محافظ بنك السودان.. “ضخامة” الراتب أم “ضعف” السياسات

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

وجزء من “الإرهاق الوظيفي” الذي يعانيه المشتغلون في الإدارات ذات العلاقة بالموارد البشرية، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، في أوقات كثيرة يكون بسبب “ضيق الأفق” والتفكير في ما يعرف بالهيكل الراتبي والهيكل الوظيفي، فالغالب تكون حساباته بناءً على فوارق الأرقام داخل الهيكل الراتبي دون الرجوع للأسس التي يتم بها بناء هذا الهيكل والمعايير التي تبرر الفوارق ..

وبالتأكيد لن يتورط القلم في الانضمام إلى هيئة الاتهام للسيدة محافظ البنك المركزي، لأن الحجة في بناء مذكرة الاتهام لا تستند على منطق قانوني قوي، سوى الإشارة لقيمة المخصصات، وكذلك لن يكون الخيار هو الانضمام إلى هيئة الدفاع عن ما تم تسميته بضخامة راتب محافظ بنك السودان المركزي، ببساطة لأن مرافعة الدفاع كلها تستند على حجة “تعبانة” وهي المقارنة بين الراتب وقيمته المتداولة وبين رواتب النظراء في الدول المجاورة.

(*) من يضع معايير التقييم؟

وبما أن مقدمة المقال دفعت بالرفض للانضمام لطرفي “الزوبعة” الأخيرة حول راتب محافظ بنك السودان، فإن هنالك سؤالًا مهمًا يطل في هذه الحالة عن من يضع المعايير الموضوعية لمرافعات الاتهام والدفاع حال تم اعتماد أن قيمة الراتب لا تصلح لإصدار الأحكام؟

وبالرجوع للصفحة الرسمية للبنك المركزي السوداني، والتي ينشر فيها السياسات العامة للبنك والضوابط المرعية في تطبيقها، إضافة للمنشورات الخاصة بتطبيق هذه السياسات ومسؤوليات البنك والمحافظ والإدارات فيه، سنجد بأن مستند “سياسات بنك السودان” منشور ومتاح، وبالنظر إلى التفاصيل يمكننا القول بأنه يشتمل على المعايير المطلوبة في قياس أداء البنك والمحافظ، وهي التي تقول بوضوح بأن استقرار سعر الصرف في مقدمة الأولويات، ومعها خفض التضخم وإدارة السيولة وتحسين إدارة العملة الوطنية وتقوية جانب عرض النقد الأجنبي، وبالتالي فإن السياسة العامة المكتوبة والمنشورة من البنك تقول بأن الحاكمية لهذه المعايير حال التفكير في تقييم الأداء العام للبنك المركزي ومحافظته، وحتى تكون مذكرة الاتهام أكثر تماسكًا، من أن يتم بناؤها فقط على معلومة أن راتب المحافظ ضخم.

ووفقًا للمعايير أعلاه، والتي أعلن عنها البنك المركزي، يمكننا أن نقيم الحجة على القائمين على أمر واحدة من أهم مؤسسات الدولة وأعمدتها الاقتصادية.

وهنا يجب التنويه إلى أن السياسات المعلن عنها للبنك المركزي هي بتاريخ ١/١/٢٠٢٦م، بمعنى أنها كانت قد وضعت وقتًا يستوعب تمامًا سياق الحرب وتأثيراتها الكبيرة على الاقتصاد السوداني ككل والسياسات النقدية للبنك، وأنه لا مجال للتحجج بظروف الحرب في عدم الالتزام بالسياسات أو حتى تحقيق الحد الأدنى من الأهداف المرسومة لهذه السياسات.

المهام المذكورة في بطاقة “الوصف الوظيفي” تلعب دورًا مهمًا في تحويل هذه المهام إلى قيمة إدارية في الهيكل الوظيفي وقيمة مالية في الهيكل الراتبي ومعايير لقياس الأداء عند الحاجة للتقييم.

(*) مرافعة الاتهام ..

والمحاكمة “الاجتماعية” للأرقام التي تتحدث عن راتب محافظ البنك المركزي قد تخاطب نوعًا ما عاطفة الجمهور وشاغلي الوظائف والمهن الأخرى، بالنظر إلى مجموع رواتبهم السنوية في مقابل ما تتحصل عليه محافظ بنك السودان في الساعة، وتجعل من أرقامها في حد ذاتها “جريمة” تستوجب العقاب، إلا أن المسار الأفضل كما نراه هو وجوب انتقال هذه المرافعة من محطة “الراتب الضخم” إلى محطة أكثر تقدمًا في مرافعة الاتهام، وهي محطة “الحصيلة” التي نتلقاها من أداء المحافظ.

وإن كنا مضطرين للنظر في الأرقام المذكورة لراتب محافظ بنك السودان وغير قادرين على تجاوزها ووضعها كقيمة في الاعتبار، فعلينا توجيه السؤال الذي يضع مذكرة الاتهام في إطارها الصحيح والقول: ماذا اشترى السودان من محافظ البنك المركزي السيدة / آمنة ميرغني بهذا الراتب؟

وهنا يجدر بنا القول بأنه لا يجب أن تكون المشكلة هي ارتفاع راتب الموظف بقدر ما أن المشكلة ألا تكون هناك معادلة واضحة بين الأجر والمسؤولية والنتائج المتوقعة من أداء الموظف.

طرفا المعادلة في هذا الموضوع هما الراتب في مقابل النتائج، وهي التي تعطي الراتب التقدير أو التوصيف بأنه ضخم وكبير أو حتى غير مستحق للموظف، مع التسليم بأن محافظ البنك المركزي ليس موظفًا عاديًا حتى يُقاس راتبه بعدد ساعات العمل أو مقارنة راتبه براتب موظف آخر، لأنه هو المسؤول الأول في الدولة عن مؤسسة تمسك بأحد أهم مفاتيح الاقتصاد الوطني، وهو المسؤول عن تنفيذ السياسات النقدية لهذه المؤسسة ونجاحها أو فشلها وفقًا لمعايير تقييم موضوعية ومتفق عليها مسبقًا، وهي معايير المحاسبة الحقيقية التي يجب أن تكون، كما ذكرنا آنفًا: “استقرار العملة / التضخم / إدارة السيولة / سلامة الجهاز المصرفي / الثقة في القطاع المصرفي / واستقرار قواعد سوق الصرف”.

أولًا، وبتلخيص أوضح في مرافعة الاتهام، هذه المشكلة ليست في أن محافظ البنك المركزي يتقاضى راتبًا كبيرًا، وإنما أن المواطن السوداني لا يستطيع أن يرى في المقابل سياسة نقدية كبيرة بالقدر نفسه تؤثر وتنتج آثارًا ملموسة على “قفة الملاح”، باعتبار أن ما بين الأقواس هو المعيار المعتمد لدى المواطنين، وهو بالضرورة لا نحتاج فيه لكبير عناء للقول بأن سياسات البنك المركزي فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق الأهداف المرجوة، وأن ما تدفعه الخزانة العامة كراتب لمحافظ بنك السودان لم نتحصل في مقابله ما يجعله راتبًا مستحقًا بنهاية الشهر.

ثانيًا: قانون بنك السودان المركزي يضع ضمن أغراض البنك تأمين استقرار الأسعار والمحافظة على استقرار سعر الصرف وكفاءة النظام المصرفي، إلى جانب وضع وتنفيذ السياسة النقدية وتنظيم العمل المصرفي والإشراف عليه، كما أن مجلس إدارة البنك يختص بإقرار السياسات النقدية وتحديد سياسات سعر الصرف بتوصية من المحافظ، وبالتالي لا نحتاج إلى مقارنة راتب المحافظ براتب محافظ بنك مركزي عربي، ولا نحتاج إلى مقارنة مخصصاتها براتب محافظ في دولة خليجية، فلدينا قانون البنك نفسه بوصفه ورقة التقييم المعتمدة للاستحقاق من عدمه.

وبناءً على ما ذكر أعلاه، كيف يمكننا قياس والحكم على نجاح السياسات النقدية للبنك المركزي والجنيه السوداني يفقد في قيمته ومناعته بالطريقة التي نراها على رأس كل ساعة، بحيث إن الحياة لم تعد تطاق للمواطن السوداني البسيط؟

وأن أحكام “السوق الموازي” وسياساته التي يضعها تجار العملة و”تشاشة” الدولار هي الحاكمة والمتحكمة، دون أن يرمش لهم جفن من سياسات بنك مركزي رادعة وضابطة.

