خبراءُ يشرّحون أزمة مخصصات محافظ المركزي ويطرحون معالجاتٍ شاملة

د. أبو بكر التجاني: ​«احتساب الهيكل بالدولار يُظهر أرقاماً فلكية أثارت الجدل»

د. هيثم فتحي: ​«السودان بحاجة لـ«سلم رواتب موحد» يُنهي السلالم المتوازية»

 

تقريرــ أمين محمد الأمين 

فجّرت أنباء مخصصات قيادة البنك المركزي موجةً عارمة من السخط الشعبي والاقتصادي، وسط تحذيرات خبراء من تداعيات غياب الشفافية والاتساع المخيف في فجوة الأجور، داعين إلى وضع حدٍّ للتخبط النقدي عبر إصلاحاتٍ هيكليةٍ ورادعة تنقذ العملة الوطنية.

 

​أصل القضية

 

أثارت تسريبات صحفية نشرها الكاتب الطاهر ساتي موجة جدل واسعة كشفت عن حصول محافظ بنك السودان المركزي على راتب شهري يبلغ 44 مليون جنيه، إلى جانب بدل سكن بقيمة 50 مليون جنيه، ومخصصات وقود يومية تصل إلى 2.4 مليون جنيه، نتيجة ما وُصفت بـ «إصلاحات هيكلية» أجراها البنك. وتزامن هذا الجدل مع غياب أي توضيح رسمي ينفي أو يثبت هذه التفاصيل من البنك المركزي حتى الآن، وسط تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه الامتيازات للتحديات الاقتصادية الراهنة في البلاد.

​طبيعة خاصة

 

وصف الخبير الاقتصادي الدكتور أبو بكر التجاني تداول أنباء مخصصات محافظة بنك السودان المركزي بالأمر الغريب، مبينًا أن بنك السودان يتمتع بطبيعة هياكل راتبية خاصة تختلف عن بقية مؤسسات الخدمة المدنية التابعة لوزارة المالية، مرجحًا أن تكون تلك الأرقام الضخمة ناجمةً عن احتساب الرواتب بالعملة الأجنبية (الدولار) وتحويلها إلى الجنيه السوداني في ظل انهيار سعر الصرف.

 

​دقة المعلومات

 

وتساءل د. التجاني عن مدى صحة الأرقام المتداولة في المقام الأول، وما إذا كانت مستندة إلى مصادر دقيقة أم مجرد تقديرات غير موثوقة، مشيرًا إلى أن احتساب المخصصات بالدولار يجعلها تبدو فلكية وكبيرة للغاية عند تحويلها بالجنيه السوداني مقارنة بمرتبات بقية موظفي الدولة، بما في ذلك العاملون في مجلسي الوزراء والسيادة.

 

​منطق السوق

 

ورفض الخبير الاقتصادي مبرر منح استثناءات مالية للقيادات النقدية بحجة انهيار العملة الوطنية، مؤكدًا أن هذا المنطق لا يبرر صرف أرقام ومخصصات بهذا الحجم الكبير، لا سيما وأنه يثير تساؤلات منطقية حول مستويات أجور بقية العاملين داخل البنك المركزي نفسه حال تقاضي المحافظ لتلك المبالغ.

 

​بيان عاجل

 

واختتم د. التجاني إفادته بالتأكيد على أن متطلبات الشفافية تفرض على بنك السودان المركزي إصدار بيان رسمي يوضح بجلاء تفاصيل هيكله الراتبي، وهل تُحتسب المخصصات بالعملة المحلية أم بالدولار؛ وذلك لقطع الطريق أمام الجدل الدائر ووضع الحقائق أمام الرأي العام.

​تشريع موحد

من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي إلى سن تشريع لسلم رواتب وطني موحد ينهي حالة التشظي والتمييز بين مؤسسات الدولة، ويعتمد معايير واضحة تقوم على المؤهل العلمي، وسنوات الخدمة، وطبيعة العمل، وحجم المسؤولية، بعيداً عن نفوذ المؤسسة أو قدرتها على انتزاع الامتيازات.

 

​عدالة معيشية

وشدد د. فتحي على وجوب رفع الحد الأدنى للرواتب بما ينسجم مع الواقع المعيشي وخط الفقر المعتمد، بحيث لا يقل دخل الموظف عن مستوى يضمن حياة كريمة له ولأسرته، مشدداً على ألا تبقى الرواتب جامدة لسنوات في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. وشدد على ضرورة اعتماد آلية قانونية تراجع الرواتب دورياً وفق معدلات التضخم الرسمية لتكلفة المعيشة، مع ربط الراتب التقاعدي بسنوات الخدمة الفعلية والاستقطاعات، لا بالمنصب السياسي أو النفوذ.

 

​اختلالات هيكلية

وأكد الخبير الاقتصادي أن الخدمة المدنية في السودان لا تحتاج إلى مزيد من الترقيعات المؤقتة، بل إلى تشريعات هادئة تعيد الاعتبار لقيمة العمل وتؤسس لعقد اجتماعي جديد. وأشار إلى أن استمرار الفوارق الصارخة والامتيازات غير المبررة يُنتج مجتمعاً تتسع فيه الهوة ويزداد فيه الشعور بالظلم، مبيناً أن الدول لا تُقاس بحجم موازناتها، بل بقدرتها على تحويل الثروة إلى عدالة والوظيفة العامة إلى وسيلة للعيش الكريم.

 

​فجوة خيالية

وأوضح د. فتحي أن أي نظام رواتب يرتبط ثلاثياً بحجم الإيرادات، وكفاءة الإنفاق، وهيكل الاقتصاد المنتج، مشيراً إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في التشوهات الهيكلية ووجود «سلالم رواتب متوازية» تقتضي التوحيد الشامل بدلاً من الزيادات العامة. وكشف أن الفجوة بين أعلى وأدنى راتب في السودان قفزت إلى 50 ضعفاً عند احتساب الامتيازات، في حين تبلغ في ألمانيا وفرنسا وكندا 10 إلى 15 ضعفاً وتُضبط بضرائب تصاعدية، وتقل في دول شمال أوروبا (كالسويد والنرويج والدنمارك) لتتراوح بين 6 إلى 10 أضعاف فقط لتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

 

​خارطة إصلاح

واختتم د. فتحي إفادته بالإشارة إلى أن غياب المعيار الموحد للمخصصات يجعل المقارنة الوظيفية غير عادلة وغير شفافة. وطالب بتوحيد منظومة المخصصات بين المؤسسات الحكومية لإنهاء السلالم المتعددة، ومراجعة الامتيازات العليا غير المرتبطة بالإنتاجية، وحماية الشرائح ذات الدخل المحدود والمتوسط باعتبارها الأكثر تضرراً من التضخم، مع ربط أي تعديل مستقبلي بمؤشرات الأداء والإنتاجية والإصلاح الإداري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى