اللحوم بالخرطوم.. الغلاءٌ يطارد المستهلكين

جزار: تراجع القدرة الشرائية دفع البعض للشراء بأقل من ربع كيلو
بائع لحوم: العاملون عليها لم يعودوا يستهلكونها كما في السابق
تاجر: توقفت تماما عن بيع لحوم الضأن لارتفاع أسعارها
تقرير ــ أمين محمد الأمين

تقف أسواق العاصمة الخرطوم اليوم على سفيح ساخن جراء القفزات غير المسبوقة في أسعار اللحوم الحمراء؛ حيث تحولت السلعة الرئيسية الأكثر استهلاكاً إلى رمز لمعاناة اقتصادية تتفاقم يوماً بعد يوم. ومن قلب السوق المركزي بالخرطوم، أحد أبرز مراكز التغذية والإمداد للعاصمة والولايات المجاورة، كشفت جولة ميدانية رصدت آراء متعاملي القطاع عن حزمة متداخلة من الأزمات التشغيلية واللوجستية، تضع التجار والمستهلكين في مواجهة مباشرة مع الغلاء والركود الممتد.
نزيف الجبايات
أكد الجزّارُ بنشاط الملاحم نجم الدين علي، أن كثرة الرسوم الحكومية والإتاوات الولائية الممتدة عبر الطرق والارتكازات والنقاط التجارية تُشكل السبب الرئيسي للصعود القياسي لأسعار اللحوم؛ حيث أشار إلى أن سعر كيلو لحم البقر قفز تدريجياً من ألفي جنيه قبل الحرب وصولاً إلى 40 ألف جنيه، قبل أن يستقر عند 36 ألفاً. ولفت إلى طفرات خيالية في رسوم الخدمات، كارتفاع رسوم النفايات الشهرية من 3 آلاف إلى 80 ألف جنيه، مؤكداً أن التجار يضطرون لتحميل هذه الأعباء المفروضة حكومياً على سعر السلعة، ليكون المواطن المسكين هو المتضرر الحقيقي الذي تقع كل هذه الزيادات فوق رأسه.

مفارقة التصدير
وانتقد الجزّارُ نجم الدين علي المفارقة التسعيرية للسلعة الوطنية؛ إذ تُباع الماشية السودانية في أسواق التصدير الخارجية—مثل مصر—بسعر يقل عن سعرها داخل البلاد (نحو 30 ألف جنيه للكيلو مقابل 36 ألفاً في الداخل)، نتيجة غياب الدعم الحكومي وتراكم الجبايات على المنتج المحلي. وأوضح أن التجار كانوا سابقاً يدعمون الأسعار من أموالهم الخاصة لامتصاص الصدمات، إلا أن كثرة المنصرفات وعوائد المسالخ أرهقتهم، في ظل تجردهم من الممتلكات وخروجهم منكوبين جراء الحرب.
تدهور صحي
وحذر الجزّارُ نجم الدين علي من الأبعاد الصحية الناتجة عن تراجع الإقبال الشراء؛ حيث تقلصت مشتريات الأسر من عدة كيلوجرامات إلى ربع أو نصف كيلو فقط. وأكد أن تدني التغذية بسبب العجز عن شراء اللحوم والأطعمة المغذية أصبح سبباً مباشراً لضعف المناعة وانتشار الأمراض وتدهور صحة المواطنين في المستشفيات، مشيراً إلى أن العمال في بيع اللحوم أنفسهم لم يعودوا يستهلكونها كما في السابق. ودعا المسؤولين إلى تقوى الله ومراعاة شؤون المواطنين وتوفير العيش الكريم والأمن.
أزمة الإمداد
أوضح التاجرُ بالسوق الصينية سمير الحاج قدري، أن الشح الحاد في توريد الأبقار الواردة من الولايات الغربية يشكل السبب الأساسي لارتفاع الأسعار؛ حيث أدى توقف حركة الطرق إلى انقطاع نوع “الدعون” والاعتماد على نوع “القشاشي”. وأضاف أن قفزات أسعار المحروقات من بنزين وجازولين ضاعفت أجور الترحيل، ليستقر سعر كيلو اللحم العادي عند 36 ألف جنيه، بينما يتراوح سعر اللحم الصافي “الناعم” بين 40 إلى 45 ألف جنيه.

كلفة التبريد
وكشف التاجرُ سمير الحاج قدري والجزّارُ بملحمة الصغيرون الصديق إبراهيم، عن تفاقم المعاناة التشغيلية جراء الانقطاع التام للتيار الكهربائي بالسوق؛ ما اضطر أصحاب المحال للاعتتماد على المولدات الخاصة وشراء ألواح الثلج لحفظ اللحوم سريعة التلف. ولفت التاجرُ سمير إلى أن لوح الثلج يبلغ سعره 20 ألف جنيه وتصل تكلفة التبريد اليومية لثلاثة جزّارين إلى 60 ألف جنيه، موضحاً أنه رغم تنكّر المسؤولين لوعدهم بحل أزمة المحول الكهربائي خلال 15 يوماً ومضي أشهر دون جدوى، فإن التجار يراعون الظروف الإنسانية بالبيع بالآجل أو تقديم كميات بسيطة للمحتاجين.
مخاطر أمنية
وسلط الجزّارُ نجم الدين علي الضوء على المهددات الأمنية بالسوق المركزي، مبيناً أن التفلتات الشديدة وخروج عناصر تقتاد زياً عسكرياً أو تتبع للقوات المشتركة لسلب المواطنين والتجار تحت تهديد السلاح، أجبرت الملاحم على الإغلاق مبكراً عند غروب الشمس حماية لأرواحهم وأموال الديون التي بحوزتهم. وأشار إلى وقوع حادثة مقتل شخصين مؤخراً بالسوق بسبب النهب، ما يعيد ذكريات الفارين من انتهاكات قوات الدعم السريع، مؤكداً أن غياب البيئة الآمنة يعطل الحركة التجارية ويمنع الاستقرار.
تفاوت التسعير
أشار الجزّارُ بملحمة الصغيرون الصديق إبراهيم، إلى أن تفاوت الأسعار بين الملاحم يعود لاختلاف تكاليف النقل، مبيناً أن ملحمتهم تبيع كيلو العجالي بـ 38 ألف جنيه بفرق ألفين عن السعر السائد (40 ألفاً) لتخفيف العبء عن المواطن. وأعلن التوقف التام عن بيع لحوم الضأن لارتفاع أسعارها القياسي وتجاوزها قدرة الأسر المالية، موضحاً أن تراجع القدرة الشرائية دفع بعض المواطنين للشراء بقيمة 5 آلاف جنيه فقط (أقل من الربع كيلو)، مما يتطلب معالجة عاجلة لخدمات الكهرباء وتكاليف الترحيل.
خاتمة
تُظهر الإفادات الشاملة لجزاري السوق المركزي بالخرطوم أن أزمة أسعار اللحوم تتجاوز قواعد العرض والطلب البسيطة، لتجسد تداخل وتراكم الجبايات الحكومية، وتهاوي الخدمات الأساسية، وانقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع كلفة النقل، فضلاً عن الانفلات الأمني. وإن غياب المعالجات الجذرية لهذه الأزمات التشغيلية لن يقتصر على إنهاك التجار وحسب، بل يهدد بتعميق الفجوة الغذائية وإحكام حصار الغلاء على المواطنين.