(*) في نقد مرافعة الدفاع ..

هنالك مواقع ومنصات تنشر هذا النوع من المؤشرات والمقارنات بالأرقام لتساعد في القراءة والتحليل، ولكن ليس بالطريقة المباشرة و”الركيكة” التي تم بها عقد مقارنة بين الذي تتقاضاه محافظ بنك السودان ونظيراتها في الإقليم، لأننا لا نستطيع المقارنة بين اقتصاد حرب واقتصاد مستقر، ودولة تعاني شحًا في النقد الأجنبي في مقابل دولة تمتلك احتياطيات نقدية ضخمة، واقتصاد منهك بانهيار الإنتاج مع اقتصاد لديه صادرات واستثمارات وتدفقات رأسمالية، وعملة تتعرض لضغوط متواصلة مع عملة مستقرة، وبنك مركزي يعمل في بيئة مؤسساتية مستقرة مع بنك مركزي يعمل وسط اقتصاد حرب.

هنا تصبح المقارنة غير خادمة لنتائج منطقية وموضوعية تنتج أحكامًا عادلة على سؤال: هل تستحق المحافظ هذا الراتب أم لا؟

من اجتهد في كتابة مذكرة الدفاع بالاطلاع على كشوفات رواتب ومخصصات شاغلي ذات الوظيفة في الإقليم، كان يعلم بأن أسئلة من نوع: كم يبلغ التضخم في هذه الدول؟ وكيف يتحرك فيها سعر الصرف؟ وما هو حجم الاحتياطيات؟ وحجم الفجوة بين السوق الرسمي والموازي؟ لن تتحمل مذكرة الدفاع إجاباتها.

أين الإجابات لهذه الأسئلة في “امتحان” وضعته سياسات البنك نفسه، وجاء ليفشل فيها على الواقع؟ فالعملة لم تدخل مرحلة استقرار على الإطلاق، بل بلغ الدولار في السوق الموازي نحو 6,400 جنيه في 27 أغسطس 2026 وفق تقارير السوق، بعد مستويات تجاوزت 6,200 في وقت سابق من الشهر، كما أنه يمكننا ربط هذا التصاعد بقرارات من البنك المركزي، ومن غير المقبول تمامًا أن يكون التفسير الوحيد لكل ذلك هو الحرب.

من غير المقبول أيضًا الاستماع لمرافعة الدفاع تلك عن البنك المركزي، في حين أن البنك كان قد تخلى عن مهام أصيلة له في السوق تقع تحت مسؤولياته بحسب ما هو مذكور في سياساته، بقرارات “التحرير” الأخيرة. فالبنك المركزي أصدر في 24 أغسطس منشورين يتعلقان بتعديلات في سعر الصرف، وعلى ضوء ذلك مُنحت المصارف مرونة أكبر في تعديل أسعار الصرف وفق العرض والطلب، ونتج عن ذلك ارتفاعات حادة في السوق الموازي.

وهناك يمكننا توجيه السؤال للبنك المركزي، وهو يصدر هذه المنشورات، عن هل “التحرير” يعتبر “سياسة نقدية” مكتملة الأركان، أم هي مجرد انسحاب من مهمة التسعير دون امتلاك شروط السوق الذي نريد تحريره؟

المؤكد هو أنه، وحتى يكون “التحرير” سياسة نقدية فعالة، يجب أن تتوفر لها مطلوبات مقابلة، مثل سوق منظم، وعرض كافٍ للنقد الأجنبي، وموارد صادرات “حصيلة صادر”، ونوافذ مجدية للتحويلات من المغتربين، واحتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إضافة لثقة في النظام المصرفي تجعل الكتلة النقدية تحت عيون النظام المصرفي، فإطلاق سياسات التحرير في ظل بيئة تعاني شحًا في النقد الأجنبي وانعدام التوازن بين العرض والطلب، فأنت بذلك تضع المفتاح للتسعير بيد السوق والمضاربين.

