هيكلة الجهاز المصرفي السوداني: بين مقتضيات الإصلاح وضغوط الواقع (٢ ــ ٢)

الخبير المصرفي دليل: الهيكلة تطلب إصلاح مؤسسية “المركزي” أولاً
الخبير الاقتصادي محمد نور: شبكة الأمان شرط لمنع انهيار القطاع
تقرير ــ أمين محمد الأمين
يحذّر خبراء واقتصاديون من أن انشغال البنك المركزي بالجانب الإجرائي لمنشور الهيكلة قد يغفل الإصلاحات الهيكلية والأطر التشريعية الناظمة، مشددين على أن تقليص عدد البنوك لن يكون مجدياً ما لم يترافق مع حزمة إنقاذ استثنائية وإعادة صياغة لبيئة الحوكمة والرقابة. وأكد الخبراء في هذا الجزء أن معالجة هشاشة الجهاز المصرفي تتطلب إقرار حزمة أمان متكاملة تتضمن ضمان الودائع، وفتح نوافذ إعادة التمويل، وتدقيق جودة الأصول قبل إقرار أي اندماج، فضلاً عن مدّ الأفق الزمني للتنفيذ عبر مراحل تدريجية تمتد حتى عام 2028 لضمان ولادة قطاع مصرفي قوي وقادر على تمويل مشروعات إعادة الإعمار.

أدوات استثنائية
استكمالاً لرؤيته، شدد الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم على حاجة البنك المركزي الملحة لاستخدام حزمة أدوات استثنائية لإسناد المصارف أثناء إعادة الهيكلة، وفي مقدمتها فتح “نافذة سيولة طارئة” بضمانات مرنة، وتوفير ضمان حكومي مؤقت لودائع الشريحة الصغرى والمتوسطة. وحثّ عبد المنعم على اعتماد “برنامج دعم رسملة البنوك” لضخ أموال مؤقتة في الكيانات الحرجة وتجميد الأنشطة عالية المخاطر، فضلاً عن فرض رقابة لحظية على التدفقات اليومية وتوسيع تسهيلات المقاصة لضمان الانسيابية المالية وتجنب أي مظاهر للذعر.

جذور الاختلال
وفي السياق التنظيمي، نبّه الخبير المصرفي وليد دليل إلى أن خيارات البنك المركزي الثلاثة (الرسملة، الاندماج، والتصفية) تعالج ظواهر الأزمة وليس جذورها العميقة. واستحضر دليل سابقة عام 2000 حين مُنحت المصارف مهلة تجاوزت العامين دون اتخاذ إجراءات رادعة بحق المخالفين، مما تسبب في تراكم الاختلالات الحالية. يضاف إلى ذلك أن البنك المركزي يواجه تضارب مصالح صريحاً ينفي عنه الحياد التام، نظراً لامتلاكه حصصاً مباشرة في أكثر من 11 مصرفاً محلياً، إلى جانب الاعتماد على إطار تشريعي يعود لقوانين الأعوام 1959 و1991 و2010، وهي تشريعات لم تعد تواكب المستجدات المعيارية الدولية ولا توفر الاستقلالية الكاملة للبنك عن وزارة المالية.
بيئة حوكمة
وبناءً على هذه المعطيات، شدّد وليد دليل على أن نجاح خطة إعادة الهيكلة يظل مرهوناً بإقرار إصلاحات موازية تتجاوز التدابير الفنية المعلنة. ودعا في هذا الصدد إلى فصل منصب رئيس مجلس إدارة البنك المركزي عن منصب المحافظ، وتصفية مساهمات المركزي في البنوك التجارية، فضلاً عن إجراء تحديث تشريعي شامل وتفعيل آليات الرقابة الميدانية وفق مؤشر “كاملز” (CAMELS) لتقييم كفاية رأس المال، وجودة الأصول، والإدارة، والربحية، والسيولة، وحساسية مخاطر السوق. واختتم دليل إفادته بالتأكيد على أن دمج الكيانات الضعيفة اتجاه صحيح، لكن شرطه الأساسي يبدأ بإصلاح البيئة المؤسسية والرقابية للبنك المركزي نفسه تجنباً لتكرار سيناريو قرارات بلا إنفاذ.

