الحرب.. “بوصلة” العلاقات السودانية التشادية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وقراءة التطورات الأخيرة التي شهدها الأسبوع المنصرم على أساس أنها حادث “حدودي” قد يكون فيه ابتسار للمشهد في عموميات تهمل التفاصيل الكبيرة التي يدلل عليها الحدث، الذي يعد بمثابة اختبار جديد للعلاقات بين البلدين، لا يجمع بينهما مجرد حدود جغرافية، بل يمتد ذلك لتداخل سكاني وارتباط قبلي يجعل من “ديموغرافيا” المنطقة مشهدًا تختلط فيه الكثير من الأشياء التي تجعل حكومتي البلدين تضع ذلك في اعتبارها وهي تدير صعود وهبوط العلاقة الدبلوماسية بين الخرطوم وأنجمينا، خاصة وأن إقليم دارفور السوداني ظل هو الاختبار الأمني الكبير والمعقد منذ سنوات بسبب الحرب سابقًا وحاليًا، وبسبب الحدود المفتوحة بين البلدين.
من الطبيعي، وفي أوقات السلم، كان من الممكن أن يلعب هذا التداخل القبلي والسكاني دورًا إيجابيًا في تعزيز العلاقات السودانية التشادية وبناء مناطق تماسك تعززها علاقات الدم والتصاهر، بالإضافة للحركة التجارية النشطة بين مدن البلدين على الحدود، لولا أن الحرب والنزاعات المسلحة ظلت هي صاحبة الأثر الأكبر في توتر العلاقة بين البلدين، وصل قمته منذ اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣م، لتفتح سجل اتهامات متبادل بين الخرطوم وأنجمينا.
(*) سردية الاتهام …
وهي المحدد في وصف طبيعة العلاقة بين السودان وتشاد وانتقالها من علاقة جوار وحياد إلى علاقة اتهامات متبادلة ومحطة ثابتة لتدويل الصراع ..
الرواية التي تبنتها الحكومة التشادية في مذكرة الاتهام التي رفعتها أنجمينا في وجه الخرطوم تقوم على الزعم بأن غارة جوية سودانية استهدفت قافلة عسكرية داخل الأراضي التشادية، وعلى مسافة تتجاوز 100 كلم من الحدود السودانية، وعلى ضوء ذلك أعلنت الحكومة التشادية حالة التأهب القصوى على الحدود مع السودان، الشيء الذي أوجد ردود أفعال كبيرة، فعلى الصعيد الإقليمي دعا الاتحاد الأفريقي البلدين إلى اتباع سياسة ضبط النفس في بيانه، معلنًا خشيته امتداد الحرب لتخرج خارج الجغرافيا السودانية، بينما أدانت الولايات المتحدة الأمريكية الحادث على لسان مبعوثها للشؤون الأفريقية مسعد بولس.
الرواية السودانية يمكن قراءتها في بيان صادر عن وزارة الخارجية، والذي أبدت فيه الخرطوم استغرابها لرواية أنجمينا والاتهامات والمزاعم التي صدرت منها قبل إجراء تحقيق رسمي مستقل يوضح الحقائق، وقالت بأن العلاقة بينها وأنجمينا تقوم بالأساس على احترام السيادة، وأن القوات المسلحة السودانية تقوم بالدفاع عن سلامة أراضيها وحدودها.
لم تتوقف السردية السودانية عند حدود الرد على مذكرة الاتهام التي قدمتها دولة تشاد، وتلك التي جاءت على لسان مسعد بولس، بل ذهبت للتذكير بالصمت عن أحداث وثقها الطرف السوداني عن انطلاق طيران مسير من الأراضي الإثيوبية في ذات الأسبوع باتجاه الأراضي السودانية، واعتبرت ذلك ازدواجية في المعايير الإقليمية والدولية في التعامل مع مشهد تدويل الحرب السودانية، وقالت بأنها تمتلك الأدلة التي تؤكد صحة روايتها بهذا الخصوص.
الرواية السودانية لم تبدأ مع ظهور الاتهام الأخير، بل ترجع إلى بدايات حرب أبريل، وصفت فيها الخرطوم أنجمينا بأنها لم تعد دولة جوار، بل تحولت إلى ساحة قتال غير معلنة، وأن الحدود الغربية للسودان مع تشاد أصبحت ممرًا عسكريًا ولوجستيًا وإنسانيًا داعمًا للمليشيا المتمردة.
هذه الرواية لم تكن الخرطوم قد أطلقتها فقط بناءً على تقديراتها، بل استندت وأبدت روايتها بالتقرير الصادر عن لجنة العقوبات بالأمم المتحدة، والذي شمل معلومات اعتبرتها ذات مصداقية بشأن وصول أسلحة وذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر مطار “أم جرس” في شرق تشاد، مع وصف لمسارات نقلها إلى دارفور. التقرير أشار أيضًا إلى أن الأسلحة كانت تصل عبر طائرات شحن، ثم تُنقل بواسطة شاحنات إلى الحدود وتُسلّم إلى مليشيا الدعم السريع.
هذه الرواية تدفعنا ناحية السؤال المهم والأساسي في وصف العلاقات السودانية التشادية، وهو: هل ظلت أنجمينا طوال الحرب السودانية مجرد ممر استخدمته أطراف خارجية لدعم مليشيا الدعم السريع، أم أن الدولة التشادية نفسها كانت جزءًا من البيئة السياسية والأمنية التي سمحت بهذا الدور؟
بالضرورة الإجابة مفهومة ولا تحتاج لكثير اجتهاد للقول بأن الحكومة التشادية لم تلتزم الحياد في موقفها من الحرب السودانية، وأنه يجب عليها أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة عن تورطها في الشأن السوداني، والرواية هنا تطابق المثل السوداني القائل: “ضربني بكى .. سبقني اشتكى”..
تدخل تشاد في الحرب السودانية وقيامها بأفعال وتصرفات من شأنها أن تفسد العلاقة بين البلدين، في الرواية السودانية، بدأت مبكرًا، وتحديدًا في نوفمبر ٢٠٢٣م، أي أن أنجمينا لم تنتظر كثيرًا في منطقة الحياد المطلوبة من دول الجوار، وذلك بتوفير الدعم العسكري لمليشيا الدعم السريع عبر مطار “أم جرس”، الشيء الذي أكدته تقارير عملت عليها وكالة “رويترز” للأنباء بثبوت انطلاق رحلات مكثفة من المطار المذكور لنقل الدعم العسكري للمليشيا، وهنا يمكننا التعليق على السلوك الرسمي للخرطوم والضابط لعلاقتها بأنجمينا، فهي وعلى الرغم من المؤكد في المعلومات والتقارير بتورط أنجمينا الواضح في الحرب السودانية ودعمها لطرف تصنفه الحكومة السودانية بأنه متمرد، إلا أن طبيعة العلاقة لا زالت محكومة بردود الأفعال، وليس سياسات واضحة بناءً على ثبوت الأدلة التي تدين الطرف التشادي.
اكتفت الحكومة السودانية في ذلك بالشكوى في المحافل الدولية دون ضغط ملموس لتشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة لرفع مستوى الضغط الدبلوماسي على تشاد عبر المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي أو الدولية عبر الأمم المتحدة، وربما يلعب غياب السودان عن مقعده في الاتحاد الأفريقي الدور الأكبر في عدم امتلاك القدرة على محاصرة الدور التشادي في حرب السودان.
(*) حرب السودان بعيون تشادية ..
ويجب تحليل الموقف التشادي من الحرب المشتعلة في السودان وفقًا لمحددات ومحركات ذاتية وموضوعية في النهاية، هي التي يمكنها أن تقودنا إلى توصيف دقيق للدور التشادي في هذه الحرب، وأول هذه المحددات هي التركيبة الداخلية لدولة تشاد وظرفها الحالي، فالرئيس محمد كاكا يعلم تمام العلم بأنه يترأس دولة “هشة” أمنيًا وعسكريًا من زمن طويل بسبب الأوضاع في السودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، وأن الأوضاع الأمنية والعسكرية في تشاد لم تعد كما كانت عليه الأحوال إبان سريان اتفاق التعاون العسكري مع فرنسا وإنهائه في ٢٠٢٤م، وبالتالي أصبحت أنجمينا في حاجة إلى إعادة صياغة لعلاقاتها الخارجية تأسيسًا على الظروف التي تعيشها، وهو الشيء الذي يفسر كل مواقفها وتصرفاتها حيال الأوضاع في السودان، إذ لم يعد الحياد المذكور علنًا في الخطاب الرسمي للحكومة التشادية قادرًا على تغطية ورطة أنجمينا الصريحة في حرب السودان وانحيازها لطرف دون الآخر في الحرب.
تشاد ترى الحرب السودان بالعين التي تقول عن تأثيرات التدفق الكبير للاجئين السودانيين إلى أراضيها ونشوء معسكرات ضخمة لهم وتأثيرات ذلك أمنيًا واقتصاديًا على الأوضاع الهشة في الداخل التشادي.
