا، وحقيبته عند الباب، و«ساندوتش» ملفوفًا بعناية، لم يكن يعرف وقتها أن هذه التفاصيل الصغيرة ستصبح، بعد سنوات طويلة، تعريفه الأول للحب.. ثم دخل المدرسة، وهناك كانت ليان، طفلة فلسطينية، ترسم في آخر كراستها بيتًا حجريًا، وزيتونة، ومفتاحًا صغيرًا، وذات يوم سألها: «ده مفتاح إيه؟»، قالت: «مفتاح بيت جدي»، لم يفهم وقتها كيف يكون لبيت بعيد في فلسطين مفتاح معها؟ وفي آخر يوم في الدراسة، لم يجدها، لكنه وجد في كراسته مفتاحًا مرسومًا، وتحته سطر لمحمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».. رحلت هي، واحتفظ هو بالصفحة، كان صغيرًا على أن يفهم معنى فلسطين، لكنه لم يكن صغيرًا على أن يفهم الغياب، وبعد سنوات، عرف أن ليان لم تكن تترك له قصيدة، لكنها تركت وطنًا.

# ثم جاءت سلمى، الليبية، كانت حين تتحدث عن طرابلس، تشعر أن البحر دخل الفصل قبلها، تحكي عن السرايا الحمراء، وعن صبراتة ومسرحها الروماني المطل على المتوسط، وعن غدامس، لؤلؤة الصحراء، وعن الجبل الأخضر.. وكان أكثر ما يحبه فيها أنها لم تكن تتحدث عن ليبيا كبلد، إنما تتحدث عنها كأنها شخص تحبه، وذات مساء، أعطته صدفة، قالت: «دي من البحر عندنا»، وضعها على أذنه، لم يسمع البحر، لكنه سمع ضحكتها، وقبل أن ترحل، حدثته عن عمر المختار، «أسد الصحراء»، الذي ظل يقاوم الاحتلال حتى النهاية، ثم قالت له جملته الشهيرة التي حفظها دون أن يعرف لماذا: «نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت»، رحلت سلمى، وظلت الصدفة، وظل معها شيء من ليبيا، بحرها وعنادها.

# ثم جاءت آمنة، سودانية، تتحدث عن أم درمان، والخرطوم، والنيلين حين يلتقيان، وعن قهوة أمها، وعن موائد لا يخرج منها الضيف جائعًا، تحكي عن السودان كأنها تحكي عن بيت كبير، وقبل أن تعود إلى بلدها، أعطته كتابًا، فتح الصفحة الأولى، وجد كلمات لمحمد الفيتوري عن الغربة، ومنها تعلم أن بعض البلاد لا تحتاج إلى أن تسافر إليها، يكفي أن يحبها شخص، فتدخل قلبك معه.

# ثم جاءت مريم، سورية، لا تتحدث عن دمشق كثيرًا، كانت تكفيها صورة نافذة قديمة، تتدلى منها أغصان الياسمين. وكلما اشتاقت إلى المدينة، تستعيد في سرها كلمات نزار: «دمشق، يا كنز أحلامي ومروحتي»، ثم جاءت الحرب، وفجأة، لم تعد دمشق مدينة، صارت صورة، وصار البيت ذكرى، وصار الياسمين شيئًا تخاف أن تسأل عنه.. وفي أحد الأيام، وجد على مكتبه كوب قهوة وورقة صغيرة: «متنساش تاكل».. ابتسم، كان يمكن أن تكتب له قصيدة، لكنها اختارت جملة عادية، وبعد سنوات، فهم أنها كانت أجمل قصيدة تركتها له، لأن الحب حين يكبر لا يسأل: «هل تحبني؟»، لكنه يسأل: «هل أكلت؟»، ثم رحلت مريم، وبقيت الورقة.

# ثم جاءت نور، مصرية، ولأول مرة، لم يأتِ الحب من وطن بعيد، جاء من الباب، تزوجها، وبعد سنوات صار البيت فوضى جميلة، لعبة تحت الكرسي، وكوب قهوة بارد، وملابس تنتظر الطي، وطفل ينام في الغرفة المجاورة.. وفي ليلة عاد متأخرًا، كانت نور نائمة على الأريكة، فتحت عينيها: «أكلت؟» قال: «لسه»، أشارت إلى المطبخ، ثم عادت إلى النوم، وقف أمامها طويلًا، لم يشعر أن الحب هذه المرة يجعله يطير، شعر أنه يعيده إلى الأرض.. عاد إلى الدرج، وضع الأشياء أمامه، المفتاح، والصدفة، والكتاب، والورقة، وصورة أمه، وفجأة، لم يرَ النساء، رأى البلاد، فلسطين في المفتاح، وليبيا في الصدفة، والسودان في الكتاب، وسوريا في الياسمين، ثم بحث عن مصر، لم يجد قصيدة، أو صدفة، أو مفتاحًا، لكنه وجد أمه، ونور، وطفله، وفهم أن كل امرأة أحبها تركت له شيئًا من وطنها.. فلسطين علمته معنى الأرض، وليبيا معنى الكبرياء، والسودان معنى الجذور، وسوريا معنى الذاكرة، لكن مصر لم تكن بحاجة إلى أن تعطيه رمزًا، كانت هي المكان الذي تتجمع فيه كل الرموز، الأم التي توقظه، والبيت الذي يعود إليه، والمائدة التي تنتظره، والوطن الذي تستطيع أن تحب فيه كل الأوطان، ربما لهذا لا تبدو مصر في القلب كبلد فقط، تبدو كأم، أم الدنيا، بل أم الأوطان.. عاد إلى الجملة الأولى: «يا سلام لو العمر يتعاد من الأول.. كنت هغير حاجات كتير أوي في حياتي»، ظل صامتًا، ثم ابتسم.. لو عاد العمر، ربما كان سيمنع ليان من الرحيل، وسيطلب من سلمى أن تبقى، وسيتمسك بآمنة، وسيحاول أن ينقذ مريم من الحرب، لكنه لو فعل ذلك، فربما لن يصبح الرجل الذي يجلس الآن أمام هذا الدرج، لأن بعض الذين نحبهم لا يأتون ليبقوا، لكنهم يأتون ليتركوا فينا شيئًا، وطنًا صغيرًا، ثم يرحلون، ويأتي آخرون، يضيفون وطنًا آخر، حتى يمتلئ القلب بالبلاد، ولا يعود يعرف أين تنتهي امرأة وتبدأ مدينة.. أعاد الأشياء إلى الدرج، أغلقه، ومن المطبخ جاء صوت نور: «تعالى.. الأكل هيبرد»، مشى إليها، وفي الطريق، مر بغرفة طفله، قبّل جبينه، ثم أكمل، كان قد فهم أخيرًا أن الحكاية لم تكن عن رجل أحب نساء كثيرات، لكنها عن رجل سافر كثيرًا دون أن يغادر مكانه.. وفي تلك اللحظة، عرف أن أجمل ما في العمر ليس أن تعيشه من جديد، لكن أن تصل، بعد كل ما حدث، إلى الحقيقة التي لم تكن تعرفها في البداية، أن الحب لم يكن له ألف وجه، كان له ألف وطن، وكان كل وطن فيه، بطريقة ما، يقوده إلى مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى