الكلمة التي وضعت الاتهام في قفص الاتهام

هوامش السيادة

بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد

في مجلس الأمن، حيث تتسع القاعة لكل شيء، من الحقائق إلى الروايات، جاءت كلمة الوزير المفوض عمار محمد محمود لتضع الاتهام الأمريكي في مكانه الصحيح: أمام الدليل.

قالها الرجل بوضوح لا يحتاج إلى قاموس دبلوماسي: «نود الإشارة إلى أن حكومة الولايات المتحدة فشلت في أن تقدم أي دليل على هذا الادعاء، لا إلى سفارتنا في واشنطن ولا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، والتي يتمتع كل من السودان والولايات المتحدة بعضوية مكتبها التنفيذي».

ثم مضى إلى ما هو أبعد من النفي، مستحضراً سجل الادعاءات الأمريكية، فقال إن الولايات المتحدة قامت عام 1998 بتدمير مصنع الشفاء للأدوية في السودان بحجة إنتاجه للسلاح الكيميائي، ثم ثبت خطأ ذلك الادعاء ودُفع تعويض لمالك المصنع. وأعاد إلى ذاكرة المجلس قصة أسلحة الدمار الشامل التي قيل إن دولة تمتلكها، ثم استُخدمت تلك المزاعم ذريعة لغزوها قبل أن يتضح بطلانها.

هنا تصبح المسألة أكبر من اتهام عابر.

 

فالسؤال بسيط جداً: أين الدليل؟

 

لا يحتاج السودان إلى خطبة طويلة كي يرد على اتهام بلا سند. يكفي أن يضع صاحبه أمام ميزان الحقيقة: قدم دليلك، ثم تحدث عن العقوبات.

 

وهذه بالضبط قيمة حديث عمار محمود. كلمات قليلة، لكنها حملت المعنى كاملاً؛ لا صراخ، لا استعراض، ولا محاولة لتغطية ضعف الحجة بكثرة الكلام.

 

المفارقة أن بعض الذين يصفقون لأي عبارة تخرج من عاصمة أجنبية، يتعاملون مع الاتهام وكأنه حكم قضائي باتّ. يكفي أن تكتب واشنطن جملة، حتى تبدأ أبواقها المحلية في توزيعها على الناس، وكأن الحقيقة وصلت بالبريد الدبلوماسي ومعها ختم الاعتماد.

 

وهنا تظهر بقايا المشروع السياسي الذي فقد بوصلته؛ جماعة اعتادت أن ترى السودان من نافذة الخارج، وتبحث عن شرعية الموقف في بيانات الآخرين، حتى صار بعض خطابها أقرب إلى صدى السفارات منه إلى صوت السياسة السودانية.

 

أما مجلس الأمن، فالمطلوب منه شيء واحد: أن يتعامل مع الادعاءات بالمسؤولية والموضوعية، وأن يستند إلى الحقائق والمعلومات الموثوقة، لا إلى مزاعم تفتقر إلى السند والدليل. وهذا تحديداً ما طالب به السودان في كلمته.

 

والسخرية هنا أن الذين يريدون للسودان أن يتخلى عن أدوات دفاعه، لا يجدون حرجاً في تجاهل السؤال الأهم: من يسلّح من؟ ومن يملك الطائرات المسيّرة؟ ومن يفتح طرق الإمداد؟ ومن يمول الحرب؟

 

أسئلة كثيرة، لكن بعض الساسة لا يحبون الأسئلة التي لا تأتي على مقاس الرواية الجاهزة.

 

لقد كانت كلمة عمار محمود قصيرة، لكنها وضعت الحكاية كلها على الطاولة: اتهام بلا دليل لا يصبح حقيقة لأنه صدر من واشنطن، ومجلس الأمن ليس مكتب تصديق على الروايات السياسية.

 

وفي السياسة، كما في الحساب، لا تكفي الفاتورة وحدها؛ لا بد من إيصال.

 

هوامش السيادة.. والسودان هذه المرة لم يرفع صوته، فقط طلب الإيصال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى