توفر البنزين والجازولين.. و(بنكك) يمقلب المواطنين

غياب الصفوف.. وازمة التطبيق 

 

الخرطوم – هيام المغربي

تنفّس المواطنون في الخرطوم الصعداء بعد انحسار مشاهد الاصطفاف الطويل أمام محطات الوقود، واختفاء ظاهرة المبيت لساعات وربما ليوم كامل في انتظار الحصول على البنزين أو الجازولين، فيما تراجعت كذلك عمليات شراء الوقود من السوق السوداء التي أثقلت كاهل أصحاب المركبات والشاحنات خلال فترات شح الإمدادات.

 

وخلال جولة ميدانية أجرتها «العودة» بعدد من محطات الوقود، رصدت الصحيفة انسياباً واضحاً في الإمدادات واختفاءً للصفوف، وسط تأكيدات من عاملين وسائقين بأن البنزين والجازولين متوفران بصورة أفضل، بينما برزت مشكلة أخرى مرتبطة بتعطل التطبيقات المصرفية، وعلى رأسها تطبيق «بنكك»، باعتبارها عائقاً أمام عمليات الشراء والحركة اليومية.

 

وقود متوفر.. و«بنكك» معطل

 

وقال سائق الركشة السماني الطيب إن الوقود متوفر والبنزين ينساب بصورة طبيعية في محطات الخدمة، لكنه أشار إلى أن تعطل تطبيق «بنكك» يمثل مشكلة حقيقية للسائقين، موضحاً أن التطبيق «بكون واقف طول اليوم»، وهو ما يؤدي إلى تعطيل العمل وصعوبة شراء الوقود.

وفي محطة النيل بحي النصر مربع (2)، قال نائب مدير المحطة محمد علي إن الأوضاع مستقرة والوقود، بنزيناً وجازولين، متوفر، مشيراً إلى أن المواطنين يحصلون على احتياجاتهم بصورة طبيعية.

 

وأوضح أن الإشكالية الحالية تتمثل في تطبيق «بنكك»، لافتاً إلى أن المبيعات كانت ضعيفة خلال الفترة الماضية، لكنها شهدت ارتفاعاً مؤخراً مع زيادة الكثافة السكانية والاستهلاك، خصوصاً البنزين والجازولين.

 

وأضاف أن المحطة تضطر إلى توفير كميات أكبر في كل مرة، بسبب ارتفاع معدلات الاستهلاك، مؤكداً استقرار السوق مقارنة بالفترات السابقة.

اختفاء الصفوف

 

ومن أمام إحدى محطات الوقود، قال حاج الماحي إن الوقود «متوفر تماماً»، مؤكداً اختفاء الصفوف بصورة كاملة، لكنه أشار إلى أن نقص السيولة وتعطل تطبيق «بنكك» يمكن أن يعيدا الأزمة إلى المشهد من جديد.

 

وقال إن تعطل التطبيق يؤدي إلى توقف حركة البيع والشراء، مضيفاً أن «الصفوف برجعها تطبيق بنكك» عندما يتوقف عن العمل.

 

وبدوره، قال سائق الركشة الصادق عبدالله إن الوقود متوفر، لكنه اضطر إلى التوقف لفترة طويلة بسبب تعطل «بنكك»، ما منعه من شراء احتياجاته من الوقود.

 

محطات شرق النيل بلا زحام

 

وقال مدير محطة النيل القادسية بشرق النيل، علي فتح الرحمن، إن البنزين والجازولين متوفران، ولا توجد صفوف أمام المحطات، مؤكداً أن الأزمات تظهر بصورة أساسية عند نقص المنتج.

 

وأوضح أن المخزون الحالي «كويس جداً»، وأن جميع محطات الوقود الممتدة على شريط شرق النيل بشارع القذافي تتوفر فيها الإمدادات.

 

وأضاف أن الجولة عند الساعة الثانية عشرة ظهراً أظهرت عدم وجود زحام بالمحطة، مشيراً إلى أن المشكلة التي قد تتسبب في عودة الصفوف حالياً تتمثل في تعطل التطبيقات المصرفية عند حدوث مشكلات في الشبكة.

 

«كنا بنبيت في الطلمبة»

 

وبالنسبة لأصحاب الشاحنات، تبدو عودة انسياب الجازولين أكثر أهمية، باعتبارها مرتبطة مباشرة بتكاليف نقل السلع والأسعار في الأسواق.

 

وقال صاحب شاحنة، مبارك عباس، إن توفر الجازولين يمثل انفراجاً كبيراً، مستعيداً فترات كان يضطر خلالها إلى المبيت يوماً كاملاً أمام محطة الوقود حتى يتمكن من تعبئة شاحنته.

 

وأضاف أن شح الوقود كان يدفعهم في بعض الأحيان إلى شرائه من السوق السوداء، قبل أن تنعكس التكلفة الإضافية على أسعار الخضروات والسلع التي تنقل إلى الخرطوم.

 

وقال: «الحمدلله اليوم الجازولين متوفر»، معرباً عن أمله في استمرار الإمدادات حتى يتمكن الناقلون من إيصال الخضروات إلى الخرطوم بصورة يومية.

 

نقص في بعض المحطات

 

ورغم التحسن الملحوظ في الإمدادات، لم يكن المشهد موحداً في جميع المحطات.

 

وقال عامل بإحدى محطات الوقود في السوق المركزي بالخرطوم، محسن محمد، إن البنزين متوفر، بينما يعاني الجازولين من نقص في المحطة.

 

وأشار إلى أن سعر البنزين يتراوح بين 28 و30 جنيهاً، فيما وصل سعر جالون الجازولين إلى نحو 39 جنيهاً، وفق إفادته.

«انكماش الطلب» يفسر غياب الصفوف

 

لكن الخبير الاقتصادي د. كمال كرار يرى أن اختفاء الصفوف لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الوقود، مشيراً إلى أن إمدادات البترول تعرضت منذ بداية الحرب لانتكاسة كبيرة نتيجة تدمير مصفاة الجيلي وبعض محطات الضخ، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد.

 

وأوضح كرار أن شح النقد الأجنبي واضطرار المستوردين إلى شراء العملات الأجنبية من السوق السوداء، إلى جانب انهيار قيمة الجنيه، أسهمت جميعها في خلق حالة من عدم الاستقرار في الإمدادات البترولية، وهو ما يفسر ظهور الأزمات من حين إلى آخر.

 

وأشار إلى أن الارتفاع المضطرد في أسعار الوقود أدى إلى ما يعرف اقتصادياً بـ«انكماش الطلب»، حيث يتراجع إقبال المستهلكين على شراء السلعة عندما تتجاوز أسعارها قدرتهم المالية.

 

وقال إن هذا العامل حاضر بقوة في المشهد الحالي، في ظل وصول التضخم إلى مستويات مرتفعة بسبب زيادة تكاليف الإنتاج، مبيناً أن الوقود يمثل أحد الأسباب الأساسية في ارتفاع هذه التكاليف.

 

صفوف قد تعود

 

ويرى كرار أن ضعف الطلب الحالي على البنزين والوقود يرتبط كذلك بتراجع الحركة الاقتصادية، فضلاً عن أن الوضع السياسي والأمني في الخرطوم لم يسمح لمعظم السكان بالعودة، ما جعل حركة النقل والاستهلاك أقل مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

 

ووصف الوضع الاقتصادي بأنه أقرب إلى «الركود التضخمي» في حال استمرار ارتفاع الأسعار بالتزامن مع ضعف الحركة الاقتصادية، وهي حالة يجتمع فيها غلاء الأسعار مع انخفاض البيع والطلب.

 

وبحسب كرار، فإن غياب الصفوف أمام محطات الوقود قد يكون انعكاساً لهذا التراجع في الطلب، وليس مؤشراً نهائياً على انتهاء أزمة الإمدادات.

 

وحذّر من أن الصفوف يمكن أن تعود سريعاً عند حدوث أي توقف أو نقص جديد في الإمدادات البترولية، إذ يرتفع الطلب حينها بصورة مفاجئة، إلى جانب نشاط الوسطاء وتجار الأزمات.

 

وبينما تبدو الطلمبات اليوم أكثر هدوءاً، يأمل المواطنون أن يتحول هذا الهدوء إلى استقرار دائم، لا إلى هدنة مؤقتة تسبق عودة الصفوف والسوق السوداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى