رؤية تنسيقية القوى الوطنية للآلية الخماسية..«العودة» تنشر النسخة الكاملة

الحوار السوداني يمثل المسار الوطني لإيقاف الحرب وبناء السلام
الخرطوم – العودة
قدمت تنسيقية القوى الوطنية السودانية مذكرة موقف رسمية إلى رؤساء الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الإفريقي وإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، طرحت فيها رؤيتها بشأن مسار الحوار السياسي والسلام والمصالحة الاجتماعية في السودان.
وقالت التنسيقية إن المذكرة تأتي إلحاقاً باجتماعها مع الآلية الخماسية في الخرطوم في 8 سبتمبر الجاري، مؤكدة أن الحوار السوداني يمثل المسار الوطني لإيقاف الحرب وبناء السلام، مع ضرورة الفصل بين المسارين السياسي والعسكري.
وتضمنت المذكرة رؤية التنسيقية بشأن المصالحة الاجتماعية والعدالة وجبر الضرر، إلى جانب معايير المشاركة في الحوار، وموقفها من مشاركة القوى المرتبطة بمليشيا الدعم السريع، فضلاً عن استعراض تجارب مقارنة من رواندا وكولومبيا وجنوب إفريقيا.
ودعت التنسيقية الآلية الخماسية إلى مواصلة دورها في تسهيل الحوار السوداني ودعم مخرجاته بما يحفظ السيادة الوطنية ومؤسسات الدولة.
مذكرة موقف رسمية
إلى: السادة رؤساء الآلية الخماسية المحترمين
(الإتحاد الإفريقي، الهيئة الحكومية للتنمية – إيقاد، جامعة الدول العربية، الأمم المتحدة، الإتحاد الأوروبي)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الموضوع: رؤية تنسيقية القوى الوطنية السودانية وحقائق المسار السياسي والسلام المستدام
إلحاقاً باجتماعنا المباشر معكم بالخرطوم في 8 سبتمبر-26، وفي إطار حرص القوى الوطنية والسياسية السودانية على إنجاح جهود التسهيل الدولي وإرساء دعائم سلام عادل ومستدام يُنهي معاناة الشعب السوداني ويحفظ سيادة الدولة ومؤسساتها، نتقدم إليكم نحن تنسيقية القوى الوطنية بهذه المذكرة الرسمية الموثقة، وتُعد هذه الوثيقة موقفاً وطنياً جامعاً يرد على الأسئلة الثلاثة المطروحة من قبلكم، ويسجل في أرشيف مؤسساتكم المحترمة الحقائق القانونية والسياسية للحرب الدائرة في السودان.
اولاً: رؤيتنا للحوار في ظل غياب السلام
الحوار كأداة لإيقاف الحرب: إننا لا نرى الحوار السياسي نقيضاً للسلام او عملية تنتظر انتهاء الحرب، بل نراه الأداة الوطنية الرئيسية والمسار العملي لإيقافها وصناعة السلام المستدام.
الإستناد للممارسات الدولية الحاضرة: في التاريخ السياسي تؤكد تجربة رواندا (عبر حوار التوافق الوطني دون الجناة؛ عندما أدارت حواراً وطنيا ناجحاً لبناء الدولة وعزل المليشيات والواجهات المتورطة في الفظائع) وتجربة كولومبيا (عبر حوار السلام والمواطنة) حاضرتان في أدبيات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي؛ فلم تُشترط مشاركة مرتكبي الانتهاكات لبدء الحوار القومي، بل كان الحوار الوطني بين القوى الشريفة هو حجر الزاوية الذي أنهى الحرب واستعاد الدولة، إن انتظار صمت البنادق لإدارة الحوار، أو اشتراط مشاركة الطرف المتمرد، هو ارتهان يعطي البندقية حق تعطيل إرادة الأمة.
التكامل عبر مسارين متميزين:
المسار الأمني والعسكري: المعني بالترتيبات الفنية والقيود الإجرائية ومرجعيته الحاكمة هي التنفيذ الفوري والتام لالتزامات إعلان جدة (11 مايو 2023م)، بخروج المليشيا المتمردة من منازل المواطنين والأعيان المدنية، إن إنفاذ هذا الإعلان هو الممر الإجباري للتجرد من السلاح، وليس الهدن الوقتية، التي أثبتت التجربة والواقع أنها بلا جدوى: فإننا نرفض بوضوح الهدن التكتيكية المؤقتة لسببين جوهريين:
عدم الجدوى والإخفاق الإنساني: لأنها لا تتيح العودة الآمنة والكريمة للسكان الأصليين والنازحين إلى منازلهم وممارسة حياتهم؛ إذ أثبتت كافة الشواهد والدلائل الميدانية المتاحة أن المليشيا المتمردة، حيثما وطئت قدمها أو احتلت منطقة، تهجر سكانها قسرياً وتحولهم إلى نازحين ولاجئين.
استغلال الهدن لإعادة التموضع والانتشار: لقد جُرّبت هذه الهدن سابقاً عقب اتفاق جدة، وثَبُت قاطعاً استغلال المليشيا لغطائها وغطاء المعابر الإنسانية كدخول الإغاثة عبر معبر أدري لإعادة التمركز، والانتشار الميداني، وإدخال شحنات السلاح والعتاد العسكري، وهو السلوك الأثيم الذي وثقته رسمياً تقارير الخبراء المستقلين التابعين للأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة وذلك عبر ليبيا، تشاد، افريقيا الوسطى وجنوب السودان، بدعم وغطاء امارتي كامل.
المسار السياسي القومي: معني بوضع الإطار القومي وتخطيط مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ونؤكد هنا أن كافة الضمانات الأمنية والدواعي القانونية باتت مكتملة تماماً لعقد الحوار السوداني- السوداني داخل الأراضي الوطنية، إذ بادرت تنسيقية القوى الوطنية خلال لقائها برئيس مجلس السيادة الانتقالي الشهر الماضي بتقديم مقترح قومي يقضي بإصدار عفو شامل عن كافة البلاغات والإجراءات القانونية الصادرة بحق القيادات السياسية وتوفير الضمانات اللازمة لمشاركتها، وهي المبادرة التي حظيت بالاستجابة الفورية من قيادة الدولة وصدر بموجبها العفو وشطب البلاغات،
وبناءً عليه، فإن العائق الحقيقي أمام مشاركة بعض المجموعات السياسية ليس غياب السلام أو الموانع القانونية والأمنية، بل ارتباطها العضوي والوثيق بمليشيا الدعم السريع، واستمرارها في توفير الغطاء السياسي والإعلامي لجرائمها بدعاوي هشة وخارجة عن الإرادة الشعبية.
ثانياً: رؤيتنا للمصالحة الإجتماعية:
إن المصالحة الإجتماعية بالنسبة لنا ليست مجرد صفقة سياسية فوقية بين نخب، ولا تسوية تُسقط الجرائم بالتقادم، بل هي عملية وطنية جذرية، ونؤكد هنا استصحابنا للتجربة المرجعية لجنوب إفريقيا لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC)، المعتمدة في أدبيات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، والتي أثبتت أن المصالحة الوطنية المتماسكة تستند بالضرورة إلى المرتكزات التالية:
لا مصالحة بلا محاسبة: إستناداً للنموذج الجنوب إفريقي، فإن إظهار الحقيقة الكاملة، والإقرار بالجرائم، وسيادة القانون وتطبيق العدالة بحق مرتكبي الإنتهاكات والجرائم المباشرة والفظائع ضد المدنيين هي الشروط المشروعة والأخلاقية لأي سلم أهلي، فالتحايل على العدالة أو تجاوز حقوق الضحايا سيعيد إنتاج الغبينة والعنف.
جبر الضرر والعودة الآمنة: إقرار حقوق الضحايا، وتعويض المتضررين، وتأمين العودة الكريمة والآمنة للنازحين والمهجرين قسرياً إلى ديارهم وتمليكهم حقوقهم.
بناء العقد الاجتماعي الجديد: اعتماد منهجيات التماسك المجتمعي وحوارات القواعد والمكونات الأهلية والطرق الصوفية والشباب والنساء، عبر المؤسسات الوطنية والمجالس المختصة، لتفكيك خطاب الكراهية ورتق النسيج الأهلي على أسس المواطنة المتساوية.
ثالثاً: معايير المشاركة في الحوار:
تخضع المشاركة في الحوار السياسي المخصص لرسم معالم مستقبل السودان وبناء دولته لمعايير موضوعية حازمة تستند إلى الشرعية الوطنية، القبول الشعبي، والخلو التام من سائر الانتهاكات ضد الشعب السوداني، وإنتفاء أي شائبة تواطؤ او إسناد للعدوان.
المشاركون الأُصلاء
القوى السياسية الوطنية، المكونات المجتمعية والمدنية، الإدارات الأهلية، الطرق الصوفية، الشباب والمرأة، الرياضيون والفنانون، والدراميون والكتاب، أهل الثقافة والمبدعون، والأنشطة النقابية والمهنية التي انحازت للوطن ولإرادة الشعب وحافظت على مؤسسات الدولة.
المستثنون قطعياً: يُستثنى استثناءً حاسماً المليشيا الارهابية والتنظيمات والواجهات السياسية الحليفة لها، ويتجسد هذا المنع الناجز في الارتباط البنيوي والتنفيذي المباشر للتحالف السياسي المسمى بـ (تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية تقدم / المسمى حالياً صمود) بمليشيا الدعم السريع، والذي وثقه رسمياً توقيع إعلان أديس أبابا في 2 يناير 2024م، بالعاصمة الإثيوبية بين الطرفين،
وقامت هذه القوى لاحقاً بتغير اسمها كما ظلت تغير جلدها مرةً بعد مرة الى ان وصلت الى مسمى القوى المدنية المناهضة للحرب وهي ذات القوى التي وفرت الغطاء السياسي للتمرد.
إن هذا التحالف سعى منذ البداية لتوفير الغطاء السياسي والإعلامي للانقلاب المباشر الذي نفذته المليشيا في 15 أبريل 2023م بدعاوى باطلة وهشة تدافع عن التمرد، واحتكار تمثيل القوى الثورية في تزييف صارخ للإرادة الشعبية التي رفضتها وطردتها في المواكب والميادين الوطنية، وعقب سقوط وفشل مخطط الانقلاب العسكري واستعصائه بفعل صمود القوات المسلحة والشعب السوداني، حولت المليشيا وحلفاؤها الجدد هذا التمرد إلى حرب إنتقامية شاملة ضد المواطن السوداني، اُرتكبت فيها من الفظائع والجرائم ضد الإنسانية ما يستوجب قانونياً وأخلاقياً تصنيفها كمنظمة إرهابية.
وفي هذا السياق، نسجل في أروقة مؤسساتكم الدولية أن صمتكم وعدم إعلانكم الرسمي لتصنيف هذه المليشيا كمنظمة إرهابية وتغاضيكم عن حلفائها السياسيين، هو العلة الأساسية التي شجعتها على الاستمرار في حربها ضد المدنيين، إذ تعد الاعتداءات الغاشمة التي شهدتها مدينة أم روابه بالأمس، والتي اُستشهد فيها اكثر من ثلاثين مواطناً مدنياً، وأسر أعداد كبيرة من المرتزقة الأجانب المقاتلين في صفوف المليشيا، دليلاً دامغاً وشاهد إثبات على القصور الدولي والإحجام عن محاسبة وإدانة الدول الوالِغة في تمويل ورعاية التمرد بالسلاح كالإمارات، وفي الحيّز الميداني كتشاد وليبيا واثيوبيا وافريقيا الوسطى وغيرهم.
رابعاً: خاتمة وتأطير لدور الآلية:
نؤكد للسادة في الآلية الخماسية أن الحوار السوداني الذي تقوده القوى الوطنية بدون الطرف المتمرد هو تجربة مقارنة أثبتت نجاحها إفريقياً وعالمياً لإيقاف الحروب وقطع الطريق أمام الإبتزاز بالسلاح، ونأمل أن يتواصل دوركم المميّز في تسهيل وتيسير هذا المسار الوطني الجامع ودعم مخرجاته وفق القرارات الدولية والسيادة الوطنية السودانية.
والله الموفق وهو المستعان،،،،
محمد سيد احمد سر الختم
رئيس تنسيقية القوى الوطنية السودانية/ الخرطوم
سبتمبر 2026م
التجارب المرجعية المقارنة
التجربة الإفريقية: رواندا (1994 – 1999م) – مسار العقد الوطني دون الجناة
التشابه: شهدت رواندا حرباً وفظائع وضغطاً دولياً لإشراك أطراف تورطت في الإبادة والانتهاكات الشاملة بحق المدنيين (قوات الإنتراخاموي المليشياوية والواجهات الداعمة لها). التكتيك: رفضت الحكومة الوطنية إشراك القوى التي ارتكبت الانتهاكات أو وفرت لها الغطاء السياسي، وأجرت حوار التوافق الوطني بين القوى السياسية والمجتمعية الحية فقط.
النتيجة: نجح الحوار في فرض الاستقرار، وصياغة دستور جديد، وتفكيك العنف، وإنهاء الحرب مجتمعياً وسياسياً، وتحولت رواندا إلى واحدة من أنجح دول القارة دون الحاجة لمكافأة التمرد أو إشراكه في الحوار.
التجربة العالمية: كولومبيا – الحوار الوطني والتعبئة الضامنة (2002 – 2008م)
التشابه: كانت مليشيات الـ AUC القوات المتحدة للدفاع عن كولومبيا والجيش الوطني يخوضان حرباً طاحنة، وكان الدبلوماسيون يطالبون بشرعنة المليشيات كطرف سياسي.
التكتيك: رفضت الدولة والمجتمع السياسي الحوار مع الواجهات السياسية للمليشيات المتمردة التي استهدفت الأعيان المدنية، وعُقد حوار السلام والمواطنة بين المكونات الوطنية الشرعية فقط لإقرار استراتيجية الأمن القومي.
النتيجة: أنتج الحوار عزل سياسي ومجتمعي تام للمليشيات، وأجبرها لاحقاً على إلقاء السلاح وتفكيك هياكلها والخضوع لقوانين العدالة الانتقالية دون أن تحصل على أي مكافأة سياسية.
جنوب إفريقيا – لجنة الحقيقة والمصالحة (1995 – 2002م)
التشابه: واجهت جنوب إفريقيا تركة ثقيلة من الانتهاكات الجسيمة والفظائع ضد الإنسانية والعنف الممنهج ضد المدنيين، وسط ضغوط دولية لإنجاز تسوية سياسية سريعة تتجاوز حقوق الضحايا.
التكتيك: رفضت الدولة والمجتمع إقرار أي عفو مجاني أو تسوية فوقية تسقط الجرائم بالتقادم؛ واستندت إلى معادلة حازمة تمثلت في “إظهار الحقيقة الكاملة، والإقرار بالجرائم، والخضوع للعدالة الانتقالية والجبر الشامل للضرر” كشرط مسبق للاندماج والمصالحة.
النتيجة: أرست التجربة دعائم الاستقرار ورتق النسيج الاجتماعي دون السقوط في فخ “العفو بلا محاسبة”، ومنعت إعادة إنتاج العنف والغبينة، وصارت المرجع الأول المعتمد لدى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في العدالة الانتقالية.




