منى أبوزيد تكتب : حين تنقشع الغشاوة..!

هناك فرق..
“أقسى ما في الإدراك أنه لا يغير الحقيقة، بل يغير قدرتنا على إنكارها”.. الكاتبة..!
ثمة لحظة لا تأتي في موعدٍ معلوم، ولا تستأذن القلب قبل أن تدخل، لكنها حين تأتي تُعيد ترتيب الأشياء كلها في الداخل. لحظة ينقشع فيها ضباب الوعي عن موقفٍ ظللنا طويلاً نُحسن تأويله، ونلتمس له الأعذار، ونُجمِّل قبحه بحسن الظن، ونُراهن على ما نحب أن يكون، لا على ما هو كائن بالفعل. عندها فقط نكتشف أن بعض ما سميناه صبراً لم يكن سوى عناد، وأن بعض ما حسبناه وفاءً كان خوفاً من الاعتراف بالخسارة، وأن تمسّكنا بالآخر لم يكن دائماً حباً له، بقدر ما كان تمسكاً بالصورة التي صنعناها عنه..!
الإدراك لا يجيء دائماً كإجابة، أحياناً يأتي كسقوط سؤال كامل، فجأةً، ترتبك كل الحسابات القديمة. ذلك الآخر الذي احتملنا لأجله غلواء الظنون، وفسرنا صمته، وبررنا غيابه، وقلنا إن له أسبابه التي لا نعرفها، يصبح واضحاً على نحوٍ مؤلم. ليس لأنه قد تغير فجأة، بل لأننا نحن توقفنا أخيراً عن اختراع النسخة التي كنا نريد أن نراه بها..!
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية، أن ترى الحقيقة بعد أن تكون قد استثمرت في الوهم عمراً من المشاعر.
ولذلك فإن لحظة الإدراك ليست لحظة راحة، كما يتخيل البعض. إنها لحظة ثقيلة. فالبصيرة، حين تأتي متأخرة، لا تمنحنا الحقيقة مجاناً، إنها تحمل معها عبء المسؤولية عنها. ما عدنا نستطيع أن نقول “لم أكن أعرف”. وما عدنا قادرين على تعليق أحكامنا على شماعة الالتباس. لقد عرفنا، ولذلك صار علينا أن نتصرف وفق ما عرفنا..!
وهذا هو بالضبط عبء البصيرة “أن تفقد رفاهية الإنكار. بعدها لا تعود العلاقة كما كانت، حتى لو بقيت. قد تستمر الأحاديث، وتبقى المجاملات، وربما يظل الاسم في الهاتف والوجه في الذاكرة، لكن شيئاً خفياً يكون قد انتهى. ليست بالضرورة المحبة، وإنما ذلك الاطمئنان الساذج الذي كان يجعلنا نرى الآخر أقرب مما هو، وأجمل مما فعل، وأهم مما يستحق..!
يعود الآخر كما كان منذ البداية: غريباً ونائياً وغير ذي بال. ليس لأننا قد قسونا عليه، وإنما لأننا قد توقفنا عن منحه بالخيال ما لم يمنحنا إياه بالفعل. والأجمل أننا نعود نحن أيضاً إلى أنفسنا. وعود أقل حزناً، ليس لأن ما حدث لم يؤلمنا، بل لأننا لم نعد ننفق طاقتنا في مقاومة الحقيقة. نعود أكثر حكمة، لأننا قد تعلمنا أن الحب لا ينبغي أن يكون محكمةً نُبرئ فيها من نحب مهما كانت الأدلة، وأن حسن الظن فضيلة ما لم يتحول إلى سوء تقدير لأنفسنا..!
ثمة أشياء لا تنتهي حين نفقدها، بل حين نفهمها.
ولعل أجمل ما تمنحنا إياه لحظة الإدراك أنها لا تُعيد لنا الآخر كما كان، لكنها تعيد لنا أنفسنا كما ينبغي أن نكون “أقل تعلقاً بما لا يستحق، وأكثر تصالحاً مع ما حدث، وأشد قدرةً على التمييز بين من أحببناه حقاً، ومن أحببنا فيه ما تمنيناه أن يكون”!.
munaabuzaid2@gmail.com