تشاد ترى الصراع السوداني بعيون تضع أولًا في حساباتها تقاطعات المصالح الإقليمية وأوردة الدعم للاقتصاد المنهار التي يمكن أن يسدها موقف الحياد إن اتخذته أنجمينا، وبالتالي كان ذلك البوصلة المحددة لمسار ومواقف أنجمينا منذ فك حالة الحياد بشكل رسمي في الأشهر الأولى من اندلاع الحرب.
تشاد التي ترى حرب السودان اليوم بعيون شكواها الأخيرة ربما تعتقد بأن عيون العالم لم ترَ تحول المحور الجغرافي المهم الذي ترسم خارطته ابتداءً من إقليم دارفور، مرورًا بالطينة، ثم معبر أدري الحدودي، وصولًا إلى مطار أم جرس، من مجرد نقاط على الخارطة إلى شبكة تنتقل عبرها الأسلحة والمقاتلون والإمدادات اللوجستية.
تحول معبر “أدري” الحدودي بين البلدين، والذي كانت تراه عيون الخرطوم والمجتمع الدولي معبرًا للمساعدات الإنسانية للنازحين واللاجئين، إلى مهدد أمني كبير وشريان رئيسي لتغذية الحرب.
(*) الخرطوم .. كلاكيت الحرب ..
الخرطوم لم تتخذ أي موقف فيه مواربة بخصوص دعم أنجمينا لمليشيا الدعم السريع، ووجهت اتهاماتها بشكل مباشر وصريح منذ ٢٠٢٣م، ووصلت العلاقة بين البلدين إلى حد طرد الدبلوماسيين وإعلانهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم، ومع وضوح الاتهام إلا أن الخرطوم لم تتبع موقفًا “استراتيجيًا” من أنجمينا دبلوماسيًا ولا على مستوى أمن الحدود بين البلدين، ولم تضع علاقاتها مع أنجمينا كمؤشر لعلاقاتها الإقليمية والدولية بسبب ما حدث في الحرب.
الخرطوم لها الحق في أن تنظر وتتعامل مع تشاد باعتبارها تمثل خط الإمداد الرئيسي والمؤثر لقوة تتقاتل معها لمدة أربعة أعوام، وما كان لها أن تستمر لولا توفر مثل هذا الإمداد، وأن استراتيجية الدفاع تفرض عليها قطع كل خطوط الإمداد دون التورط في انتهاك دولي يضعها أمام المساءلة، والخرطوم تفهم تمامًا خطة الدفاع عن أمنها القومي والفصل بينها وبين محاولات جرها لفتح جبهات حرب جديدة مع دول الجوار ضمن خطط “شد الأطراف”.
خطة الدفاع عن الأمن القومي السوداني يجب ألا تبدأ من المواجهات العسكرية، بل يجب أن تبدأ من محاصرة أنجمينا دبلوماسيًا وإحراجها بالأدلة والبراهين التي تثبت تورطها في الدعم والإمداد أمام منظمات الإقليم ومجلس الأمن، والسعي لبناء تحالف دولي ضد سياسات داعمة للحرب بالسلاح والإمداد، والسعي لترسيم واضح يفصل بين المسارات الإنسانية والمسارات التي تستخدم للإمداد العسكري.
تحتاج الخرطوم إلى إقناع أنجمينا بعظم تكاليف اختيارها للتحالف ضدها، وأنها كدولة مؤهلة، بسبب هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، لانتقال الحرب ما لم تختَر الحياد الإيجابي من الحرب في السودان.
أفضل سيناريو للعلاقة بين البلدين في ظل الظروف والمعطيات التي ذكرناها هو الاتجاه للتهدئة وتشكيل لجان أمنية مشتركة بين البلدين تعمل على ضبط الحدود ومنع تكرار كل شيء من شأنه أن يعكر صفو العلاقات بين البلدين، في مقابل سيناريو سيئ، وهو تحول العمق التشادي لخط إمداد رئيسي للمليشيا واستنزاف وإنهاك للقدرات في القوات المسلحة، إضافة للإنهاك السياسي الناتج عن تحويل الملف لقضية ضغط سياسي ودبلوماسي على الخرطوم بناءً على آخر تصريحات للاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة الأمريكية.
الحرب الحالية تختبر العلاقات السودانية التشادية، لكنها في الوقت نفسه تكشف ضعف البوصلة السودانية في إدارة علاقات الجوار، فالدولة التي لا تستطيع إغلاق ممرات خصمها بالدبلوماسية قد تجد نفسها مضطرة لدفع تكاليف باهظة لذلك، وتظهر عجزها عن رسم حدود الحرب كلها.
تشاد، وهي تكتب في مذكرات الاتهام والشكوى، عليها أن تتذكر بأن “بيتها من زجاج” و”الطوب” الذي ترمي به السودان سيرتد عليها بسوابق أثبتتها التقارير الدولية.




