ضريبة الهواتف.. حين تتحول الرفاهية إلى مورد للدول

هذا قولى.
بقلم/ هيثم السوباط
أنا على قناعة بأن السودان بحاجة إلى أن يحذو حذو مصر، في تنظيم سوق الهواتف المحمولة، وفرض ضريبة واضحة على الأجهزة المستوردة، خصوصًا الهواتف مرتفعة القيمة مثل أجهزة «آبل».. فالمسألة لا ينبغي أن تُختزل في كونها ضريبة جديدة تُضاف إلى أعباء المواطن، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها جزءًا من منظومة متكاملة لتنظيم سوق الاتصالات وإحكام سيطرة الدولة على قطاع أصبح من أكثر القطاعات تأثيرًا في الحياة اليومية.
إن ربط تشغيل الهاتف بإتمام الإجراءات الضريبية وتسجيل الجهاز وفق كود أو رقم ضريبي رسمي، يمكن أن يغلق أبوابًا واسعة للتهريب والتهرب الجمركي والتجاري، ويضع حدًا للفوضى التي تحيط بدخول الأجهزة إلى البلاد.. كما يمنح وزارة الاتصالات والجهات المختصة قاعدة بيانات أكثر دقة عن الأجهزة العاملة داخل السودان، وهو أمر له أهميته الاقتصادية والتنظيمية والأمنية في آن واحد.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن سوق الهواتف الذكية أصبح سوقًا ضخمًا تتداول فيه أجهزة تصل أسعار بعضها إلى مبالغ كبيرة، بينما تدخل نسبة من هذه الأجهزة إلى البلاد بطرق لا تخضع بالضرورة للرقابة أو الإجراءات الرسمية. فلماذا تظل هذه السوق بعيدة عن التنظيم والضبط، بينما تخضع السلع والأنشطة التجارية الأخرى لأشكال مختلفة من الرسوم والضرائب؟
بل إن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو: هل كل هاتف ذكي أصبح ضرورة لا يمكن المساس بها، أم أن جزءًا معتبرًا من هذه الهواتف تحول بالفعل إلى سلعة رفاهية؟
أنا لا أتحدث عن تحميل المواطن البسيط أعباء جديدة، ولا عن فرض رسوم متساوية على كل الأجهزة. بالعكس، المطلوب هو نظام عادل ومتدرج يميز بوضوح بين الهاتف الاقتصادي الذي يستخدمه المواطن في الاتصال والخدمات المصرفية والمعاملات اليومية، وبين الأجهزة الفاخرة التي تُشترى بمبالغ ضخمة، وفي مقدمتها بعض إصدارات «آيفون» وغيرها من الهواتف عالية السعر.
من يريد هاتفًا بمئات أو آلاف الدولارات، فلا أرى مشكلة في أن يدفع ضريبة تتناسب مع قيمة الجهاز. هذه ليست سلعة أساسية لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، ويمكن للدولة أن تطرق باب الرفاهية بالجباية بدل أن تستمر دائمًا في البحث عن مواردها في السلع والخدمات الضرورية التي يتحمل المواطن محدود الدخل كلفتها.
لكن الأهم من الضريبة نفسها هو طريقة تنفيذها.. فليس المطلوب استحداث باب جديد للفساد تحت عنوان التنظيم. يجب أن تكون الإجراءات إلكترونية قدر الإمكان، واضحة، معلنة، وموحدة، وأن يعرف المواطن مسبقًا قيمة ما سيدفعه وكيف يدفعه، دون وسطاء أو تقديرات شخصية أو أبواب خلفية.
كما ينبغي أن تكون هناك رقابة حقيقية على شركات الاتصالات والمستوردين والوكلاء والأسواق، حتى لا يتحول النظام إلى وسيلة لاستنزاف المواطن بينما يظل المهرب الحقيقي خارج دائرة المحاسبة.
والبعد الأمني لا يمكن تجاهله أيضًا. فوجود سجل منظم للأجهزة العاملة داخل البلاد، وربطها ببيانات رسمية، يمنح الدولة قدرة أكبر على معرفة حركة الأجهزة ومكافحة الجرائم المرتبطة باستخدامها، ويعزز قدرتها على إدارة قطاع الاتصالات في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
الدولة الحديثة لا تعني أن تترك الأسواق بلا رقابة، كما أن التنظيم لا يعني بالضرورة التضييق على الناس. الدولة التي لا تعرف ما يدخل حدودها، ولا تملك بيانات دقيقة عن أحد أكثر القطاعات انتشارًا وتأثيرًا، تترك مساحة واسعة للفوضى والتهريب والفساد.
لذلك، فإن فرض ضريبة وتنظيم تشغيل الهواتف يمكن أن يكون أكثر من مجرد قرار مالي؛ يمكن أن يكون خطوة في اتجاه تنظيم سوق الاتصالات، ومحاصرة التهريب والتهرب، وإغلاق منافذ فساد، وتعزيز الاعتبارات الأمنية، وتوفير مورد إضافي لخزينة الدولة.
والقاعدة في رأيي يجب أن تكون بسيطة وواضحة: من أراد هاتفًا فاخرًا فليدفع ضريبته، ومن أراد هاتفًا أساسيًا فلا ينبغي أن يُعاقب على ذلك.
المهم ألا تتحول الفكرة إلى جباية عشوائية، بل إلى سياسة دولة مدروسة: تضبط السوق، تحارب التهريب، تحاصر الفساد، وتحصّل من الرفاهية ما يمكن أن يخفف الضغط عن المواطن في الضروريات.