علينا أن نقول بأن الأزمة الآن ليست في قرار خاطئ اتخذه البنك وكانت نتائجه كارثية على الاقتصاد السوداني، فمثل هذه القرارات يمكن إلغاؤها أو التراجع عنها ببساطة، لكننا الآن أمام مشكلة مؤسسية تتعلق بسياسات البنك المركزي أفلتت اللجام وأفقدته بوصلة تحقيق أهداف السياسات.

جزء من المعلن في سياسات بنك السودان المركزي ٢٠٢٦م يتحدث عن إصلاح وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي وتصنيف المؤسسات إلى فئات بحسب قدرتها على الاستمرار، وصولًا إلى الدمج أو الاستحواذ أو التصفية عند الضرورة، وهو اتجاه جيد في السياسة، ولكن هذا لا ينفي أن البنك المركزي نفسه يحتاج أكثر من غيره لعمليات إصلاح في آليات إصدار القرارات والشفافية والاستقرار المؤسسي، وإصلاح قنوات الاتصال مع السوق وإدارة جيدة للنقد الأجنبي وإصلاح قنوات التنسيق مع وزارة المالية، والتي تظهر آثار الخلل فيها بوضوح، بالإضافة إلى إيجاد أدوات تقييم فعالة للسياسات والقرارات، وذلك لأن إصلاح الجهاز المصرفي لا يمكن أن ينجح إذا كانت البوصلة النقدية نفسها تعاني من الاضطراب.

(*) هل الراتب ضخم فعلًا؟

معرفة أن راتب محافظ بنك السودان الحالي يساوي ٤٤ مليونًا بغير المخصصات، دون معرفة المطلوبات من شاغل الوظيفة ومؤشرات قياس الأداء في وظيفته، قد لا تكون الأحكام الصادرة بناءً على هذه المعرفة منطقية، وبالتالي فإن السؤال ليس: هل الراتب كبير؟ بل ما هي مؤشرات الأداء المرتبطة بهذا الراتب؟ وكم تحقق من هذه المؤشرات؟ وإن لم تكن هنالك مؤشرات، فكيف تتم محاسبة المحافظ؟

٤٤ مليونًا هي أرقام راتب محافظ بنك السودان، كما أشارت التقارير الصحفية والأخبار، إلا أن الأرقام التي تعني المواطن السوداني حقيقة لتقييم أداء البنك المركزي هي ٦.٤٠٠ جنيه للدولار الواحد، وذلك لأنه ومهما كان راتب محافظ بنك السودان يظل رقمًا في موازنة مؤسسة اسمها البنك المركزي، ولكن تعالوا لنقرأ تأثيرات سعر الدولار اليوم، والتي تدخل في كل شيء يخص المواطنين، وبالتالي المواطن لا يملك رفاهية نقاش راتب محافظ بنك السودان بقدر ما يهمه الإجابة على سؤال: لماذا يفقد راتبه قيمته كل يوم؟

وبالتالي فإن اعتبار أن راتب محافظ بنك السودان هو المشكلة ليس دقيقًا، لأن ذلك يمكن حله ببساطة بقرار إقالة المحافظ أو تخفيض راتب شاغل الوظيفة.

المشكلة الحقيقية التي ينبغي الاهتمام بها هي محاسبة السياسات.

ليس مطلوبًا من محافظ بنك السودان أن تكون صاحبة أقل راتب في الدولة، ولا أن تعيش بمخصصات موظف مبتدئ حتى يرضى عنها الشارع والرأي العام. المطلوب فقط أن يكون حجم الأجر متسقًا مع حجم المسؤولية والمردود، وأن يكون حجم المسؤولية متسقًا مع حجم النتائج.

فعندما يبلغ سعر الدولار 6400 جنيه، يصبح السؤال الذي يجب أن يطارد البنك المركزي ليس: كم تتقاضى آمنة ميرغني، محافظ بنك السودان؟ بل السؤال هو: ماذا فعلت السياسات النقدية في كل هذا الوقت، وكل هذه الصلاحيات، وكل هذه المخصصات، والحال يصل بالمواطن السوداني وعملته المحلية لما هو عليه الآن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى