هيثم حسن يكتب : راتب المحافظ ليس هو القضية

هذا قولي
بقلم/ هيثم حسن اجب
الهجوم الذي بدأ خلال الأيام الماضية على محافظ بنك السودان المركزي، السيدة آمنة ميرغني، تحت عنوان ارتفاع راتبها ومخصصاتها الشهرية، يستحق التوقف عنده قليلًا، ليس دفاعًا عن شخص المحافظ، وإنما لأن طريقة طرح القضية وتوقيتها يثيران أسئلة أكبر من مجرد قيمة راتب مسؤول حكومي.
من حق أي مواطن أن يسأل عن المال العام، ومن حق الصحافة والإعلام أن يناقشا رواتب ومخصصات شاغلي المناصب العامة، بل إن الشفافية في هذا الجانب أمر مطلوب وضروري. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الراتب إلى وسيلة للهجوم على مسؤول بسبب قرارات اتخذها في إطار صلاحيات منصبه، أو عندما تستخدم قضية المخصصات للتغطية على خلافات ومصالح أخرى.
وهنا تحديدًا يصبح من الضروري النظر إلى خلفيات الحملة التي تستهدف محافظ البنك المركزي.
فمصدر الهجوم الحالي، بحسب ما يتداول، سبق أن خاض دفاعًا مستميتًا عن شركة «عسجد»، إحدى النوافذ التي أغلقها البنك المركزي وفقًا للسلطات والصلاحيات الممنوحة له. وعندما لم تنجح الحملات المناصرة لـ«عسجد» وأخواتها في تغيير موقف البنك المركزي أو إعادة تلك النوافذ، انتقل الخطاب إلى المطالبة بإبعاد المحافظ، ثم ظهرت حجة الراتب والمخصصات باعتبارها مدخلًا جديدًا للهجوم عليها.
وهنا يبرز السؤال: هل المشكلة فعلًا في راتب محافظ البنك المركزي، أم في القرارات التي اتخذها البنك المركزي وأثرت في مصالح بعض الجهات؟
إذا كان الاعتراض على المخصصات حقيقيًا ومبدئيًا، فإن المقارنة يجب أن تكون عادلة وشاملة، لا أن تستهدف شخصًا واحدًا. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن راتب محافظ البنك المركزي السوداني في حدود عشرة آلاف دولار شهريًا، وهو رقم، حتى وإن بدا كبيرًا للمواطن السوداني في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فإنه لا يمكن وصفه بالاستثنائي عند مقارنته بمخصصات شاغلي المناصب المماثلة فى كل دول العالم .
بل إن المفارقة الأكبر أن المقارنة داخل السودان نفسه تكشف أن هناك مسؤولين في مؤسسات وشركات حكومية، وكذلك قيادات في القطاع المصرفي، يحصلون على رواتب ومخصصات تفوق ما يتقاضاه محافظ البنك المركزي.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما تتم مقارنة مخصصات المحافظ الحالية بمخصصات بعض من سبقوها إلى المنصب. فإذا كانت المخصصات التي تحصل عليها آمنة ميرغني مقررة وفق شروط الخدمة واللوائح والقوانين، وكانت في الوقت نفسه أقل من مخصصات المحافظ السابق، فإن تحويلها إلى قضية فساد أو تبذير لمجرد أنها تبدو مرتفعة في نظر البعض يصبح أمرًا يحتاج إلى أدلة، لا إلى انطباعات.
القضية إذن ليست في أن عشرة آلاف دولار مبلغ قليل أو كثير من الناحية المطلقة، وإنما في معيار المقارنة. فالمنصب الذي يدير السياسة النقدية للبلاد، ويتعامل مع النظام المصرفي، ويواجه تحديات العملة والتضخم والسيولة والتحويلات والقطاع المصرفي، يحتاج إلى شروط خدمة تضمن استقلال المسؤول وتفرغه للعمل.
وهذا المبدأ لا ينطبق على محافظ البنك المركزي وحدها، بل على مديري البنوك أيضًا. فالمسؤول المصرفي يدير أموال المودعين ويتخذ قرارات مالية حساسة، ومن الطبيعي أن تكون له شروط خدمة ومخصصات تتناسب مع طبيعة المسؤولية، حتى لا يتحول المسؤول إلى شخص منشغل بتدبير احتياجاته المعيشية بدلًا من التركيز على إدارة المؤسسة التي اؤتمن عليها.
لكن الحديث عن الرواتب لا ينبغي أن يصبح حصانة ضد النقد. فمحافظ البنك المركزي، مثلها مثل أي مسؤول عام، يجب أن تخضع قراراتها للمساءلة والتقييم. وإذا كانت هناك أخطاء في الأداء، فيجب أن تناقش بالأرقام والوقائع. وإذا كانت هناك قرارات أضرت بالاقتصاد أو بالمصارف، فلتطرح على الرأي العام بشجاعة ووضوح.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الخلافات مع البنك المركزي إلى حملات شخصية تستهدف المحافظ، ثم يجري البحث عن مبررات إعلامية لتلك الحملات.
واللافت أيضًا أن هناك فارقًا في أسلوب إدارة العلاقة مع القطاع المصرفي. ومن وجهة نظر قد يختلف معها البعض ويتفق معها آخرون، فإن آمنة ميرغني أظهرت قدرًا أكبر من التواصل والتفاكر مع مديري البنوك، مقارنة بأسلوب المحافظ السابق الذي كان بعض مديري المصارف يرون أنه اتسم بالعنجهية والازدراء.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: لماذا لم يكن مستوى الحساسية نفسه تجاه المخصصات والأجور عندما كان الأمر يتعلق بمن سبقها إلى المنصب؟
لا أحد فوق النقد، ولا ينبغي أن تكون هناك حصانة لأي مسؤول. لكن النقد الموضوعي شيء، والحملات التي تستهدف الأشخاص بسبب قراراتهم شيء آخر. وإذا كان الهدف فعلًا هو حماية المال العام، فلتفتح كل ملفات الرواتب والمخصصات في المؤسسات العامة بلا استثناء، ولتعلن الأرقام بشفافية، ولتتم المقارنة بين المسؤولين وفق معايير موحدة.
أما أن يصبح راتب محافظ البنك المركزي عنوانًا لحملة تستهدفها، بينما توجد رواتب ومخصصات أعلى منها في مؤسسات أخرى، فهذا يجعل من المشروع طرح سؤال بسيط: هل القضية هي المال العام فعلًا، أم أن المال العام أصبح مجرد عنوان لخلافات ومصالح أخرى؟
في النهاية، يجب أن يكون الحكم على محافظ البنك المركزي من خلال قراراتها وأدائها ونتائج سياساتها، لا من خلال راتبها وحده. وإذا كانت هناك مخالفات، فالقانون والوثائق هما الفيصل. أما إذا كانت المخصصات قانونية ومعلومة ومقارنة بنظرائها أقل من غيرها، فإن تحويلها إلى قضية رأي عام لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم الحملات الشخصية.
حماية المال العام مسؤولية الجميع، لكن حماية النقاش العام من التضليل مسؤولية لا تقل أهمية.



