د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب : الحوار وإن طال السفر [2]

*دولة القانون*
ظل السؤال السياسي في السودان، منذ الاستقلال، يدور في كثير من الأحيان حول سؤال واحد: من يحكم؟ ومن هنا بدأت المنافسة على السلطة، ثم تحول الخلاف حول الحكم إلى خلاف حول الأشخاص، والأحزاب، والمؤسسات المسلحة، والجهات التي ترى نفسها أحق بإدارة الدولة. لكن الأزمة السودانية لن تجد طريقها إلى الحل ما لم نغيّر السؤال نفسه. فبدلاً من السؤال: من يحكم السودان؟ ينبغي أن نسأل: كيف يُحكم السودان؟ وكيف تُبنى دولته؟
الفرق بين السؤالين ليس لغوياً. السؤال الأول يقود إلى البحث عن الغالب، وإلى المحاصصة، وإلى الصراع حول المواقع. أما السؤال الثاني فيقود إلى البحث عن القواعد والمؤسسات والضمانات التي تجعل السلطة خاضعة للقانون، أياً كان من يتولاها.
الدولة المستقرة لا تقوم على شخص صالح، ولا على حزب قوي، ولا على جماعة منظمة، وإنما على نظام يمنع حتى الأقوياء من تجاوز القانون. ولذلك فإن نجاح السودان لا ينبغي أن يكون مرهوناً بوصول هذا الحزب أو ذاك، أو ببقاء هذا القائد أو رحيله. لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً للصراع حول السلطة، بينما ظلت أسئلة بناء الدولة مؤجلة. كيف نمنع الانقلابات؟ كيف نحمي الدستور؟ كيف نضمن استقلال القضاء؟ كيف تصبح القوات النظامية مؤسسات للدولة لا أطرافاً في التنافس السياسي؟ وكيف نضمن التداول السلمي للسلطة؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب الحوار السوداني ـ السوداني.
الحوار الحقيقي ليس مناسبة لاختيار الحكام، وإنما محاولة للاتفاق على القواعد التي تحكم الحاكم والمحكوم معاً. وعندما نصل إلى ذلك، يصبح انتقال السلطة أمراً طبيعياً لا أزمة وطنية، ويصبح تغيير الحكومات جزءاً من حياة الدولة، لا بداية لانهيارها.



