حماية المستهلك في السودان .. حرب بلا رصاص

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

ويُطلق التوصيف “المختل” في أيام الحرب هذه على الجغرافيا التي شهدت المعارك العسكرية والمواجهات فيها بالمناطق “الآمنة” لمجرد سكوت صوت الرصاص والمدافع فيها، وكأنما الرصاص هو المهدد الوحيد لحياة المواطن السوداني الذي تحيط به المهددات إحاطة السوار بالمعصم على الرغم من التوصيف أعلاه.

فعندما يبحث “محمد أحمد” عن الحد الأدنى من الخدمات التي تحكمها علاقات تعاقدية بينه وبين الحكومة كمخدم في عدد من الخدمات الضرورية كالكهرباء والمياه والتعليم والصحة، أو حتى القطاع الخاص، فإن صوت الرصاص لا يتوقف أبدًا عن ضرب “طبلة” أذنه بعقود الإذعان مرة، وباستهبال الحرب مرات.

أما “العازة” التي تثقل كتفها “حلة الملاح” تعتبر أن السوق بشكله الحالي والانفلات غير المسبوق في الأسعار ما هو إلا عن “مقدمة قتالية” تذهب إليها دون أي خطوط “تشوين” وإمداد، وبسلاح لا يعرف التذخير، أمام أعداء اسمهم “جنجويد” السوق، يمارسون السقف الأعلى من الانتهاكات لحقوق المستهلك السوداني، ويستخدمون الأسلحة المحرمة أخلاقيًا ضده، بل يعتبر ما يحدث الآن استغلالًا لحالة السيولة في الدولة في السوق بخصوص السلع والخدمات هو الإثبات الحقيقي لاستخدام السلاح “الكيميائي” ضد المدنيين بإطلاق غاز كلور “الأسعار” ومركبات “الاحتكار”.

“الوسطاء” وسرطان السوق الموازي يطلقون الرصاص على “المرتب” بشكل عشوائي، ويقتلون الاقتصاد السوداني بممارسة الأنشطة التجارية خارج الإطار المحكوم بسياسات الدولة وقوانينها.

حرب “كرامة” المواطن السوداني يخوضها “محمد أحمد” ضد تنصل المسؤولين من أعباء صونها من الانتهاك بحجة الانشغال بالحرب، وضد “مليشيا” ترفع الأسعار على رأس كل ساعة، وتتلاعب بالأوزان كيفما تشاء، وتملأ “أرفف” الجشع ببضائع وسلع “مغشوشة” ومجهولة المصدر، وفي الغالب مخالفة لكل معايير الجودة في الاستخدام الآدمي.

(*) حماية المستهلك ليست ترفًا ..

وبينما ترفع الدولة لافتة “العودة الطوعية” للمواطنين من مدن النزوح ودول اللجوء، فإنها تعتقد بأن توقف صوت الرصاص وحده الذي يصنع الإغراء للمواطن بالعودة واستعادة حياته الطبيعية في ظل ظروف غير طبيعية، بل وغير آمنة، يصنعها سوق السلع والخدمات ولا تشكل تهديدًا فقط لحجم عودة المواطنين، بل يمكننا القول بأنها تشكل تهديدًا لحياة المواطن شأنها شأن الرصاص والمدافع.

المفارقة الغريبة في موضوع حماية المستهلك هذا هو أنه وعلى الرغم من وجود قانون حماية المستهلك السوداني، إلا أن قانون “الوجوه الغريبة” هو الحاكم في سوق السلع والخدمات، وأن “حق المواطن” في سلع وخدمات في متناول اليد والراتب هو “الوجه الغريب” الذي يطلق عليه رصاص فساد السوق بالتلاعب في جودة الخدمات الحكومية وأسعار السلع.

