سوق الدواجن.. تجارة مهددة بالتلف

انقطاع الكهرباء يهدد التبريد ويضاعف خسائر التجار

المواطن يتحمل تكلفة الإنتاج العالية

الخرطوم – هيام المغربي

لم يعد انقطاع الكهرباء في السوق المركزي بالخرطوم مجرد أزمة خدمية عابرة، بل تحول إلى تهديد مباشر لتجارة الدواجن واللحوم البيضاء، التي تعتمد بصورة أساسية على التبريد والتجميد للحفاظ على سلامة منتجاتها. ومع استمرار غياب التيار الكهربائي، يجد التجار أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما تحمل كلفة المولدات والطاقة الشمسية والثلج، أو المخاطرة بتلف بضائعهم وخسارة رأس المال. وتنعكس الأزمة كذلك على المستهلك، الذي يضطر إلى شراء احتياجاته بكميات محدودة وعلى أساس يومي، تفادياً لتلفها في ظل عدم استقرار الكهرباء حتى داخل المنازل. وبين ارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل، وتراجع قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الدواجن والبيض، تتسع دائرة الضغوط على قطاع يمثل بديلاً مهماً للحوم الحمراء مرتفعة الأسعار. ويكشف واقع السوق حجم الخسائر التي يواجهها التجار والمنتجون، ويضع استقرار الكهرباء في صدارة احتياجات القطاع.

استطلاع اهل الوجعة

 

وقال أحمد محمد، صاحب محل المدينة للدواجن بالسوق المركزي، إن مشكلة الكهرباء أجبرتهم على تقليل نشاطهم، مبيناً أن منتجات الدواجن واللحوم البيضاء تحتاج إلى التبريد المستمر للحفاظ عليها.

 

وأوضح أن ارتفاع أسعار الثلج يزيد من أعباء التشغيل، إذ وصل سعر اللوح في بعض الأيام إلى نحو 27 ألف جنيه، مشيراً إلى أن ضعف القدرة الشرائية ومشكلات تطبيق «بنكك» أثرت أيضاً على حركة البيع خلال الأيام الأخيرة.

 

وأضاف أن منتجات مثل السجوك والكفتة أصبحت تُجهز بكميات محدودة، لأن عدم توفر التبريد المناسب يعرضها للتلف، مطالباً الجهات المختصة بإعادة التيار الكهربائي إلى السوق بصورة مستقرة.

 

من جانبه، قال خالد مصطفى، أحد تجار منتجات الدواجن، إن المحال تضطر إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية أو المولدات الخاصة في ظل غياب الكهرباء، الأمر الذي يرفع كلفة التشغيل.

 

وأشار إلى أن بعض التجار باتوا يشترون كميات محدودة لا تتجاوز 20 إلى 30 كيلوغراماً في اليوم لتقليل مخاطر التلف، لافتاً إلى أن الطاقة الشمسية لا توفر الاحتياجات كاملة، خصوصاً في الأيام التي تشهد غيوماً أو أمطاراً.

 

وكشف عن تعرضه لخسارة نحو 20 كيلوغراماً من المنتجات بسبب ضعف التبريد، بجانب إغلاق عدد من المحال المجاورة، موضحاً أن تلف المنتجات أو ضعف جودتها يدفع بعض الزبائن إلى إعادتها.

 

وقال محمد الزبير، صاحب متجر ود الزبير للدواجن، إن قطاع الدواجن يعتمد بصورة أساسية على التبريد والتجميد، مؤكداً أن السوق المركزي يعاني من غياب التيار الكهربائي المنتظم.

وأضاف أن أنظمة الطاقة الشمسية المتوفرة لا تعمل بكامل طاقتها المطلوبة، بينما تضطر المحال إلى تشغيل الثلاجات بالتناوب لتقليل استهلاك الطاقة، ما يؤدي إلى ضعف التجميد وتعرض المنتجات للتلف وفقدان جزء من وزنها.

 

وأشار إلى أن الطلب على الدواجن لا يزال موجوداً باعتبارها بديلاً أقل تكلفة من اللحوم الحمراء، لكن اضطراب الكهرباء ومشكلات الدفع الإلكتروني يعرقلان حركة التجارة.

 

بدوره، قال الهادي محمد، صاحب متجر بانقا لمنتجات الدواجن، إن أوضاع السوق صعبة للغاية، مشيراً إلى أن غياب الكهرباء يهدد عمليات حفظ وتجميد المنتجات.

 

وأوضح أن ارتفاع سعر الدولار وتراجع قيمة الجنيه ينعكسان بصورة مباشرة على الأسعار، مبيناً أن سعر كيلو الدجاج بلغ نحو 30 ألف جنيه، فيما وصل سعر طبق البيض إلى نحو 26 ألف جنيه، مع تفاوت الأسعار من يوم إلى آخر.

وأشار إلى أن التجار اضطروا إلى شراء أنظمة طاقة شمسية للعمل بصورة مستقلة، في انتظار عودة الكهرباء إلى السوق.

 

المستهلكون يشترون «باليوم»

 

ولم تقتصر آثار أزمة الكهرباء على التجار، إذ قالت إحدى المتسوقات إنها كانت تشتري نحو 5 كيلوغرامات من الدجاج وثلاثة أطباق من البيض لتخزينها، لكنها أصبحت تشتري احتياجاتها بصورة يومية بسبب عدم استقرار الكهرباء في المنزل.

 

وأكدت محاسن خليفة أن انقطاع التيار جعل تخزين المواد الغذائية أمراً صعباً، مشيرة إلى أنها باتت تشتري حاجتها من الدواجن والبيض يومياً تفادياً للتلف.

خسائر تتجاوز المحال

 

وقال الخبير المصرفي والمحلل الاقتصادي، د. لؤي عبدالمنعم، إن أزمة الكهرباء تعكس تداعيات تضرر البنية التحتية خلال الحرب وغياب خطط استمرارية الطاقة والتبريد، مبيناً أن قطاعات الدواجن والألبان من أكثر الأنشطة تأثراً بانقطاع الكهرباء.

 

وأوضح أن المنتجات سريعة التلف تحتاج إلى تبريد مستمر، وأن توقف الكهرباء لفترات طويلة يؤدي إلى خسائر مباشرة نتيجة تلف المنتجات، فضلاً عن ارتفاع الأسعار بسبب زيادة تكاليف التشغيل.

 

وأشار إلى أن بعض المحال أوقفت بيع منتجات مثل الزبادي والجبن، بينما لجأ آخرون إلى المولدات والطاقة الشمسية، التي تفرض تكاليف إضافية على التجار، إلى جانب أعباء الوقود والصيانة، محذراً من أن الانقطاعات المتكررة قد تؤدي أيضاً إلى تلف أجهزة التبريد نفسها.

 

ولفت عبدالمنعم إلى أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بقاعدة الإنتاج الحيواني في الخرطوم والجزيرة، بما في ذلك مزارع الدواجن والألبان، مؤكداً أن أزمة القطاع لا ترتبط بالكهرباء وحدها، وإنما تشمل أيضاً ارتفاع تكلفة الأعلاف والأدوية ومدخلات الإنتاج.

 

وقال إن الإعفاءات الجمركية عن الطاقة الشمسية تمثل خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى إجراءات أوسع تشمل إصلاح شبكة الكهرباء، وتوفير تمويل ميسر للمنتجين، ووضع استراتيجية للطاقة الشمسية تضمن وصولها إلى الأنشطة الإنتاجية.

المولدات ترفع تكلفة الإنتاج

 

وأكد الخبير الاقتصادي د. محمد الناير أن قطاعي الدواجن والألبان يحتاجان إلى كهرباء مستقرة على مدار الساعة، بدءاً من مراحل تربية الدواجن وحتى الذبح والتجميد والتخزين.

 

وأوضح أن ارتفاع تكلفة تشغيل المولدات، إلى جانب أسعار الوقود، ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج، مشيراً إلى أن سعر جالون الديزل بلغ نحو 40 ألف جنيه، فيما يصل سعر البرميل إلى نحو مليوني جنيه.

 

وقال الناير إن ارتفاع تكلفة التشغيل وتراجع قيمة الجنيه أسهما في زيادة أسعار الدواجن، التي ارتفع سعر الكيلوغرام منها من نحو 15 ألف جنيه إلى قرابة 30 ألف جنيه.

 

ودعا إلى حماية الإنتاج المحلي وتوفير كهرباء مستقرة للقطاع، باعتبار الدواجن أحد البدائل الرئيسية للحوم الحمراء في ظل ارتفاع أسعارها، محذراً من أن استمرار أزمة الكهرباء سيضاعف خسائر المنتجين والتجار ويزيد الأعباء على المستهلكين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى