والي غرب دارفور الجنرال بحر آدم كرامة في حوار مع “العودة “

استعادة الولاية ليست خياراً سياسياً.. بل واجب وطني ودستوري
لن نقبل بأن تبقى غرب دارفور رهينة للحرب والفوضى
سنكشف الحقائق وننصف ضحايا الانتهاكات
النصر الحقيقي عودة المواطن إلى منزله آمناً
نريد حواراً يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار
منذ اندلاع الحرب في السودان، واجهت ولاية غرب دارفور واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، بعدما ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الأمن والاستقرار والحياة المدنية، وتسببت في خسائر بشرية وانتهاكات واسعة ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة المواطنين والضحايا وأسرهم. وفي هذا الحوار، يتناول كرامة واقع الولاية خلال الحرب، ومسارات توثيق الانتهاكات وكشف الحقائق وإنصاف المتضررين، مؤكداً أن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون يمثلان أساساً لأي سلام مستدام، بعيداً عن الانتقام والثأر.
كما يتطرق الحوار إلى تطورات المشهد الأمني والعسكري، وفرص استعادة سلطة الدولة ومؤسساتها، وما يتطلبه ذلك من حماية للمدنيين وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة.
ويتناول كذلك رؤية مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات والبنية التحتية، ومعالجة جذور الأزمة عبر الحوار السوداني ـ السوداني، وصولاً إلى بناء غرب دارفور أكثر أمناً واستقراراً وعدالة وتعايشاً.
حوار: عماد النظيف

• نريد توصيفاً دقيقاً لما حدث في ولاية غرب دارفور منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم، وما أبرز التحولات التي شهدتها الولاية سياسياً وأمنياً وإنسانياً؟
ما شهدته ولاية غرب دارفور منذ اندلاع الحرب يُعد من أكثر الفصول إيلاماً في تاريخ السودان المعاصر. فقد تعرضت مؤسسات الدولة لشلل واسع، وتضررت البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتسعت رقعة النزوح واللجوء، وتحمل المدنيون العبء الأكبر لهذه المأساة.
ومن منظورنا، فإن ما جرى تجاوز كونه مواجهة عسكرية، إذ استهدف وجود الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون. لكننا نؤكد أن الدولة السودانية لن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها، وأن استعادة غرب دارفور وبسط سلطة الدولة على كامل ترابها ليست خياراً سياسياً، بل واجب وطني ودستوري.
• كيف تنظرون إلى الوضع الراهن في الولاية؟
لا يمكن لأي مجتمع أن ينعم بالأمن أو التنمية في ظل غياب مؤسسات الدولة. الأولوية المطلقة اليوم هي حماية المدنيين، واستعادة الأمن، وإعادة تشغيل مؤسسات الحكم والخدمات الأساسية.
و لن نقبل بأن تبقى غرب دارفور رهينة للحرب أو الفوضى. وستظل الدولة ماضية في أداء واجبها حتى تستعيد الولاية أمنها واستقرارها وسيادة القانون على كامل أراضيها.
• ماحجم الخسائر البشرية؟
الخسائر كانت فادحة ومؤلمة، وكل روح أُزهقت هي خسارة للوطن بأسره. لكننا نتعامل مع هذا الملف بأقصى درجات المسؤولية، لذلك لا نعلن أرقاماً غير مكتملة.
هناك عمليات حصر وتوثيق مستمرة عبر الجهات المختصة، وسنلتزم بإعلان البيانات الرسمية بعد اكتمالها. إن حقوق الضحايا وأسرهم ستظل في مقدمة أولوياتنا.

• هل تم توثيق الانتهاكات؟
تجري جهود متواصلة لجمع المعلومات وتوثيق الانتهاكات عبر الآليات المختصة. إن توثيق ما حدث ليس عملاً إدارياً فحسب، بل هو واجب أخلاقي وقانوني، لأنه يشكل الأساس الذي تُبنى عليه المساءلة والعدالة.
نؤمن بأن حقوق الضحايا لا تسقط، وأن الحقيقة ستظل حجر الأساس لأي سلام مستدام.
• ماذا عن العدالة والمساءلة؟
لا يمكن بناء سلام دائم من دون عدالة. نحن لا ندعو إلى الانتقام، بل إلى سيادة القانون، بحيث يخضع كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم بحق المدنيين لإجراءات قضائية عادلة وفق القانون.
العدالة ليست عقبة أمام السلام، بل هي الضمان الحقيقي لاستقراره ومنع تكرار المآسي.
• ما أبرز المناطق التي شهدت انتهاكات؟
شهدت عدة مناطق في الولاية أحداثاً مأساوية خلال الحرب، وما زالت عمليات التوثيق واستكمال المعلومات مستمرة. وهناك أسر لا تزال تبحث عن الحقيقة بشأن ذويها، وهو ملف نعتبره أولوية وطنية وإنسانية.
لن نتوقف عن العمل لكشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، وصون حقوقهم وفق القانون.
• كيف تقيّمون التحركات العسكرية لاستعادة الولاية؟
لدينا ثقة كاملة في القوات النظامية والقوات المساندة لها، وفي قدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها وفق الخطط التي تضعها القيادة العسكرية.
ما يعنينا هو أن تنتهي هذه الحرب باستعادة سلطة الدولة، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى جميع أنحاء الولاية.
• كيف تنظرون إلى التقدم الأخير الذي حققته القوات المسلحة؟
كل تقدم يُسهم في استعادة مؤسسات الدولة، ويقرب نهاية الحرب، ويعزز أمن المواطنين، يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
لكننا نؤمن أن النصر الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يعود المواطن إلى منزله آمناً، وتعمل المدارس والمستشفيات والأسواق، وتُفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
• هل تتوقعون استعادة غرب دارفور قريباً؟
لدينا ثقة راسخة بأن غرب دارفور ستعود إلى كنف الدولة، وأن سيادة القانون ستبسط على كامل أراضيها. أما توقيت العمليات العسكرية فهو شأن تختص به القيادة العسكرية، ولا يجوز الخوض فيه إعلامياً.
لكن ما أؤكده هو أننا لا ننتظر نهاية المعركة لنفكر في المستقبل؛ فقد بدأنا بالفعل إعداد رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب، لأن مسؤولية الدولة لا تنتهي بتحرير الأرض، وإنما تبدأ ببناء الإنسان وإعادة المؤسسات وترسيخ الاستقرار.
• ما الذي تحتاجه القوات لاستكمال العمليات؟
إن نجاح أي عملية عسكرية يرتكز على وحدة الصف الوطني، والتنسيق المحكم بين مؤسسات الدولة، وتوفير ما يلزم للقوات التي تضطلع بمسؤولية الدفاع عن الوطن، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون.
كما أن دعم المواطنين، وتكاتف القوى الوطنية، يمثلان عنصراً أساسياً في استعادة الأمن والاستقرار.
• ما خطتكم بعد استعادة الولاية؟
لدينا برنامج متكامل لإعادة بناء الولاية، يبدأ بإعادة بسط سلطة الدولة، وعودة أجهزة الشرطة والقضاء والنيابة، وإعادة تشغيل الوزارات والمؤسسات الخدمية، وتأهيل المستشفيات والمدارس، وإصلاح البنية التحتية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتهيئة البيئة لعودة الاستثمار والإنتاج.
هدفنا ليس إعادة ما كان عليه الحال قبل الحرب، بل بناء غرب دارفور بصورة أقوى وأكثر استقراراً وعدالة.
• ماذا عن النازحين واللاجئين؟
هذا الملف يمثل أولوية وطنية وإنسانية بالنسبة لنا. نؤمن بأن العودة يجب أن تكون آمنة وكريمة، وفق الظروف التي تضمن سلامة المواطنين وحقوقهم.
وسنعمل على إعادة تأهيل المناطق المتضررة، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير الأمن، حتى يعود كل نازح ولاجئ إلى منزله وهو مطمئن على مستقبله ومستقبل أسرته.
• كيف تعالجون جذور الصراع؟
لا يمكن معالجة جذور الأزمة إلا من خلال ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، وتحقيق العدالة، وإطلاق مشروعات تنموية حقيقية تعالج أسباب التهميش والفقر.
كما نرفض أي خطاب يؤجج الانقسام أو الكراهية، لأن مستقبل غرب دارفور لا يُبنى إلا بالتعايش، والعدالة، ودولة المؤسسات.
• ما دور الإدارات الأهلية؟
الإدارات الأهلية تمثل مكوناً أصيلاً في النسيج الاجتماعي، ولها دور مهم في دعم السلم المجتمعي، وتقريب وجهات النظر، والمساهمة في تعزيز الاستقرار.
لكن هذا الدور ينبغي أن يكون مكملاً لدور مؤسسات الدولة، وليس بديلاً عنها، لأن بناء السلام الدائم يتطلب دولة قوية، وعدالة نافذة، ومؤسسات فاعلة.
• كيف تنظرون إلى دعوة السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني–السوداني؟
أي مبادرة وطنية صادقة تهدف إلى إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، تستحق الدعم والنظر الجاد.
ونرى أن الحوار الحقيقي يجب أن يقوم على المسؤولية الوطنية، واحترام سيادة الدولة، وتغليب مصلحة السودان على أي اعتبارات أخرى، وأن يفضي إلى حلول عملية تحفظ الأمن والاستقرار.
• ماذا تريد ولاية غرب دارفور من الحوار السوداني–السوداني؟
نريد حواراً يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويقود إلى إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، وإطلاق مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار والتنمية.
رسالتي إلى أهل غرب دارفور وإلى الشعب السوداني هي أن هذه الولاية، رغم ما أصابها، ستنهض من جديد. لدينا إيمان راسخ بقدرة شعبنا على تجاوز المحنة، ولدينا ثقة في أن الدولة ستستعيد كامل سلطتها، وأن راية القانون ستظل أعلى من كل راية، وأن غرب دارفور ستعود بوابةً للأمن والتنمية والتعايش، كما كانت دائماً جزءاً أصيلاً من السودان الموحد.




