(عندك حق المحامي) العبارة التي تفضح الخوف من الكلام
بين الطرفة والتحذير.. ما الذي غير طريقة السودانيين في التعبير؟؟

تقرير لـ(العودة) يرصد كيف غيّر الخوف كلام السودانيين
بين الطرفة والتحذير.. ما الذي غير طريقة السودانيين في التعبير؟؟
العودة: نشوة أحمد الطيب
في زحمة المصطلحات التي أفرزتها سنوات الحرب والانفلات الأمني في السودان برزت عبارة (عندك حق المحامي) كتعليق ساخر يتداوله السودانيون كلما اقترب حديث ما من خط أحمر (اسم مسؤول، مؤسسة نافذة، أو قضية حساسة).
العبارة المستعارة من صيغة الحقوق القانونية التي تُتلى على الموقوفين، تحولت إلى إشارة ضمنية بأن الأفضل التوقف هنا قبل أن يتحول النقاش إلى ملف أمني.
لا يُعرف على وجه الدقة مصدر العبارة الأول لكن تداولها اتسع بشكل لافت مع تصاعد حملات الاعتقال التي طالت صحفيين على خلفية قضايا نشر و بعض النشطاء، ما جعلها ترتبط في الذهن الجمعي بتجربة هذه الفئة تحديدًا، قبل أن تنتقل إلى الاستخدام الشعبي العام في مجالس الأصدقاء والمكاتب ومجموعات التواصل، حتى بين من لم يواجه استدعاء أمنيًا في حياته.
ووفق منظمة مراسلون بلا حدود، تراجع السودان إلى المرتبة 161 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، بينما أدانت جهات حقوقية ونقابية أوامر قبض صدرت بحق عشرات الصحفيين على خلفية نشر تقارير تتعلق بمزاعم فساد. هذا المناخ هو ما دفع (العودة) إلى استطلاع آراء صحفية، ومحامٍ، واختصاصية في علم النفس والكوارث والنزاعات، لفهم أبعاد الظاهرة من زوايا مهنية وقانونية ونفسية متكاملة.
الصحفية أمينة الفضل لـ (العودة) (بقول رأيي حتى لو تم استدعائي)
(السخرية تحمل استسلاماً وخوفاً من البلاغ والملاحقة)
محام: (الحريات تنتهي بالتعدي على حق الغير)
(النقد أصبح تشهير والتعليقات تحولت على إساءات)
مجاهد عثمان المحامي: (هذه رسالتي للصحفيين..)
اختصاصية علم نفس الكوارث لـ(العودة): السخرية تساعد على تحمل الواقع.. لكنها لا (..)

الرأي وحدود الخوف
تستعيد الصحفية أمينة الفضل أول مرة سمعت فيها العبارة (عندك حق المحامي) موضحة أنها كانت تتردد بين زملائها الصحفيين خلال بلاغات تتعلق بمواد منشورة وصلت إلى المحكمة. وقالت: “كل زول كان بقول للثاني أنت عندك حق المحامي؟ يعني لا تزيد في الكلام لأنه احتمال تجرجر.” وأوضحت أن استخدامها الشخصي للعبارة اقتصر على مزحة مع صديقة، حين حذّرتها من نشر منشور قد يوقعها في مساءلة.
وأشارت أمينة إلى أن التجربة مع الاستدعاء ليست جديدة عليها فقد استُدعيت أكثر من مرة وسُحبت لها مواد صحفية من النشر من بينها مقال كتبته قبل ثورة ديسمبر دعت فيه الرئيس السابق إلى التنحي ومنشور لاحق على فيسبوك أدى إلى استدعاء جديد.
من الصحفي إلى الناشط
ورغم ذلك أكدت أن هذه التجارب لم تُغيّر قناعاتها الصحفية بل أثّرت في توقيت طرح الآراء أكثر من مضمونها، قائلة: “أنا بتكلم في قضية بتهم المواطن والبلد، والواجب يقتضي أن أقول رأيي، حتى لو تم استدعائي.” ونوّهت إلى أن الخطوط الحمراء التقليدية المرتبطة بالمؤسسات الرئاسية والقضائية تراجعت اليوم لصالح إشكالية مختلفة هي تداخل صفة “الصحفي” مع “الناشط” و”الناشر” على منصات التواصل وهو ما أدى إلى انتشار كمّ كبير من المحتوى غير الموثوق يصعب تمييزه عن العمل الصحفي المهني.
سخرية واستسلام
وحول انتقال العبارة إلى محيطها العائلي نفت الفضل أنها نقلتها بشكل مقصود، لكنها أقرت بأن أطفالها قد يرددونها لكثرة تداولها من حولهم. وحين سُئلت عمّا تعنيه العبارة في أساسها وصفتها بأنها تحمل سخرية واستسلامًا في آن واحد فمن يقولها غالبًا يريد التعبير عن رأي حقيقي لكنه مقيّد بخشية البلاغ والملاحقة. وأضافت أن السودانيين، رغم أنهم ليسوا شعبًا معروفًا بالفكاهة أصلًا وجدوا في السخرية وسيلة لمواجهة إحباط سنوات الحرب والنزوح.
وختمت بأنها لو خُيّرت في استبدال العبارة بجملة واحدة، لاختارت أن تسأل محدّثها: “هل أنت متأكد من كلامك؟ عندك مصادر موثوقة؟”

مصطلح بلا سند
استهل المحامي مجاهد عثمان حديثه إلى “العودة” حول عبارة «عندك حق المحامي» بالتأكيد على أن المصطلح لا يستند إلى أي أساس قانوني، موضحًا أنه لا يمكن التعامل معه بوصفه مصطلحًا قانونيًا بالمعنى الدقيق، وإنما أصبح مفهومًا لغويًا متداولًا بين الشباب، ويُستخدم للتعبير عن حالة من التحفظ أو الحذر في الحديث.
وقال مجاهد إن العبارة رغم ارتباطها في الاستخدام الشعبي بفكرة الاستدعاء أو المساءلة، لا تحمل في حد ذاتها أي قيمة أو دلالة قانونية، وإنما اكتسبت معناها من السياق الاجتماعي الذي تُستخدم فيه، ومن حالة التخوف التي قد تنتاب الشخص عندما يتناول موضوعًا حساسًا أو قضية يمكن أن تترتب عليها مساءلة قانونية.
حرية أم إساءة؟
وانتقل مجاهد إلى الحديث عن واقع قضايا النشر وتجربته المهنية في هذا المجال، مشيرًا إلى وجود اتجاهين متزامنين يسيران في تقديره في خطين متعاكسين. ويتمثل الاتجاه الأول في ارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين بحقوقهم، وتزايد توجههم إلى فتح البلاغات عندما يرون أن حقوقهم تعرضت للانتهاك، إلى جانب وجود نيابات متخصصة تتابع هذا النوع من القضايا.
في المقابل، أشار إلى وجود جهل واسع في المجتمع بمفهومي الحرية والنشر وحدود النقاش معتبرًا أن جانبًا من الإشكال يرتبط بعدم التمييز بين ممارسة الحق في التعبير وبين ارتكاب أفعال يمكن أن تدخل في نطاق الإساءة أو التشهير.
وقال مجاهد: (التعاليق عبارة عن إساءات، والنقد أصبح برضو تشهير. معظم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن ناس بتوجه إساءات وهي متخفية خلف الكيبورد).
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أوجدت مساحة واسعة للتعبير، لكنها في الوقت ذاته جعلت بعض المستخدمين يتعاملون مع حرية الرأي باعتبارها مساحة مفتوحة بلا حدود قانونية، الأمر الذي يقود أحيانًا إلى تجاوز النقد الموضوعي إلى الإساءة المباشرة.
حدود النقد العام
وأشار إلى أن الإشكال لا يتوقف عند انتقاد الأداء العام للمسؤول أو الشخصية العامة، وإنما قد يتطور إلى تناول حياته الخاصة وأسرته، وهو ما اعتبره تجاوزًا للحدود التي تحميها القوانين.
وأوضح أنه حتى في القضايا التي تشكل موضوعًا للرأي العام، لا يكتفي بعض المستخدمين بانتقاد أداء المسؤول أو الشخصية العامة، بل يتجهون إلى التجريح والإساءة إلى أفراد أسرته. واستشهد بواقعة حدثت قبل فترة، تعرضت خلالها ابنة وزوجة أحد مسؤولي الدولة للإساءة، معتبرًا أن مثل هذا السلوك يمثل فعلًا مجرَّمًا قانونًا، ويمكن أن تترتب عليه مسؤولية بموجب قانون جرائم المعلوماتية والقانون الجنائي.
وشدد المحامي على أنه ليس من حق أي شخص أن يتناول الآخرين بطريقة تتجاوز الحدود القانونية، سواء اتخذ ذلك صورة الإساءة أو السب أو القذف أو التشهير، مؤكدًا أن الحق في التعبير لا يمنح صاحبه حصانة مفتوحة تجاه حقوق الآخرين.
حصانة مشروطة
وفيما يتعلق بالصحفيين ميّز المحامي مجاهد عثمان بين تناول المسؤول أو الشخصية العامة في إطار وظيفته العامة، وبين الانتقال إلى الأمور الشخصية التي لا ترتبط بالعمل العام.
وأوضح أن الصحفي متى كان نشره مقيدًا بالعمل العام للمسؤول ومتصلًا بأدائه الوظيفي، فلا يكون محل مساءلة لمجرد ممارسة حقه في النشر وإثارة القضايا التي تدخل في نطاق المصلحة العامة. لكنه أشار إلى أن الإشكال يبدأ عندما يتجاوز النشر هذا الإطار ويتحول إلى تناول أمور شخصية لا علاقة لها بالوظيفة العامة.
وأكد عثمان أن الصحفي يتمتع بالحماية القانونية ما دام ملتزمًا بحدود القانون، مشددًا على أن ممارسة العمل الصحفي لا تعني إباحة الاعتداء على حقوق الآخرين أو تجاوز الحماية القانونية المقررة لحياتهم الخاصة.
الحقوق لها حدود
ووضع مجاهد قاعدة عامة تحكم العلاقة بين حرية التعبير وحقوق الآخرين، مؤكدًا أن (الحريات تنتهي بالتعدي على حق الغير).
وأوضح أن حقوق الأفراد الشخصية تفرض حدودًا على ممارسة الحريات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحماية النفس والعِرض والأسرة، مبينًا أن الاعتداء على هذه الحقوق يظل مجرّمًا بموجب القوانين، سواء تم ذلك عبر القانون الجنائي أو قانون جرائم المعلوماتية.
وأشار إلى أن التمييز بين ممارسة الحرية والتعدي على الآخرين يتطلب وعيًا بطبيعة الكلام المنشور وآثاره القانونية، لا سيما في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة تداول المحتوى ووصوله إلى أعداد كبيرة من الأشخاص.
حق الدفاع
وانتقل عثمان إلى الشق المتعلق بحق الدفاع القانوني، مؤكدًا أن تمثيل المحامين للمتهمين أو الموقوفين حق مكفول ومعمول به في السودان، وفقًا للدستور وقانون الإجراءات الجنائية.
وأوضح أن لكل شخص يتم القبض عليه ويكون قيد التحري أو المحاكمة في أي بلاغ الحق في أن يتولى محامٍ الدفاع عنه، وله كذلك الحق في تعيين محامٍ يمثله أمام الجهات المختصة.
وبيّن أن قانون الإجراءات الجنائية والدستور السوداني جعلا حضور المحامي في بعض القضايا أمرًا لازمًا، خصوصًا في الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد أو القصاص.
وأوضح أن هذه القضايا تتمتع بحماية إجرائية خاصة، بحيث لا يجوز أن تمضي المحكمة في إجراءات المحاكمة من دون وجود محامي دفاع، مشيرًا إلى أن سير محكمة الجنايات في مثل هذه الحالات من دون محامٍ يمكن أن يجعل المحاكمة باطلة، ويجوز الطعن فيها بالبطلان.
وأكد عثمان أن هذا الحكم ليس مجرد نص قانوني نظري، وإنما هو أمر قائم في القانون وفي الممارسة العملية على حد سواء، بما يعكس أهمية حق المتهم في الحصول على الدفاع القانوني.
مراجعة قانونية
وخلص عثمان إلى ضرورة اعتماد المراجعة القانونية قبل النشر خصوصًا في المواد التي تتناول قضايا حساسة أو شخصيات عامة أو وقائع يمكن أن تترتب عليها مسؤولية قانونية.
وقال إن الصحفيين والمؤسسات الإعلامية اعتادوا وجود المصحح اللغوي لمراجعة الأخطاء اللغوية قبل نشر المادة، لكن الحاجة قائمة أيضًا إلى وجود مراجع قانوني يراجع المحتوى من زاوية قانونية، حتى لا تكون هناك كلمة كُتبت عن قصد أو عن غير قصد وتتحول لاحقًا إلى سبب للمساءلة.
وشدد على أن مراجعة ما يُكتب قبل النشر تمثل خطوة أساسية لتقليل احتمالات الوقوع تحت طائلة القانون الجنائي أو قانون جرائم المعلوماتية، مؤكدًا أن المسؤولية لا تبدأ بعد نشر المادة فقط، وإنما ينبغي أن تبدأ من لحظة صياغتها ومراجعتها والتأكد من سلامة مضمونها قانونيًا.

لغة تحت التهديد!
بدأت د. إسراء حسن كلمون اختصاصية علم النفس والكوارث والنزاعات حديثها لصحيفة العودة عن تأثيرات الحرب والنزاعات على الأفراد والمجتمعات موضحة أن آثار التهديد لا تقتصر على الخطر المباشر وإنما تمتد إلى المشاعر والسلوك واللغة والعلاقات الاجتماعية. وترى أن انتشار عبارات من قبيل (عندك حق المحامي) يمكن فهمه في إطار الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الخوف وعدم اليقين والشعور بالمراقبة.
السخرية كنجاة
وأوضحت كلمون أن ارتفاع مستويات الخوف وعدم اليقين مع ارتفاع كلفة المواجهة المباشرة قد يدفع الأفراد إلى استخدام الفكاهة والسخرية كاستراتيجية للتكيف النفسي والاجتماعي. فالسخرية قد تساعد على تخفيف التوتر واستعادة قدر من الإحساس بالسيطرة والتعبير بصورة غير مباشرة عن مواقف يصعب إعلانها صراحة، إلى جانب تعزيز الشعور بالتضامن بين الأفراد.
لكنها أشارت إلى أن السخرية قد تؤدي وظيفة أخرى إذا أصبحت الوسيلة الوحيدة للتعبير، بحيث يستخدمها الفرد لإخفاء الخوف أو الغضب أو الألم بدل مواجهتها أو الحديث عنها في المساحات الآمنة.
وترى الاختصاصية النفسية أن عبارة (عندك حق المحامي) قد تحمل وظيفة تخويفية عندما يشعر الشخص بأن التعبير عن رأيه يمكن أن يعرّضه للمساءلة أو العقوبة. وأضافت أن معنى العبارة لا يتحدد بالكلمات وحدها وإنما بالسياق الذي تقال فيه، وعلاقة القوة بين أطراف الحديث، ونبرة المتحدث، إضافة إلى الخبرات السابقة ومستوى التهديد الذي يشعر به الفرد.
وبذلك قد تتحول العبارة من مجرد مزحة متداولة إلى رسالة غير مباشرة مفادها أن الحديث له حدود وأن هناك أشياء يفضّل عدم قولها حتى عندما لا يكون التهديد معلنًا.
دفاع أم كبت؟
وأكدت د. إسراء أنه لا يمكن تصنيف العبارة في حد ذاتها باعتبارها آلية دفاع صحية أو غير صحية فالأمر يعتمد على طريقة استخدامها وتأثيرها في الشخص. فإذا كانت السخرية تساعد على تخفيف التوتر مع بقاء القدرة على التفكير والتعبير وطلب الدعم، فإنها يمكن أن تكون جزءًا من الفكاهة التكيفية.
أما إذا أصبحت وسيلة مستمرة لإخفاء الخوف والغضب، ومنعت الفرد من التعبير حتى داخل المساحات التي يشعر فيها بالأمان فقد تتحول إلى نوع من التجنب أو الكبت الانفعالي.
والفارق بحسب تفسيرها، أن الفكاهة التكيفية تخفف وطأة الواقع مع الحفاظ على القدرة على مواجهته، بينما يصبح التجنب وسيلة لتخفيف الضغط عبر الابتعاد عن مواجهة الواقع نفسه.
يقظة بلا توقف
وتحذر كلمون من أثر الترقب المستمر للمساءلة، خصوصًا على الإعلاميين، معتبرة أنه قد يتحول إلى ضغط نفسي مزمن ويقظة مفرطة. فقد يبدأ الفرد في مراقبة ما يقول أو يكتب تحسبًا لعواقب محتملة، حتى من دون أن يكون قد تعرض بصورة مباشرة للاعتقال أو التهديد.
وفي البيئة الإعلامية قد ينتقل السؤال من (ما الذي ينبغي أن أقوله مهنيًا؟) إلى (ما الذي قد يحدث لي إذا قلته؟) وهو ما يمكن أن يزيد القلق والإرهاق والرقابة الذاتية، ويدفع إلى تجنب بعض الموضوعات الحساسة.
وأوضحت أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى تجربة مباشرة حتى يؤثر في الفرد إذ يمكن أن ينتقل بصورة غير مباشرة عبر تجارب الزملاء والأصدقاء والأسرة والمجتمع. وقد يشعر الشخص بالتهديد نتيجة ما يسمعه أو يشاهده من تجارب الآخرين، حتى إذا لم يتعرض هو شخصيًا للموقف ذاته.
وترى أن الأدق علميًا هو الحديث عن أثر نفسي جماعي أو استجابة خوف ناتجة عن التعرض غير المباشر للتهديد، بدل إطلاق توصيفات مثل (الصدمة الجمعية بالوكالة) بصورة تلقائية لأن الصدمة مفهوم أكثر تحديدًا ولا يمكن استنتاجها من مجرد انتشار الخوف أو العبارات الساخرة.
مستقبل الصمت
وترى كلمون أن انتشار لغة الخوف والرقابة لا يمثل في حد ذاته دليلًا على صدمة نفسية جماعية، لكنه قد يكون مؤشرًا يستحق الملاحظة، خصوصًا إذا استمر مع مرور الوقت.
وتطرح في هذا السياق احتمالين متباينين أن تظل السخرية وسيلة للتعبير والتضامن وتخفيف الضغط بما يساعد على التكيف والتعافي أو أن يتحول الخوف والرقابة الذاتية والصمت إلى أنماط مستقرة تؤثر في العلاقات والعمل والنقاش العام.
وتؤكد أن الخطر الأكبر يبدأ عندما تنتقل الرقابة من المجال العام إلى المساحات الخاصة، فيصبح الإنسان مراقبًا لكلماته حتى مع من يثق بهم، ويتحول الصمت من قرار واعٍ لحماية النفس إلى استجابة تلقائية.
ولهذا، تنصح بعدم إدانة السخرية باعتبارها ظاهرة سلبية في حد ذاتها، وإنما الانتباه إلى اللحظة التي تتحول فيها المزحة إلى قناع يخفي الخوف أو الغضب. وتؤكد أهمية وجود مساحات آمنة للتعبير، وتنويع وسائل التكيف، والاستعانة بالدعم الاجتماعي أو النفسي المتخصص عندما يصبح الخوف أو التوتر أو الانسحاب مؤثرًا بصورة مستمرة.
فالهدف في تقديرها ليس إلغاء السخرية وإنما الحفاظ عليها كوسيلة تساعد الإنسان على تحمل الواقع دون أن تمنعه من مواجهته.
(أكثر من نكتة)
في النهاية قد تبدو عبارة (عندك حق المحامي) مجرد جملة ساخرة تتناقلها الألسن، لكنها حين تُقرأ في ظل هذا الواقع تكشف عن وجه الخوف الذي يتسلل إلى الكلمات وحذر يجعل الإنسان يفكر كثيراً قبل أن يقول ما يريد ويتعلم الصمت قبل أن يُطلب منه.
ويبقى السؤال الأهم هل نضحك من الخوف أم أن الخوف بدأ يعلمنا طيف نصمت؟
وإذا وصلت إلى هنا و ما زلت مُصراً على إكمال القراءة.. هل عندك حق المحامي؟





