حرب السودان.. من يضع شروط الجلوس إلى طاولة الحوار؟

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ومن مظاهر وصول الأزمة السودانية إلى مستوى حاد من تباين المواقف والآراء هو الاختلاف على الحوار في بلد أنفق الجزء الأكبر من عمره بعد الاستقلال يعاني من ويلات الحروب ونتائج الاختلاف السياسي، هو أن تكون الأطراف السودانية بحاجة إلى “إذن” من النائب العام يصف فيه أن إبداء الرأي في عملية الحوار التي أعلن عنها يقول فيه بأن ذلك لا يتعارض مع القانون ولا يضع صاحبه تحت طائلة القانون.
وحال أن وضعنا المواقف والبيانات السياسية الصادرة حول ملف “الحوار” السوداني تحت مجهر الفحص الأولي، فإننا نجد ألا خلاف على الحوار كآلية لحل الأزمة السودانية من جميع الأطراف، إلا أن السياسة السودانية وبجميع مكوناتها ظلت وعلى الدوام تريد أن تؤكد على أكثر ثوابت النادي السياسي السوداني، وهي أن “الشيطان في التفاصيل”، وأن أقل حراك في المشهد السياسي السوداني كافٍ تمامًا لإيقاظه بالأسئلة من شاكلة: أي حوار؟ ومن الذي يمتلك الحق في إطلاقه؟ ومن المسؤول عن تحديد شروطه وأطرافه؟ وما هي ضمانات الحياد فيه وفي مخرجاته؟
إقامة حوار تحت لافتة “سوداني / سوداني” يبدو إعلانًا تسويقيًا جذابًا لعملية سياسية يحتاجها السودانيون، ولكنه بالضرورة لا يستطيع الإجابة على سؤال الراغبين في التبضع في “بازار” الأزمة السياسية السودانية عن: من يحق له الجلوس إلى طاولة هذا الحوار؟
وإجابة هذا السؤال والبحث عنها هي التي ظلت على الدوام تحول كلمة الحوار من مفهوم سياسي إلى معركة تدور حول التمثيل والشرعية والملكية للعملية نفسها.
(*) الاتفاق على قواعد الحوار …
العجلة التي صدر بها بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي معلنة فيه ترحيبها بمبادرة الحوار السوداني سوداني، ربما كانت خصمًا على موقفها، بل وعلى الحوار من أساسه، باعتبار أن اللجنة التمهيدية، والتي تضم ١٩ شخصية والتي كونت لهذا الحوار، كانت قد أعلنت في أول مؤتمر صحفي بأن مهمتها تهيئة شروط الحوار وتيسير المشاورات، وبالتالي الحوار السوداني لم تتحدد قواعده، فعلام الاستعجال في الأحكام التي دفعت أطرافًا كان من المتوقع مشاركتها في هذا الحوار إلى الربط بين الموقف الحالي وما تم وضعه كملاحظات من القوى السياسية على سلوك المفوضية في مبادرة سابقة هي الآلية “الخماسية”.
كان من الواجب على المفوضية الأفريقية، ومن خلال التجربة الطويلة مع ملف الأزمة السياسية السودانية، أن تتعلم بأن القفز لنقطة الترحيب الدولي سبق وأن تم الوصول إليها في أكثر من بيان للموقف وتصريحات مسؤولي الاتحاد الأفريقي، وكذلك منظمات المجتمع الدولي، إلا أنها لم تكن مجدية في ظل عدم الإجابة على الأسئلة من شاكلة: من يشارك في هذا الحوار ومن لا يشارك؟ وما هي معايير التمثيل في هذا الحوار؟ وما هي آليات تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه في طاولة الحوار؟ وذلك حتى لا يقف أمام الترحيب المستعجل هذا الاتهام الثابت بأن الحوار يقوم على أجندة ونتائج جاهزة تبصم عليها الأطراف.
إجمال صفة “السوداني” على طبيعة الحوار قد تجعله يبدو شاملًا، إلا أن النظر خلف لافتة الشمول هذه سيقودنا إلى صراع كبير حول مفهوم الشمول نفسه، فالأزمة المطلوب إدارة حوار حولها تضم الجيش ومليشيا الدعم السريع وحركات الكفاح المسلح والأحزاب السياسية والقوى المدنية بتشكيلاتها المختلفة وتصنيفاتها “نساء / شباب”، إضافة لممثلي الإدارة الأهلية وضحايا الحرب من نازحين ولاجئين وواجهات النظام السابق والإسلاميين بمختلف تصنيفاتهم، فهل سيشارك فيه كل المذكورين أعلاه أم سيكون هنالك استثناءات، أو بمعنى آخر من يملك الحق في أن يمسك القلم لكتابة قائمة السودانيين “المقبول” حضورهم لطاولة الحوار؟ وهل من ضمانات بعدم حدوث عملية “احتكار” لفكرة الحوار نفسها لجهة دون غيرها؟
القاعدة التي يستند عليها موقف قوى إعلان المبادئ تتعلق بجغرافيا الحوار نفسها، والتي قالت فيها بأن مبادرة الحوار بشكلها الحالي تنطلق من جغرافيا تسيطر عليها الحكومة السودانية والقوات المسلحة، وبالتالي قد تمثل هذه الوضعية أفضلية وامتيازًا سياسيًا لمن يملك زمام الأمور في هذه الجغرافيا، وبالتالي ستتحول عملية الحوار إلى امتداد للحرب، ولكن بأدوات سياسية، بافتراض أن الوقائع العسكرية على الأرض يمكن تحويلها عبر طاولة الحوار إلى حقائق سياسية نهائية.
عملية الحوار نفسها تحتاج إلى إعادة تعريف لمطلوباتها النهائية، فهل القصد منها هو معالجة نتائج الحرب على كافة مستوياتها العسكرية والإنسانية والسياسية، أم الغرض منها شرعنة هذه النتائج والقبول بها كثوابت في الحوار؟
نعم هنالك مخاوف منطقية من النتائج التي تمضي ناحيتها عملية الحوار، وما لم يتم إزالة هذه الهواجس تبقى المواقف من الأطراف السودانية مضطربة، وذلك لأن هنالك فرقًا كبيرًا بين طاولة حوار المراد منها تغيير الواقع الذي أنتجته الحرب وحوار لشرعنة نتائج الحرب والتعامل معها كمكاسب سياسية بدلًا من نقاش مستقبل الدولة السودانية.
كان من المفروض ابتداءً ولإنجاح عملية الحوار السوداني الاتفاق على عملية تصميم العملية نفسها من حيث توفر الضمانات القانونية والسياسية وتهيئة المناخ لإدارة عملية حوار منتجة وفعالة، خاصة وأن المتفق عليه هو أن الفضاء العام الذي أنتجته الحرب أجواؤه خانقة للحريات وغير مثالية على الإطلاق لخلق جو صحي يساعد على إنجاح عملية حوار بعد حرب جرفت المشهد السياسي من كل أسباب النجاح في الحوار.
(*) “بيضة” الحرب أولًا أم “دجاجة” الحوار؟
والسؤال أعلاه ظل على الدوام هو “غلوطية” الأزمة السودانية المعقدة، فمن جهة هنالك أطراف تتبنى في خارطة طريق الحل مسار “إيقاف الحرب” أولًا كمدخل للحوار الوطني بين الأطراف السودانية، وأطراف أخرى ترى بأن تأخر الوصول لعملية إيقاف إطلاق نار لا يفرض إيقاف عملية الحوار المطلوبة، وأنه من الممكن أن يكون وقف إطلاق النار جزءًا من نتائج الحوار، وما بين الموقفين نجد بأن هنالك اختلافًا جوهريًا بين الأطراف السودانية حول هندسة عملية السلام.
الرأي الرافض لاتجاه أن تكون “دجاجة” الحوار أولًا يرى بأن انعقاد الحوار في ظل استمرار الحرب بالضرورة يعني تأثير ميزان القوة وانتقاله إلى داخل قاعات الحوار، والمفارقة هنا بين منطقين، أولهما: هل من الممكن أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإيقاف الحرب، أم أن وقف الحرب يجب أن يكون شرطًا يسمح بحوار متكافئ؟
المنطق والحل الأكثر عقلانية ليس بالضرورة في أن يتم وضع الخيارين في مواجهة بعضهما، لأن ذلك يزيد من التعقيد في إدارة العملية السياسية، ويمكن بناء مسار متزامن يبدأ بإجراءات إنسانية ووقف عدائيات قابل للتحقق، بالتوازي مع مشاورات سياسية تمهّد الدخول إلى طاولة الحوار.
وبالعودة إلى بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي بخصوص الترحيب بمبادرة الحوار السوداني، والذي جاءت فيه الدعوة لشمول الحوار والملكية السودانية له وسيادة ووحدة الأراضي السودانية، نجد بأنه يوفر الغطاء السياسي المطلوب لهذه المبادرة قبل التعامل مع ضمانات تحقق هذه المبادئ، فالفرق كبير جدًا بين دعم الحوار بشكل عام وبين دعم مسار محدد في عملية الحوار، وهذا ما ذهب إليه البيان الصادر من قوى إعلان المبادئ.
لم يتوقف البيان عند هذا الحد، بل ذهب إلى إيقاظ شيطان التفاصيل بربط البيان للترحيب بالمبادرة بالآلية الخماسية دون الالتفات للملاحظات على الآلية، والتي دفعت أطرافًا لإعلان موقفها من سلوك الآلية الخماسية والاعتراض عليه، وبذلك يكون البيان قد كلّف مبادرة الحوار السوداني حمولة لا تخصه على الإطلاق في هذا التوقيت بسبب ما جاء في البيان، الشيء الذي يجعل المبادرة وكأنها جزء من مصفوفة موجودة أصلًا، ولم يتم معالجة المشكلات الملازمة لها.
(*) الحوار المعتمد له الأزمة السودانية …
وهنا يجب الانتباه لمركبات المشهد السياسي السوداني المعقدة، فبينما أطلقت الحكومة السودانية مبادرتها للحوار السوداني على لسان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة / عبد الفتاح البرهان، اجتمعت قوى سياسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وأعلنت رفضها لمبادرة الحوار هذه، ووصفتها بالمناورة السياسية، وأكدت على خارطة طريق أخرى للحوار، وبين المسارين يأتي السؤال: هل هنالك إمكانية لإنتاج مسار واحد رسمي يمثل كل الأطراف السودانية؟ والإجابة بالتأكيد هي نعم، حال نظرت الأطراف للتكاليف التي يدفعها المواطن السوداني جراء الصراع السياسي والعسكري، وتم تغليب الشرط الوطني للجلوس إلى طاولة حوار واحدة.
الحوار في أصله آلية مدنية، وبالتالي تتحمل فيه القوى المدنية الجزء الأكبر من المسؤولية، وبالعودة لموقف القوى المدنية الحالي سنجد بأنه وبسبب تباين المواقف في ما بينها يضاف تعقيد جديد لملف الحوار السوداني، فجزء منها يرفض تمامًا مشاركة الأطراف العسكرية في الحوار، وهنالك من يعتقد بمنطقية الحوار مع السلطة الحاكمة الآن، وهنالك من يرى ضرورة استبعاد الإسلاميين، وآخرون يرون بأنه من غير الممكن استبعاد طرف تم الاتفاق على أنه مؤثر في الحرب ومشارك فيها بطريقة ما، وأطراف أخرى تمضي، إلا أن المساواة بين الجيش والمليشيا في فكرة الحوار تنسف فرضية الحوار من أساسها.
موقف الكتلة الديمقراطية من مبادرة الحوار لا يمكن فصله من مواقفها الحالية من السلطة الحاكمة وسابقًا من سلطة الانتقال، كما لا يمكن فصله أيضًا من التعامل معها كمكون عسكري يخوض الحرب الآن إلى جانب القوات المسلحة ومكون مدني يتقاسم معها السلطة ولديه موقف سياسي من أطراف خارج السلطة الآن.
(*) الإقصاء .. أم المحاسبة؟
ومن الملاحظ بأن الموقف من أطروحة قيام حوار سوداني على طاولة تستبعد المؤتمر الوطني وواجهات النظام السابق تضعنا أمام فرضيتين، تقود إحداهما إلى القول بأن نجاح الحوار السوداني مرتبط ورهين بمحاسبة كل القوى التي كانت سببًا في الأزمة، والإقصاء من العملية السياسية الحالية ما هي إلا جزء من عملية المحاسبة، بينما ترجح أطراف فرضية أن الاستثناء يمثل عملية “إقصاء” لا تخدم نجاح الحوار السوداني.
السؤال المهم الذي نضعه قبل دوران عجلة الحوار هو: ما هي معايير الاختيار للجنة الـ”١٩” لقيادة واحدة من أصعب المهام في تاريخ السياسة السودانية، وما هي التكاليف المحددة أمام أعضاء هذه اللجنة، خاصة وأن “السلاح” لا زال موجودًا داخل غرفة التفاوض والحوار بطريقة ما أو بأخرى.
السودان الآن يحتاج إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى الاتفاق على من يملك الحوار وشروطه وضماناته، فالخلاف الحقيقي بين السودانيين ليس بين من يريد الحوار ومن لا يريده، بل بين حوار يصنع السلام وحوار يعيد توزيع شرعية الحرب.
إذا كان المراد هو أن يكون الحوار سودانيًا خالصًا، فلا يجوز أن تملك شروطه جهة واحدة، وإذا كان المراد منه أن يكون شاملًا، فلا يجوز أن تبدأ قائمة المستبعدين قبل أن تبدأ قائمة المشاركين.
وإذا كان هدفه إنهاء الحرب، فلا يجوز أن يتحول إلى منصة لتثبيت نتائجها، وإذا كان الاتحاد الأفريقي راعيًا للسلام، فعليه ألا يكتفي بالترحيب بالطاولة فقط، بل أن يسأل أولًا: من صنعها؟ ومن وضع شروط الجلوس إليها؟ ومن يضمن ألا تتحول إلى طاولة لتوزيع غنائم الحرب؟