اتجاه صحيح
وفي اتجاه يكمل ويؤطر هذا الطرح الفني، أكّد الخبير الاقتصادي محمد نور كرم الله أن المنشور رقم (4/2026) بشأن رفع الحد الأدنى لرؤوس أموال المصارف يُمثّل اتجاهاً مطلوباً لإعادة بناء القطاع، مستدركاً بأن مكامن الخطر تتجسد في سرعة التنفيذ والتوقيت الحرج وسط ظروف الحرب وتآكل الأصول وضعف السيولة. وأوضح كرم الله أن الهدف الأساسي للهيكلة لا ينبغي أن يقتصر على تقليص عدد البنوك الـ 38 المسجلة، بل يتعداه إلى رفع قدرة الجهاز المصرفي على حماية المدخرات وتمويل الاقتصاد؛ وهو ما يستدعي موازنة دقيقة من المركزي بين فرض الانضباط المالي وبين الحفاظ على الاستقرار عبر خيارات متدرجة قبل اللجوء للتصفية.
ضوابط المنشور
وفي هذا الإطار، أشار كرم الله إلى أن المنشور حدّد أطر أرقام رأس المال المدفوع بقيمة 140 مليار جنيه للمصارف التجارية والرقمية، و230 ملياراً للمصارف التنموية الزراعية والصناعية، مع إعطاء مهلة لتوفيق الأوضاع. وبحسب تقييمه، فإن ضيق المدى الزمني تجعل خيار زيادة رأس المال عبر ضخ أموال حقيقية أمراً شديد الصعوبة على البنوك الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل الاندماج الخيار الأكثر واقعية، بشرط ألا يكون اندماجاً عشوائياً يجمع مؤسسات ضعيفة لينتج كياناً أكثر هشاشة، داعياً المركزي لترتيب مهلة تمهيدية تتراوح بين 60 إلى 90 يوماً لإعداد خطط اندماج متماسكة قائمة على حوكمة جودة الأصول.
ثلاثية الأمان
ومن جهة أخرى، شدّد محمد نور كرم الله على أن الأداة الجوهرية الغائبة التي يجب أن تسبق أي تصفيات واسعة تتمثل في إيجاد شبكة أمان مصرفية شاملة. وأوضح أن هذه الثلاثية—المكونة من نظام صريح لضمان الودائع، ونافذة سيولة طارئة، وصندوق استقرار مصرفي—هي الكفيلة بتحويل عملية إعادة الهيكلة من مصدر هلع للمودعين إلى ركيزة أساسية لاستعادة الثقة في القطاع. كما بيّن أن التصفية الإدارية ينبغي أن تُعامل كآخر الملاذات المتاحة، ولا تُطبق إلا على المؤسسات غير القابلة للإصلاح عقب خضوعها لتقييمات مستقلة لأصولها والتزاماتها.
حزمة إنقاذ
وبناءً على المعطيات الميدانية، اقترح كرم الله أن يقدم بنك السودان المركزي حزمة إنقاذ مصرفية مؤقتة متكاملة؛ تتضمن تأسيس صندوق الاستقرار المصرفي، وتفعيل برنامج إعادة الرسملة المشروطة للمصارف الحيوية القابلة للحياة عبر مشاركة حكومية مؤقتة تحفظ حق الاسترداد، بجانب فتح نافذة لإعادة التمويل قصير الأجل للمؤسسات التي تعاني من أزمات سيولة عابرة لا أزمات ملاءة، فضلاً عن تقديم تسهيلات تنظيمية وانتقالية تحفز عمليات الاندماج دون الإخلال بالرقابة الصارمة.
تدقيق الأصول
وارتباطاً بالمسار التنظيمي، حثّ الخبير الاقتصادي على تصنيف المصارف الـ 38 إلى ثلاث فئات (A, B, C) بناءً على الحجم والقدرة التشغيلية ومدى تطبيق الحوكمة. وحذّر كرم الله من مخابئ الاندماج القسري العشوائي الذي قد يترتب عليه نقل القروض المتعثرة والخسائر الخفية من بنك لآخر، محبّذاً إجراء مراجعة مستقلة وشاملة لجودة الأصول (Asset Quality Review) قبل إقرار أي اندماج رئيسي؛ لضمان الاستفادة من وفورات الحجم، وتخفيض التكاليف، وتحسين البنية التكنولوجية لخدمة القطاعات الإنتاجية.
مراحل زمنية
واختتم محمد نور كرم الله إفادته بتقديم مقترح لخطة زمنية مرحلية تتجاوز الموعد النهائي المحدد بنهاية ديسمبر 2026، لتكون هذه المهلة نهاية للمرحلة الأولى الخاصة بالتقييم والتصنيف الميداني فقط. ووفقاً لرؤيته، تُخصص الفترة من يناير إلى يونيو 2027 لتنفيذ الاندماجات وإعادة رسملة المصارف القابلة للحياة، لتتبعها مرحلة ممتدة بين عامي 2027 و2028 لمعالجة الأصول المتعثرة وتأسيس نظام ضمان الودائع، وصولاً لما بعد عام 2028 بنشوء قطاع مصرفي سوداني أقل عدداً، وأعلى رأسمالاً، وأكثر مرونة وقدرة على تمويل مشروعات إعادة الإعمار.