تتمرد “مليشيا” السوق بكتائب الاحتكار وعقود الإذعان و”سماسرة” قوت المواطن رغم أنف قانون حماية المستهلك ٢٠١٩م ومنظومة مؤسسات “المواصفات والمقاييس” بجيش جرار من الموظفين الحكوميين عجزوا عن أداء دور في وقت من الأوقات كان يقوم به شخص واحد في جمعية حماية المستهلك، هو الدكتور الصيدلي / ياسر ميرغني، بينما كانت مؤسسات الدولة تتعامل مع موضوع حماية المستهلك كنوع من الترف.

لا يخطر على بال “محمد أحمد” على الإطلاق أن جزءًا أصيلًا من الحقوق التي يكفلها القانون المجاز يتعلق بالسلامة والمعلومات والاستبدال والإصلاح ورد قيمة السلعة في حالات العيب وفق الضوابط القانونية، وأن من واجب الدولة أن تقدم الخدمات التي تحتكرها بمستوى عالٍ من الجودة، وأن يكون الالتزام التعاقدي بينها وبين المواطن قائمًا على العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، وليس بشروط “الإذعان” المجحفة والمعتمدة على “العضل السلطوي” الذي يفرض الضرائب والإتاوات تأسيسًا على نصوص قانون “المزاج” والتي لا تخاف الله في المستهلك.

القراءة في مشهد سوق السلع والخدمات “الفوضوي” لا شك في أنها ستقودنا بوضوح إلى حقيقة أن المواطن السوداني لا يعاني فقط من غياب الحماية، بل يعاني من الفجوة الهائلة بين النص القانوني وبين ما صار من ثوابت الجشع في السوق.

قانون حماية المستهلك على الورق يمنح “محمد أحمد” السوداني حقوقًا تكف عنه يد غول السوق والأسعار، ولكنه في حقيقة الأمر في السوق أعزل ومجرد من سلاح الوعي بالحقوق، ومن المؤكد أنه لا يجد السبيل إلى إيصال شكواه، وفي الغالب تكون شكواه ضد الحكومة، وهي القاضي والجلاد، وقد لا يملك الوقت أو المال أو القدرة القانونية لملاحقة المخالفين لنصوص القانون.

في حالتي السلم والحرب ظل “محمد أحمد” ولم تكن حقوقه محمية وفقًا للعلاقات الطبيعية المفترض أن تكون حاكمة لسوق السلع والخدمات وفق صلة منطقية تربط بين المنتج والمورد والتاجر وتنتهي بالمستهلك، لتدخل فيها طبقات الوسيط والناقل والمحتكر والمضارب والسوق الأسود، وأي طبقة من هذه الطبقات تضيف تكاليفها على كتفه الذي ناء بالأعباء.

في ظل تنصل الدولة وأجهزتها من مسؤولية حماية المستهلك، أصبحت الحرب هي شماعة تعلق عليها كل الممارسات الاستغلالية ضد المستهلك، فدولة عقود الإذعان تتحصل الرسوم على خدمات لا يراها المواطن، والتقدير الجزافي لرسوم العبور والرسوم الحكومية لا أحد يجرؤ على الاعتراض عليها، و”بغلة” محمد أحمد السوداني تتعثر كل يوم في طريقها للسوق أو في طريق الحصول على الخدمات الحكومية الضرورية، ولا نسمع بأن هنالك مسؤولًا علقته الدولة وقوانين حماية المستهلك من “عرقوب” مسؤولياته عن حماية المستهلك.

المسؤولون الكسولون والمتحججون بالحرب لإخلاء مسؤولياتهم عليهم أن يعلموا بأن الحرب تفسر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والاستيراد والتأمين والمخاطر، ولكنها بالضرورة لا تبرر الغش أو التلاعب بالأوزان أو بيع السلع الفاسدة أو إخفاء المعلومات أو الاحتكار، وهذا هو عين ما يحدث في السوق الآن.

القرارات التي أعلنت عنها حكومة ولاية الجزيرة عقابيل جولة ميدانية، قالت الأخبار بأن والي الولاية قد قام بها، وجاء فيها قرار إعفاء غاز المخابز لمدة شهر، ومنع الرسوم المحلية على شحنات الدقيق، وتثبيت سعر الرغيف عند 3 أرغفة مقابل ألف جنيه، وإعلان توفير مخزون من الدقيق للمواطنين عبر ضخ 2000 جوال يوميًا من الشركات، ومطالبة المنتجين والموزعين بخفض هامش الأرباح، تدفعنا للسؤال عن لماذا يحتاج المواطن السوداني إلى جولة ميدانية لوالي الولاية حتى يحصل على حقوقه المشروعة في سلعة أساسية كالدقيق؟

ما حدث من حكومة ولاية الجزيرة يؤكد بأن موضوع حماية المستهلك السوداني “محمد أحمد” ليس من ضمن السياسات المؤسسية التي تعمل بشكل مستدام، بل هي إجراء موسمي يقوم به المسؤولون حال ارتفع صوتهم بالشكاوى، وتزول بزوال المؤثر.

لا تستطيع حكومة ولاية الجزيرة الإجابة على سؤال: إذا كان من الممكن تخفيض تكلفة الخبز عبر إعفاءات ورسوم وتوفير الدقيق بمثلما جاء في القرارات الأخيرة، فلماذا لا توجد آلية دائمة لحساب التكلفة الحقيقية لسلعة أساسية كالخبز؟

يتوهم صاحب القرار بأن الإنجاز في القرار الحكومي يتعلق بتحديد ألف جنيه كسعر لعدد “٣ رغيفات” في المخابز، وأنه بذلك يستحق الثناء والتقدير على هذا القرار الذي يحمي المستهلك، بينما التلاعب بالأوزان وعدم القدرة على مراقبتها يطلق الرصاص على المستهلك وعلى القرار الحكومي الذي يحتاج بالضرورة إلى عملية “عمرة” وصيانة شاملة تجعله فعالًا في عملية حماية المستهلك، والتي تتحقق ليس بتحديد السعر فقط، بل بالحديث عن الوزن وجودة المكونات والتكلفة المنطقية، وفوق هذا وذاك من المسؤول عن مراقبة الالتزام بذلك، لأن السوق و”مليشياته” ظلت قادرة على ابتلاع هذا النوع من القرارات الفقيرة في محتواها والعاجزة عن إيقاف إطلاق الرصاص على “محمد أحمد”.

حكومة ولاية الخرطوم لديها “متحف” تحتفظ فيه بنوعية من القرارات “المحنطة”، تقوم بإخراجها متى ما قرأت في الأخبار بأن المواطن بدأ في التململ من فوضى السوق في السلع والخدمات، وهي قرارات افتتاح أسواق “البيع المخفض”، والتي لم نعرف لها شيئًا غير التلاعب بذهن المواطن وإيهامه بأنها الحل والعلاج لجشع الوسطاء وكسر للحلقات الشريرة التي تفصل بين المنتج والمستهلك، وهي حلول مؤقتة سريعة الذوبان، ولا يمكن وصفها بأنها سياسات اقتصادية يعتمد عليها في حرب بلا رصاص تشتعل في السوق.

أرقام ضحايا الحرب من المدنيين والنازحين واللاجئين هي التي تحتل “مانشيت” الصحف وتحصي آثار المدافع والرصاص، وما أعلنته هيئة المواصفات والمقاييس في فبراير ٢٠٢٦م عن إبادة نحو 100 طن من السلع في وادي حلفا بسبب مخالفات تتعلق ببطاقات البيان وفترات الصلاحية وعدم مطابقة نتائج التحليل للمواصفات السودانية، وأضافت عليه في مارس من نفس العام بضبط مخزن في العاصمة يعيد تعبئة السكر بأوزان 10 و5 كيلوغرامات بطريقة مخالفة، مع ضبط كميات كبيرة من السكر ومعدات التعبئة، بالتأكيد يقودنا إلى تخيل ضخامة عدد الضحايا بسبب ما لم يتم ضبطه من السلع التي وجدت طريقها للسوق.

الممارسة أعلاه والضبطيات التي تعرضها هيئة المواصفات والمقاييس في “رف” الإنجازات، المنطق يقول: لماذا لا يتم اكتشاف هذه المخالفات قبل وصولها إلى أرفف المتاجر في الأسواق، وأن تطبق المعايير الموضوعة ابتداءً من عملية الاستيراد وموانئ ومداخل النقل والتخزين قبل الوصول لنقاط البيع، وتفعيل ضوابط الفحص والمطابقة قبل إطلاق الرصاص على المواطن في السوق؟

المستهلك الذي يشتري السلع والخدمات الآن يعلم تمام العلم بأنه لا يشتريها بسعر فيه تقدير منطقي للتكاليف، بل هو يعلم بأن الجزء الأكبر من القيمة هو من نصيب الوسطاء والاستغلاليين الذين لا يردعهم قانون ولا تطالهم يد السلطة.

ما تم الإعلان عنه من قرارات في ولاية نهر النيل عن تخصيص وكيل نيابة لكل محلية وتفعيل البلاغات والحملات المشتركة بين النيابة والمواصفات والمقاييس يمكن أن يعالج واحدة من أكبر مشاكل حماية المستهلك، ويمكن اعتباره خطوة باتجاه حماية المستهلك من رصاص السوق، وبقليل من الدراسة والتجويد يمكن أن يتحول ذلك إلى سياسة قومية من خلالها يتم إعلان وقف إطلاق نار السوق على المواطن السوداني وتعزيز ما تم النص عليه في قانون حماية المستهلك ٢٠١٩م بإنشاء المجلس القومي للمستهلك كجهاز وطني بصلاحيات سيادية وقادر على أداء دوره في ضبط كل ما يتعلق بالسلع والخدمات، إذ لا يعقل أن تسجل معركة السلع والخدمات كل هذه الانتهاكات في ظل وجود أجهزة ومؤسسات مثل وزارة التجارة والهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والجهات الصحية وجيش المحليات الجرار ومباحث التموين والقضاء والجمعيات التعاونية والأجهزة الاتحادية والولائية، ومع ذلك لا يزال المستهلك السوداني بهذه الهشاشة، وهو الذي لا يعاني فقط من غياب الأجهزة الرقابية بقدر ما يعاني من غياب التنسيق والرقابة المستمرة والمساءلة والشفافية.

الجمعية السودانية لحماية المستهلك لعبت تاريخيًا دورًا في نشر الوعي والدفاع عن حقوق المستهلك ومراقبة الأسواق، وتوجد مصادر توثق نشاطها في وقت مهم من تاريخ الدولة السودانية، ولأنها تلعب هذا الدور لا تمتلك اليوم المساحة والاستقلالية والموارد اللازمة لأداء هذا الدور المهم.

يجب أن تتحول الأرقام “٥٩٦٠” و”١٣١٢” والتي أعلنت عنها الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس كأرقام لشكاوى المستهلكين إلى منصة وطنية للشكاوى والبلاغات، وباب لإعلان وقف إطلاق النار على المواطن المسكين من بندقية السلع والخدمات، والشروع في بناء قاعدة بيانات وطنية للأسعار كما هو الحال في دول الجوار، وكسر القيود التي يفرضها احتكار السلع والخدمات، وذلك لأن “محمد أحمد” ليس شخصًا يطلب معروفًا من الحكومة، بل هو في هذه الجزئية صاحب حق ودافع للضرائب، ولا تتفضل عليه الدولة ولا تمتن عليه، فهي في الحرب لا يكفي أن تحمي المواطن من الرصاص فقط، عليها أيضًا أن تحميه من التطفيف في الميزان ومن السلعة الفاسدة والتاجر المحتكر.

الثلاث نماذج التي ذكرناها تقول إن الدولة تستطيع أن تتدخل .. في الجزيرة بتخفيف كلفة الخبز، وفي الخرطوم بإعادة أسواق البيع المخفض، وفي نهر النيل بربط الرقابة بالنيابة، لكن حماية المستهلك لا ينبغي أن تكون ثلاث مبادرات منفصلة، المطلوب أن تصبح سياسة دولة تحسم معركة السلع والخدمات لصالح المواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى