علم الدين عمر يكتب : خطاب مفضل الأفضل.. ولكن أحذروا المعارك الجانبية الأخطر

حاجب الدهشة..
تلقيتُ.. عطفاً علي مقال الأمس حول رؤيتي للحوار السوداني.. وتقاطعات الحراك المجتمعي مع ديوان الدولة سيل من المكالمات والرسائل.. جُلها مضى في إتجاه ضرورة إعلاء هذا الصوت وإعانة الدولة وأجهزتها به.. وبعضها أنصرف لتقريظ فكرة الاشادة بتجرية المستشار مصلح نصار ودعمها كذلك.. ودس بعضهم سؤالاً ترواحت حدته بين البراءة والخبث حول عدم دعوتي لحضور ملتقي الإعلام الذي دقت (دلوكته) فأسمعت واستدعت القاصي والداني.. فأجبت.. بالصمت الذي أكسره قليلاً في نهاية هذه المادة.. فمشاركة عدد من الزملاء والأساتذة الذين نحترم تقديراتهم يجعلنا في كامل الرضا.. ونشارك معهم من على البعد بتحليل خطاب الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات العامة الذي لا يحتاج في تقديري لكثير من الشرح.. لأنه جاء في الوقت المناسب.. من الموقع المناسب.. وبالقدر المناسب من الوضوح..
لم يكن خطاباً تعبوياً يستدعي الحماس.. ولا خطاباً دبلوماسياً يترك المعاني معلقة بين السطور.. كما هي العادة في مثل هذه (اللمائم).. كان خطاباً سياسياً من الدرجة الأولى.. قرأ الراهن السوداني كما هو.. خاطب الإعلام كأحد مكونات معركة الوعي واستعادة الدولة..
اختصر مفضل طبيعة الحرب في عبارة شديدة الدلالة.. حرب اللا دولة مع الدولة.. وهنا تكمن المسألة كلها.. لأنها باختصار الرواية والتعريف الذي ألتف حوله السودانيون..
فالسودان لا يخوض فقط معركة عسكرية لإنهاء تمرد مسلح.. السودان يخوض معركة أكبر تتصل ببقاء الدولة.. ومؤسساتها.. وقانونها.. ووحدة مجتمعها.. ولعل مفضل كان أكثر صراحة حين أشار إلى أن هذه أسوأ حرب عرفها السودان.. وأن مراراتها ومآسيها دخلت كل بيت تقريباً..
لكن الأهم أنه لم يتحدث من موقعه كمدير لجهاز المخابرات فقط.. الرجل تحدث من منصة الدولة التي تريد أن تخرج من الحرب وهي دولة..
لذلك كانت إشارته إلى القانون بالغة الأهمية.. قال إن الظرف كان يتيح للجهاز الكثير من الإجراءات.. لكنهم اختاروا أن يكونوا “ديمقراطيين مع الأحداث”.. وأن يحتكموا إلى القانون حتى مع من خرجوا على خط الدولة.. ونشهد أن الجهاز قد فعل ذلك تأكيداً لمبدأ أن الجميع سواء أمام القانون..
هذه ليست محاولة إلتفاف علي الحقائق من مدير جهاز المخابرات..
هي رسالة للداخل قبل الخارج.. فقوة الدولة لا تعني غياب القانون.. والأمن لا يكتمل إلا بالمؤسسية وتنسيق الجهود.. والمؤسسة لا تستقيم إلا بالقانون..
ومن هنا أيضاً جاءت إشارته للحوار السوداني– السوداني.. ولضرورة معالجة القضايا التي ظل السودانيون متفقين على جوهرها منذ الإستقلال.. رغم اختلافهم في الوسائل.. وهو موقف يعضد الحاجة إلى توسيع المساحة الوطنية للحوار.. مع التزام الدولة بمخرجاته..
وكان لافتاً كذلك أن الأمن في حديث مفضل لم يُختزل في البندقية.. فقد تحدث عن الصراع الذي ضرب المجتمع.. وعن استشعار الجهاز لخطورته.. وهو ما انعكس في رفع إدارة أمن المجتمع إلى هيئة.. وهذه رؤية تتجاوز الحرب إلى ما بعدها.. لأن أخطر ما يمكن أن تخلفه الحرب مجتمعاً ممزقاً يحمل جراحه إلى المستقبل..
حتى الإقتصاد حضر في الحديث بواقعية واضحة.. فالخراب كبير.. والتعافي يحتاج إلى وقت.. لكن مفضل استدعى حقيقة مهمة متعلقة بعلم البدائل.. وهي عبارة تختصر قدراً من التفاؤل المسؤول.. فالسودان يملك ما يمكن أن يبدأ به.. إذا استقرت الدولة وأحسنت إدارة موارده..
اكثر ما استرعي إنتباهي في خطاب مفضل الحديث المتقدم.. المسؤول الموجه للخارج.. حيث أكد رؤية الدولة لأن السودان لا يمكن أن يرحل عن جغرافيته.. ولا يمكنه اختيار جيرانه.. لذلك فإن التواصل والحوار مع دول الجوار.. حتى المختلف معها.. يصبح ضرورة تحكمها مصالح الشعوب والدول..
عوداً علي بدء يبقى تحفظ واحد ينبغي قوله بوضوح.. ليس انتقاصاً من الملتقى بل حرصاً على نجاح فكرته..
الفعالية كادت.. بسبب طريقة إدارة الدعوات.. أن تفتح جرحاً جديداً في الوسط الإعلامي.. تجاوز أسماء إعلامية كبيرة ذات مواقف وطنية واضحة ومشرفة خلال الحرب.. مقابل دعوة بعض الناشطين الذين لا صلة مهنية واضحة لهم بالإعلام.. يثير سؤالاً مشروعاً حول معايير الإختيار..
المرحلة لا تحتمل ذلك.. والإعلام ظل هو الفصيل المتقدم الأكثر تأثيراً وتأثراً بالأحداث..
إذا كانت الدولة تريد أن تعلي قيمة القانون والمؤسسة.. فعليها أن تحرص في فعالياتها أيضاً على المعيار المهني.. بدل العلاقات الخاصة.. هذه ملاحظة لا تنتقص من جهاز المخابرات.. ولا دوره.. على العكس.. تعضد فكرة دعمه للملفات الهامة وعلي رأسها الإعلام لأن قوة الرسالة التي قدمها مفضل تستحق تنظيماً يوازيها..
لقد تحدث الرجل من موقع مؤسسة تدرك أن الحرب تدخل طوراً جديداً.. من معركة البقاء إلى معركة تثبيت.. لا مكان فيها لأي معارك جانبية.. مقصودة أو غير مقصودة.. السودان لا يحتاج فقط إلى أن ينتصر في الحرب.. السودان يحتاج إلى أن ينتصر بعدها في معركة بناء الدولة..
وعلي الجميع أن يتساموا فوق قضاياهم الشخصية الصغيرة التي يمكنها بكل بساطة أن تمنح العدو مساحة مناورة لا يحلم بها..
هذا ونعود تفصيلاً.



