«العودة» تحاور عصام الكوباني عن قضية نزع أراضيهم

نزع تعسفي مصحوب بظلم إداري عمره 14 عاماً
شركات عالمية ألمانية وبلجيكية شاركت في تأسيس مشروعاتنا
تم تجريدنا من 126 ألف متر بالباقير وتمليكها لآخرين
نُكوص بنك السودان نسف شراكاتنا مع المستثمرين الأجانب
أموالنا وأصولنا الثابتة نُزعت ومُنحت لمستثمرين غيرنا
لجان معاينة تضيع تقاريرها ومحامون يتهربون من القضية
100 خطاب رسمي والنتيجة تجاهل مريب للعدالة
نطالب البرهان بالتدخل العاجل لإعادة حقوقنا المغصوبة
حاوره ــ أمين محمد الأمين

حين تُهدر مجهودات عقود من العمل بقرارات إدارية غير محسوبة، يتحول الاستثمار من محرك للتنمية إلى رحلة استنزاف لا تنتهي. هذه هي تفاصيل المعاناة التي عاشتها أسرة “الكوباني”، إحدى أعرق الأسر العاملة في مجال المحاصيل الزراعية والتصنيع بالسودان، والتي وجدت نفسها في مواجهة مع البيروقراطية ونزع الملكية التعسفي.
بدأت القصة بتراجع رسمي عن التزامات حكومية سابقة، وانتهت بانتزاع موقع استثماري متكامل بمعداته وبنيته التحتية التي كلف ملايين الدولارات، لتُعطى لأطراف أخرى دون تقديم تعويض عادل. وعلى مدار 14 عاماً، استمرت المطالبات والخطابات الرسمية دون جدوى، لتتحول القضية إلى نموذج صارخ للتعدي على حقوق المستثمر الوطني وتجميد نشاطه بالكامل.
مرحباً بك أستاذ عصام. بدايةً، حبّذا لو ألقيت الضوء على الجذور التاريخية لنشاط عائلتكم في القطاع الزراعي والتصنيع بالسودان؟
مرحباً بك. نحن أسر ومؤسسي شركة الكوباني، نعمل في مجال المحاصيل الزراعية وتجهيزها في السودان منذ أكثر من مئة عام. هي مسيرة عريقة أرسى دعائمها الوالد -رحمه الله- كرئيس لمجلس الإدارة؛ حيث شمل نشاطنا تجارة المحاصيل محلياً وتصديرها خارجياً، وتصنيع الحبوب الزيتية المختلفة عبر معاصرنا في “أم روابة” و”الأبيض” و”الخرطوم بحري” لمنتجات السمسم، الفول، بذرة القطن، وعباد الشمس. كما نتوسع في تصدير حب البطيخ، الفول، السمسم، الكركديه، السنمكة، وزغب القطن والصمغ العربي إلى مختلف أسواق العالم.

كيف تبلورت فكرة التحول من المحاصيل إلى تصنيع المشروبات الغازية بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية؟ وما هي كواليس هذه الشراكة؟
قرر الوالد التوسع والتنويع الاستثماري بالتعاقد مع شركة “شويبس” الأمريكية العالمية لتصنيع المشروبات الغازية. وإلى جانب خط الإنتاج الرئيسي، أضفنا مصنعاً لتصنيع الصناديق البلاستيكية (كريتس) عبر شركة “بتفيلد” العالمية، واستوردنا خطوط الإنتاج عبر شركتي “إنترفيل” و”O&H”، وتصنيع التوانك عبر شركة “جي بي ميتشيلز”، وكلها من أكبر الشركات الألمانية، بالإضافة لشركة “أسترون” البلجيكية لتصنيع الجملون؛ وهي شركات جرى اختيارها والتعاقد معها بالتنسيق والترشيح عبر شركة “شويبس” العالمية.
ما هي التسهيلات والتراخيص الحكومية وموقع الأرض التي حصلتم عليها للشروع في هذا المشروع الضخم؟
حصلنا على القطعة رقم (32) مربع (1/2) بـ “الجديدة الثورة – الباقير”، وتبلغ مساحتها الإجمالية 126,500 متر مربع. كما حصلنا على موافقة رسمية من بنك السودان لتوفير النقد الأجنبي بالسعر الرسمي المعتمد حينها. وبناءً على هذه المستندات الرسمية، حولنا مبالغ ضخمة للخارج لتوريد المصانع والمعدات، وجميع هذه المستندات والوثائق المذكورة بحوزتنا وجاهزة للاطلاع.

وماذا عن البنية التحتية والتجهيزات الفعلية التي نُفذت على الأرض؟
مكث خبراء الشركة الأمريكية معنا في السودان سنتين كاملتين؛ شُيّدت القواعد الخرسانية والجملونات، وحُفرت آبار وتأسست صهاريج ومحطات ضخ، بالإضافة لتسور موقع الأرض الممتد على مساحة 126,500 متر مربع بالكامل.
ما المعوق الذي واجهكم ونسف هذه الاستعدادات الاستثمارية في مهدها؟
التراجع المفاجئ من بنك السودان بالاعتذار عن توفير التمويل والنقد الأجنبي المقرّر، رغم الموافقة السابقة! هذا القرار النكوصي كبدنا خسائر فادحة وفقدان أموالنا المحولة للخارج والمستثمرة في أصول الأرض.

كيف تعاملتم مع الأزمة لحماية الأرض من قرار النزع الاستثماري الذي يهدد المواقع المعطلة؟
لتفادي النزع، أدخل الوالد شريكاً قطرياً هو السيد سعيد الزياني -رحمه الله-، وأقمنا مشروع غربال حديث لفرز المحاصيل وتقشيرها بأحدث تقنيات الفرز الضوئي والكاميرات (سورتكس إنجليزية)، واستوردنا المعدات ومحطة كهرباء خاصة بها لحماية استثمارنا.

رغم هذه الجهود والتراخيص وتأسيس الغربال، تم نزع موقعكم الاستثماري.. كيف جرى ذلك؟
بعد وفاة الوالد وشريكه القطري، صدر قرار جائر بتجريدنا من الأرض منذ عام 2012؛ اقتُطع منها 90 ألف متر مربع ومُنحت مطاحن (الحمامة) بكل ما فيها من مبانٍ وقواعد خرسانية تُقدر بمليوني دولار، واقتُطع 10 آلاف متر لشركة صيدلانية، وطبقاً لخطاب الاستثمار المتبقي فإن ما تُرك لنا هو 172,96 متراً فقط من أصل 126,500 متر! تسجل لصالحنا، وفي حال رغبتنا في المواصلة دون ذكر مصير منشآتنا في باقي الأرض المنزوعة، والمشروع يحتاج لكل مساحة الأرض.
حتى في ظل المتابعات الإدارية الأخيرة خلال عام الحرب، ما الذي حدث بشأن المعاينات والتقارير الرسمية؟
في مارس 2023 (عام الحرب)، ذهبنا مع الأستاذ الصادق التلودي وكان مديراً للاستثمار، وشكّل لجنة عاينت المنشآت والأصول بالعين المجردة وأعدت تقريراً رسمياً. المفارقة المأساوية أنني عندما سألته عن التقرير لاحقاً قال لي بكل بساطة: “للأسف لقد ضاع التقرير!”، وذهبنا لإعداد تقرير آخر ولم يتحركوا إلا بعد ثلاثة أشهر. وكان يقف معنا الوالي السابق إسماعيل العاقب، وهو الذي وعدني صراحةً بالتعويض وإعطائنا أرضاً بديلة لتلك التي أُخذت منا، بل وذهب معي بنفسه للوالي الجديد، لكنه قال لي حينها: “الوالي الجديد لن يفعل لك شيئاً”.

وماذا كان موقفكم وموقف الإدارة القانونية تجاه هذا الانسداد والتعقيد الإداري؟
قلت له نسلم الخطاب الرسمي للوالي الجديد وللإدارة القانونية لنرى ماذا سيفعلون. وفي الإدارة القانونية قال لي الأستاذ حسن شدو أمام الوالي: “يا أخي ليك حق، وانا كنت مستشار للاستثمار قبل الإدارة القانونية واطلعت على ملفكم وعندكم مليون حق، فاذهب واشتكِ هؤلاء الناس وقاضِهم!”، فقلت له: “هذا الكلام الشفاهي لا ينفعني، اكتبه لي في ورقة رسمية!”. ذهبت إلى محامٍ لمتابعة الملف، وللأسف حتى هذا المحامي توقف ولم يعد يرد على اتصالاتي وكذلك الوالي والاستاذ حسن ، وكأن هناك حلقة مفرغة من المماطلة وتضييع الأوراق وتجاهل الحقوق الثابتة!
لمَ لمْ تتقبلوا خيار التعويض بالمساحة المتبقية أو المساومات التي طرحت لاحقاً؟
لأن القانون يمنع نزع موقع مستثمر قائم وقدم فيه أصولاً. كيف يعطون منشآتنا الجاهزة ومعداتنا لمستثمر آخر دون تعويضنا عن أصولنا بالكامل؟ طرقتُ أبواب جميع الولاة والوزراء وأرسلت أكثر من 100 خطاب رسمي بلا جدوى.
ما الذي يحول دون رفع دعوى قضائية أمام المحاكم لنيل حقوقكم وإلغاء هذه القرارات؟
القضية تتطلب رسوماً قضائية قدرها 5% من قيمة الدعوى البالغة ملايين الدولارات. نحن سُكبت كل رؤوس أموالنا داخل هذه الأرض وتوقف نشاطنا كلياً طوال 14 عاماً، ولا نملك هذه التكلفة التعجيزية في ظل تجميد أصولنا.
ختاماً، ما هي مطالباتكم المباشرة للجهات العليا في الدولة وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة؟
نتوجه برسالتنا ومناشدتنا لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان: نحن أسر مظلومة وتوقف نشاطها الزراعي والاستثماري بسبب نكوص بنك السودان والقرارات الإدارية الجائرة. مطلبنا عادل ومحدد؛ إما إعادة أرضنا بكامل مساحتها لنستكمل مشروعنا مع شريكنا الأجنبي، أو تقييم وتعويض منشآتنا وأصولنا ومعداتنا التي انتزعت ومُنحت لغيرنا. لا نريد إلا العدل وإرجاع الحق لأهله.




