هل هكذا يُعامَل المعلمون؟

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

من النادر أن أتفاعل مع كل ما يمر أمامي في «التايم لاين»، فليست كل صورة تستحق مقالاً، ولا كل واقعة تستحق أن نرفع لها صوتاً.
لكن بعض الصور لا تحتاج إلى شرح طويل. يكفي أن تراها حتى تشعر بالخجل.
الصورة التي ظهر فيها معلمون يتناولون طعامهم على قارعة الطريق ليست مجرد لقطة عابرة من يوم مزدحم، وليست تفصيلاً يمكن دفنه تحت عبارات التبرير والمجاملة. إنها صورة تختصر سؤالاً أكبر من المائدة نفسها: هل هكذا يُعامَل المعلمون؟ هؤلاء ليسوا عابري سبيل.. هؤلاء معلمون أفنوا أعمارهم في صناعة الإنسان، ووقفوا أمام السبورة سنوات طويلة ليعلّموا أبناءنا القراءة والكتابة، ويزرعوا فيهم الانضباط والأخلاق والمعرفة.
هؤلاء هم الذين نصنع على أيديهم الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والوزير، ثم نكتشف فجأة أننا لا نعرف كيف نصنع لهم مقعداً يحفظ كرامتهم وهم يأكلون!
يا لها من مفارقة موجعة!
في يونيو الماضي، وقف رئيس الوزراء على أعمال كنترول الشهادة السودانية وأشاد بالمعلمين، مؤكداً الالتزام بمعالجة التحديات التي تواجههم، وقال بوضوح إن «المعلم هو أغلى ما نملك».
كما أكدت وزارة التعليم أن أكثر من ألف وخمسمائة معلم ومعلمة شاركوا في مرحلة الرصد، وهي المرحلة الختامية من أعمال الكنترول، قبل أن يُعلن أمس اكتمال أعمال الرصد والترتيبات الفنية تمهيداً لإعلان النتيجة.
كل هذا جميل…
لكن الكلام شيء، والكرامة شيء آخر.
لا نريد أن يكون المعلم «أغلى ما نملك» في الخطب، وأرخص ما نراعيه في الواقع.
لا نريد كلمات براقة عن «رسالة التعليم»، ثم نترك صاحب الرسالة يبحث عن مكان يأكل فيه.
لا نريد أن نُكثر من الحديث عن بناء الإنسان، بينما نهدم أمام عينيه أبسط معاني الاحترام. والمعلم لا يطلب قصراً. ولا ينتظر سجادة حمراء. ولا يريد امتيازات خاصة.
يريد فقط أن يُعامل بما يليق بإنسان أفنى عمره في خدمة الناس. يريد مقعداً. ومكاناً لائقاً. وطعاماً يحفظ له كرامته. ويريد، قبل ذلك كله، أن يشعر أن المجتمع الذي علّم أبناءه لا ينظر إليه بوصفه آخر حلقة في سلسلة الاهتمام.
إنها ليست قضية طعام. إنها قضية احترام. والذين يحاولون اختزال المشهد في «وجبة» لم يفهموا أصل المشكلة.
المشكلة أن المعلم الذي ظل واقفاً ساعات وأياماً لإنجاز أعمال الكنترول، وحمل أمانة أوراق الطلاب ومستقبلهم، يستحق أن يجد من يحمل عنه بعضاً من عناء الطريق.
وإذا كانت الدولة قد أشادت بجهوده، وأكدت أن كفاءة المعلم هي التي حفظت للشهادة السودانية مصداقيتها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
أين يذهب هذا التقدير عندما يحين وقت الفعل؟ نحن لا نبحث عن شماعة نعلق عليها غضباً عابراً.
نحن نطالب بمراجعة واضحة. من المسؤول عن هذه الصورة؟ من وضع المعلمين في هذا الموقف؟ من رأى المشهد ولم يتحرك؟ ومن يعتقد أن الأمر عادي، وأن المعلم يستطيع أن يأكل في أي مكان لأن «المهم إنجاز العمل»؟
لا يا سادة. المهم أيضاً كرامة من أنجز العمل. فالإنجاز لا يمنح أحداً الحق في إهانة صاحبه. والظروف لا تبرر كل شيء.
والحرب لا ينبغي أن تصبح ذريعة لإسقاط أبسط قواعد الاحترام. نحن في بلد أنهكته الحرب، نعم.
ونعرف أن الموارد محدودة، والظروف قاسية، والإمكانات ليست كما كانت.
لكن الفقر في الإمكانات لا يعني الفقر في الأخلاق.
قد لا تستطيع أن تقدم للمعلم ما يستحقه مادياً، لكنك تستطيع أن تمنحه الاحترام.
قد تعجز عن توفير الكثير، لكنك لا تعجز عن توفير الحد الأدنى من الكرامة.
وهنا تحديداً تقع المسؤولية. فالمعلم الذي يتحمل عناء العمل في ظروف استثنائية، ويواصل أداء واجبه حتى النهاية، لا ينبغي أن تكون مكافأته صورة تهز وجدان الناس.
لقد ظللنا سنوات نردد: المعلم رسول. ثم نتعامل مع الرسول وكأن رسالته تنتهي عند السبورة، وأن كرامته بندٌ مؤجل يمكن تأجيله إلى إشعار آخر. نحن أمة بارعة في رفع الشعارات إلى سقف السماء، ثم نبحث عن صاحب الشعار في آخر النهار فنراه جالساً على قارعة الطريق!
نكتب على جدران المدارس: «قم للمعلم وفّه التبجيلا»، ثم نعجز عن أن نقيم له مقعداً يأكل عليه وجبة. نتغنى به في الإذاعات. نضعه في مقدمات الاحتفالات. نطلب منه أن يبني الوطن. وننسى أن الوطن الذي لا يجد فيه المعلم مكاناً لائقاً يضع فيه طعامه، يحتاج إلى درس طويل في الحياء قبل التربية.
ما الذي حدث لنا؟ كيف صار المعلم الذي ندّعي أن المجتمع يقف على كتفيه، مضطراً إلى الجلوس على حافة الطريق، بينما يمر الذين تخرّجوا من تحت يده في السيارات والمكاتب والمناصب، ويتركون وراءهم معلمهم ينتظر أبسط حقوق الاحترام؟
أيّ مفارقة هذه؟ الوزير الذي يصدر القرار علّمه معلم. الطبيب الذي ينقذ الأرواح علّمه معلم. القاضي الذي يزن الحقوق علّمه معلم. الضابط الذي يحمل السلاح علّمه معلم.
والصحفي الذي يكتب هذه الكلمات علّمه معلم.. حتى الذين عجزوا عن حفظ كرامة المعلم… علّمهم معلم! وهذا هو الوجع كله. نريد من المعلم أن يصنع لنا جيلاً يعرف قيمة الوطن، بينما نعرض أمامه صورة تقول للأجيال إن صانع الوطن نفسه يمكن أن يُنسى على قارعة الطريق.
نريد منه أن يربي أبناءنا على احترام الكبير، ثم لا نحسن احترام من كبر وهو يربي أبناءنا.
نريد منه أن يغرس فيهم الكرامة، ثم نضعه في موقف يختبر فيه الناس كرامة الدولة نفسها. أي درس تريدون من التلاميذ أن يتعلموه من هذه الصورة؟ إن المدرسة ليست جدراناً وسبورة فقط.
المدرسة تبدأ من مكانة المعلم. والدولة التي تكرم معلمها لا تحتاج إلى مهرجان كي تثبت احترامها للتعليم.
كرامة المعلم لا تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ولا إلى لجنة عليا، ولا إلى مؤتمرات تمتد حتى آخر الليل.
كرامته تحتاج إلى مسؤول يعرف أن أمامه إنساناً يستحق الاحترام.
مقعد. قاعة. تنظيم. وجبة في مكان لائق. أشياء بسيطة جداً. لكن البساطة في بعض المؤسسات أصبحت أصعب من بناء الخطب. والخطب عندنا، يا سادة، أكثر وفرة من المقاعد. لقد قلنا إن المعلم أغلى ما نملك.
جميل. فهل يعرف الذين أطلقوا هذه العبارة أن للأغلى ثمناً، وأن للعبارة ثمناً، وأن الكلمات تصبح مهينة إذا عجز الواقع عن حملها؟
لا تجعلوا من جملة «المعلم أغلى ما نملك» عبارة احتفالية نعلّقها في الهواء، ثم نترك الصورة تسحبها إلى الأرض.
الكلمات التي لا تجد طريقها إلى الواقع تتحول مع الزمن إلى شهود اتهام. وهذه الصورة بالذات تسألنا جميعاً:
إذا كان هؤلاء هم الأغلى… فمن هم الذين يُعاملون بكرامة؟ هذا زمن يجب أن ينتهي. المعلم ليس موظفاً هامشياً. وكرامته ليست منحة من أحد. واحترامه ليس مجاملة. بل هو واجب أخلاقي ووطني. ومن يريد إصلاح التعليم، فليبدأ من المعلم.. ومن يريد بناء وطن، فليحفظ كرامة من يبني عقول أبنائه.. ومن يريد أن يتحدث عن المستقبل، فليتأمل جيداً هذه الصورة قبل أن يرفع صوته بشعارات التنمية والنهضة. لأن المستقبل الذي يُهان صانعوه… مستقبل مختل من أساسه. نحن نريد موقفاً واضحاً.
لا بيانات إنشائية. ولا عبارات علاقات عامة.. ولا تحميل للمسؤولية على الظروف.. نريد أن يُعرف ما حدث، ولماذا حدث، ومن يتحمل مسؤوليته، وكيف لن يتكرر.
فالاعتذار عن الخطأ قيمة، وتصحيح الخطأ مسؤولية، ومنع تكراره هو الاختبار الحقيقي.. أما أن نرى المعلمين يأكلون على قارعة الطريق، ثم نعود في اليوم التالي لنقول لهم: «أنتم أغلى ما نملك»… فهذا ليس تقديراً للمعلمين، بل إساءة مضاعفة إليهم.



