الصحافة.. كتابة رواية “السُلطان” 

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

وفي العقود القريبة المنصرمة صار المنهج السهل في مدرسة الركاكة الصحفية هو منهج إلغاء الآخر بوصمه بالارتزاق على عتبات السلطان أو الارتماء في أحضان العمالة والخيانة، هكذا باستسهال مبالغ فيه، دون حتى الاجتهاد في تكييف وتكليف مهني يجعل القارئ قادرًا على إكمال قراءة المحتوى الصحفي حتى نهايته دون أن يكون أفكارًا سيئة عن الصحافة والصحفيين.

ونحن هنا لسنا بصدد إجراء المقاربة بين الصحافة السودانية والصحافة الأمريكية، لأن هذا الفعل قد لا يبدو عاقلًا تمامًا لأسباب كثيرة يدركها الجميع، ولكننا بصدد الإجابة على أسئلة من شاكلة: كيف تُنتج الصحافة الحقيقة، وكيف تتحول الصحافة أحيانًا من ناقل للمعلومة إلى أداة لصناعة رواية السلطان؟

في مونديال قطر ٢٠٢٢م، وعقب المباراة الافتتاحية التي جمعت منتخبي المملكة العربية السعودية والأرجنتين، والتي انتهت بانتصار سعودي أسعد الكل بالتأكيد، حاول الجمهور السعودي عبر الإعلام أن يصنع الرواية بالسخرية من منتخب “راقصي التانجو” بالسؤال: وينو ميسي؟! ووقتها بالتأكيد كان السؤال أقوى تأثيرًا من نتيجة المباراة نفسها، لأنه اختصر منتخبًا كاملًا بنجومه ولاعبيه في لاعب واحد، والقول كذلك بأنهم لم يروه طوال ٩٠ دقيقة من عمر السؤال، وهي الرواية التي لم تصمد كثيرًا أمام رواية حصاد اللقب وتتويج ميسي في النهائي، ومن ثم وصوله لمحطة النهائي في مونديال ٢٠٢٦م، في مقابل الخروج المبكر للمنتخب السعودي، وانتصار رواية العبرة دائمًا بالنهايات.

(*) المقاربة بين روايتين ..

في الخامس من سبتمبر ٢٠٢٦م نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تحقيقًا واسعًا احتوى على وثائق وصور ورسائل، ادعت الصحيفة بأنها تكشف مؤشرات على برنامج سوداني لتخزين وتصنيع أسلحة كيميائية باستخدام غاز الكلور، وهنا استعانت الصحيفة في تحقيقها الاستقصائي بخبراء في الأسلحة الكيميائية والأدلة الرقمية، إلا أنها، وكنوع من الاستدراك الذي يعفي من الاتهام بعدم الحياد المهني، قالت إن الأدلة التي قدمها التحقيق الصحفي قد لا تسمح وحدها بحسم كل التفاصيل بصورة نهائية حول الاتهام الموجه ضد القوات المسلحة السودانية.

لا أعتقد بأن الرواية المجدية لمواجهة مثل هذا الادعاء والاتهام الخطير الذي مضت باتجاهه صحيفة الواشنطن بوست هو الغرق في القول بأن رواية الصحيفة صحيحة من وجهة نظر المؤيدين أو هي كاذبة بحسب منطق الرافضين لرواية استخدام السلاح الكيميائي.

المحتوى الصحفي في تحقيق الواشنطن بوست يستوجب سؤالًا أكثر عمقًا من السؤال أعلاه عن كيف توصلت الصحيفة إلى الذي قامت بنشره في تحقيقها الاستقصائي؟

الأداء “المسرحي” أكثر من أنه تحقيق أو تقرير صحفي في سؤال أين الكيميائي؟! والذي تم عرضه في قارعة الطريق بالضرورة لا يصلح للتعامل معه بأكثر من وصفه بالركيك، ولا بد من سطور تدعو للاستفاقة من النوم على وسادة الاستسهال والاستخفاف بنوايا “الشر” التي يضمرها المجتمع الدولي ممثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدأ بنوعية مثل هذه التحقيقات.

دعونا نتفق أولًا بأن الفرق يمثل سنين ضوئية بين روايات صحفية تبدأ تحقيقاتها بسؤال أين السلاح؟ ثم تندفع لتحقيق روايتها عبر الأدلة والوثائق واستدعاء شهادات الخبراء والصور عبر الأقمار الصناعية ورسم خارطة تتبع دقيق لحركة المواد والأفراد، وتلك الصحافة التي تجعل السؤال نفسه هو البداية والختام للتحقيق، فنحن الآن نعيش في زمن أن الكذب لا يحتاج إلى قليل اجتهاد، بينما الحقيقة يلزمها الكثير للصمود أمام هذا النوع من الكذب.

وبقرائن وبينات لا جدال حولها يمكننا إثبات أن الصحافة الأمريكية، وعلى الرغم من قدمها وعراقة تأسيسها وما هو متاح لها من إمكانيات مادية وبشرية ونصوص مواد في الدستور والقانون الأمريكي لتعمل بمهنية أعلى مما هي عليه الآن، إلا أنها لم ولن تنجو من مرض الانحياز لرواية “السلطان” والانحيازات السياسية، وما الاعتراف الذي سجلته صحيفة النيويورك تايمز ٢٠٠٤م بأنها كانت ضحية لتضليل متعمد في رواية “أسلحة الدمار الشامل” في العراق، جراء اعتمادها على مصادر ثبت في ما بعد بأنها لم تكن دقيقة، إلا دليل تأكيد بأنه متى ما اتبع العمل الصحفي هوى السلطان، إلا وكان ذلك كافيًا لإيرادها موارد التهلكة المهنية في الصحافة، بل إن هذه التجربة مع رواية أسلحة الدمار الشامل في العراق أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر الأمثلة في تاريخ الصحافة على خطورة تحول المعلومات الاستخبارية غير المكتملة إلى قصص صحفية تقدم للقارئ باعتبارها حقائق شبه محسومة، كما هي الرغبة الآن في رواية استخدام السلاح الكيميائي.

في الرواية أعلاه يمكننا القول بأن الصحافة الأمريكية أخطأت أثناء بحثها عن المصادر والأدلة لإثبات فرضية اعتمدتها في التحقيق، ولكن هذا لا يصلح أبدًا لأن يكون مبررًا للصحافة السودانية لتكتفي بإعادة إنتاج سؤال سياسي أو اتهام صادر من جهة دولية أو أمريكية، باعتبار أن مجرد ترديد السؤال “الفطير” والفقير في الخيال الصحفي سيكون عملًا صحفيًا استقصائيًا صالحًا للرد على رواية تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية ومعها المجتمع الدولي، فهذه مشكلة أخرى تمامًا.

“الكتاب” يقول عند الدخول لسرد الرواية الصحفية يفترض للصحفي أن يكون باحثًا عن الحقيقة من وراء أسئلته أكثر من أن يكون باحثًا عن المعلومات التي تؤكد فقط روايته التي دخل بها للتحقيق، وأن “السلطان” الذي جئنا على ذكره في العنوان قد يكون بأشكال متعددة، فهو الإدارة والسلطة السياسية في وقت، وهو أجهزة المخابرات والقوى الإقليمية في وقت آخر، كما أنه قد يكون متمثلًا في “المصدر المجهول” الذي يحمل روايته ويترك الصحافة تقوم بمهمة الإثبات.

دعونا نقول بأن الاكتفاء بالوقوف أمام شاشة الهاتف النقال الشخصي على أحد شوارع العاصمة الخرطوم وإلقاء السؤال بكل ما قد يحمل المشاهد إلى الظن بأنها ثقة: أين الكيميائي؟ لا يصلح لاعتماده كأحد أدوات الدفاع عن رواية النفي السودانية.

وصحيح أنه قد يكون للسودان أدوات أخرى قد تثبت جدواها في مواجهة هذا الاتهام الخطير حال تم نقله لقاعات المؤسسات الدولية صاحبة القرار، سواء عبر التنسيق مع الحلفاء لاستخدام ورقة “الفيتو” لإيقاف صدور أي قرار تأسيسًا على هذه التهم، إلا أنه يجب الانتباه إلى طريقة تبني رواية الاتهام هذه ليست بعيدة من دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الإعلام والصحافة صارت هي “المطبخ” البديل لطهاة القرارات السياسية والذين يزودون العمل الصحفي بإجابات الأسئلة من نوعية “أين ومتى وكيف وقع الاستخدام وماذا يقول خبراء الأسلحة الكيميائية وشهود العيان وفحص العينات وسجلات الاستيراد وصور الأقمار الصناعية وما هي ردود فعل المنظمة الدولية لحظر الأسلحة من هذا النوع؟” وتلك هي المسافة بالضبط بين ما هو عمل صحفي وإعادة تدوير الاتهامات، فلو كانت صحيفة الواشنطن بوست قد اكتفت في تحقيقها بعنوان اكتفت فيه فقط بالقول إن السودان “يمتلك أسلحة كيميائية” لكنا قد قبلنا الرد عليه بالطريقة “الركيكة” في سؤال مسرح الشارع: أين الكيميائي؟! ولكنها قالت إنها حصلت على وثائق ورسائل نصية وفيديوهات وصور، ثم عرضتها على أكثر من عشرين مسؤولًا استخباريًا وخبيرًا ومفتشًا سابقًا وخبيرًا في الأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان، كما استعانت بخبراء أدلة رقمية لفحص المواد المرئية والصوتية، ثم أضافت ما يشبه “الثوم والشمار” لتجعل تحقيقها أكثر موضوعية عندما قالت بأن كل ما جاءت به في التحقيق لا يصلح لأن يجعل الأمر محسومًا بحيازة واستخدام السودان للسلاح الكيميائي، وذكرت على لسان خبراء مستقلين قامت باستطلاعهم وقالوا بأن إثبات مثل هذا النوع من التهم يحتاج إلى الوصول إلى مواقع الأسلحة والشهود، وهو أمر لم يكن متاحًا.

وهنا الصحيفة، وبتكنيك المحترف، تركت للقارئ مساحة للشك في مصداقية التحقيق الاستقصائي، بينما جعلتنا طريقة الصحافة السودانية في طريقة طرح سؤال أين الكيميائي؟ على “يقين” بأن صحافة السلطان تطلق رصاص أقلامها على الأقدام، وأنها تحرز أهدافًا عكسية في المرمى الوطني، ثم تسأل في مباراة الافتتاح لمونديال العقوبات .. وينو ميسي؟!

عندما يختار الصحفي أن يكون على بُعد “المسافة صفر” من السلطان، وأن بقاءه على هذه المسافة يعتمد كلية على تبني الرواية السلطوية فقط بسؤال أين الكيميائي؟ وينتظر الولايات المتحدة وبريطانيا أو حتى الواشنطن بوست لتأتيه بالإجابات، بل يجب عليه أن يتذكر بأن الاستقصاء الصحفي لا يعتمد على نفي الرواية أو إثباتها، بل على مدى رغبته في المعرفة والتي تعتمد على وثائق وتحقق من أدلة وبينات وتحليل وتعامل مع مصادر مستقلة وآراء من الأطراف.

(*) هل يستطيع سؤال أين الكيميائي؟ مواجهة الصحافة الاستقصائية؟؟

والإجابة التي لا تحتاج منا لكثير تفكير هي بالضرورة “لا” .. ولا هذه في إجابة السؤال ليست لها علاقة بادعاء أن الصحافة الأمريكية ممثلة في الواشنطن بوست والنيويورك تايمز دائمًا هي على حق، ولكن لأنها في أفضل نماذجها الاستقصائية تدخل إلى المطبخ الذي تُصنع فيه المعلومة وتعد فيه القرارات، بينما الصحفي الذي يكرر السؤال من الخارج يبقى مستهلكًا للمعلومة ويتبنى أشياء لا يدرك معناها وأبعادها بتسطيح لا يفوت على فطنة القارئ والمتابع، وهذا النوع بالضرورة يمثل الصورة المثالية التي تنطق بها حكمة “عدو عاقل خير من صديق جاهل”، وهنا أيضًا بالضرورة لا نريد أن نضع وزن “الريشة” في حلبة الوزن الثقيل بإمكانيات الواشنطن بوست، ولكننا على الأقل نطالب بالحد الأدنى من الاجتهاد في بناء حائط الصد الوطني حال ما احتجنا إليه في المواجهات المرتقبة في هذا الموضوع.

والسؤال أعلاه يجب ألا تؤخذ منه فكرة شروعنا في تمجيد وتقديس النموذج الذي تقدمه نيويورك تايمز والواشنطن بوست، لأنهما يمثلان في الصحافة النموذج الذي يجب “تفكيكه” والتصدي لجرثومة المشاركة في طباخة المؤامرات السلطوية.

كما أن السؤال أعلاه يحملنا للتطرق إلى ما يجب أن تكون عليه الصحافة السودانية وضرورة إخراجها من “جُب” الاستقطاب السياسي وتأثيراته عليها، بحيث يدخل الصحفي للقصة الصحفية وهو تحت تأثير منوم الموقف المسبق، إذ إن مجرد إطلاق “الريح” بسؤال أين الكيميائي؟ في الشارع العام يعتبر فعلًا فاضحًا للجهل بالمعارف التقنية والفنية المتعلقة بقضايا الأسلحة الكيميائية.

وعلينا ألا نتوهم بأن معركة الصحافة السودانية الآن في إثبات أو نفي وجود السلاح الكيميائي، فتلك لا تعدو حالة كونها “فورة” لا تلبث أن تذوب في وسط تقلبات السياسة الدولية وتلون مواقفها، وإنما المعركة في سؤال عن ما هي قدرة الصحافة السودانية في إنتاج الحقيقة وبناء اصطفاف وطني سليم قائم عليها، والصحفي بطبيعة الحال ليس محاميًا عن طرف بقدر ما أنه وبحسب المطلوبات المهنية محامٍ للحقيقة.

وأهم من يطرح السؤال بهزال منطقة هذا ويظن بأنه قد استخدم القاضية “الصحفية” ليرد على تحقيق الواشنطن بوست، بل هو وبهذه الطريقة يخدم الرواية بمظنة أنه يحاربها بمجرد السؤال بسخرية، وبمجرد أن يجعل الكيميائي هو مركز النقاش دون أن ينتج تحقيقًا مستقلًا، فإنه يكون قد قبل الإطار الذي صاغته الواشنطن بوست في تحقيقها.

المشكلة ليست في أن واشنطن بوست قالت إن هناك كيميائيًا في السودان، ولا في أن بعض الصحفيين السودانيين قالوا: أين الكيميائي؟ المشكلة أن الأولى ذهبت تبحث عنه، بينما اكتفى الآخرون بالسؤال عنه، وبين السؤال والتحقيق مسافة هي نفسها المسافة بين صحافة تصنع المعرفة وصحافة تستهلكها.

ما نريد التأكيد عليه هو أننا لا نحتاج إلى صحافة تصدق الواشنطن بوست ولا إلى صحافة تكذبها، نحن نحتاج إلى صحافة تستطيع أن تقول في ردها لصحافة الاتهام: أعطنا الدليل، ثم تذهب هي أيضًا للبحث عن دليل يصلح لأن يكون مذكرة دفاع محترمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى