الحوار.. من يكتب الصفحة السودانية؟

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

عاد الحوار إلى واجهة المشهد السوداني، وهذه المرة وسط حركة سياسية ودبلوماسية واضحة. لجنة التحضير للحوار الداخلي بدأت اتصالاتها بالقوى السياسية، والوفد الخماسي الذي يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيقاد وصل إلى الخرطوم والتقى رئيس مجلس السيادة وعدداً من المعنيين بالعملية السياسية. الرسالة المعلنة من الخماسية تتحدث عن عملية سياسية شاملة بقيادة سودانية، وهي عبارة مهمة، لكن الأهم منها أن نعرف: من سيقود هذه العملية فعلاً، ومن سيكتب أجندتها، ومن يحدد سقفها وحدودها؟

 

أنا مع الحوار، ولا أرى في الجلوس إلى طاولة واحدة مع المختلفين ضعفاً سياسياً أو تنازلاً عن المواقف. العكس تماماً؛ الدولة التي تعرف قيمة نفسها تستطيع أن تستمع إلى خصومها قبل أن تتخذ قرارها، والسياسي الذي يثق في حجته لا يخشى النقاش.

 

لكن الحوار الذي نريده للسودان يجب أن يكون سودانياً في روحه، سودانياً في أجندته، وسودانياً في قراره النهائي.

 

هذه النقطة لا تحتمل الالتباس.

 

نرحب بأي جهد دولي يساعد السودانيين على الوصول إلى السلام، ونقدر دور الوسطاء والدول الصديقة في تقريب المسافات وفتح الأبواب. لكن المساعدة شيء، وصناعة القرار شيء آخر. السودان يمكنه أن يستفيد من العالم كله، من دون أن يسلم العالم مفتاح مستقبله السياسي.

 

والمفارقة أن الساحة الدولية نفسها بدأت تتحدث عن «عملية بقيادة سودانية»، بينما تتسابق عواصم ومبادرات مختلفة على استضافة الحوار وتحديد مساراته. حتى الحديث عن مكان انعقاد الحوار أصبح جزءاً من المعركة السياسية، في وقت تؤكد فيه الخرطوم رغبتها في أن يجري الحوار داخل السودان.

 

وهنا تحديداً يجب أن ننتبه.

 

السودان لا يحتاج إلى حوار يضاف إلى قائمة المؤتمرات التي تبدأ بصورة احتفالية وتنتهي بورقة جديدة تحمل أسماء الوسطاء أكثر مما تحمل إرادة أصحاب القضية. ولا يحتاج إلى عملية سياسية تُدار من الخارج ثم يصل صداها إلى الداخل باعتبارها أمراً واقعاً.

 

نحتاج إلى حوار يسمع الجميع، ويستوعب التباين السياسي، ويبحث عن صيغة وطنية للخروج من الحرب، من دون أن يتحول إلى منصة لتصفية الحسابات أو إعادة توزيع المواقع قبل أن تُحل قضية الدولة نفسها.

 

والحوار الجاد لا يعني أن يتفق السودانيون على كل شيء. تلك أمنية جميلة، لكنها لا تصنع سياسة. المطلوب أن يتفقوا على ما هو أكبر من خلافاتهم: وحدة السودان، سيادته، مؤسساته، سلامة أراضيه، وحق شعبه في اختيار مستقبله السياسي بعيداً عن الإملاءات.

 

ومن المهم أيضاً أن يكون باب الحوار مفتوحاً أمام المختلفين، لا أن يتحول إلى مجلس مغلق يختار أسماءه مسبقاً ثم يطلب من الآخرين مباركة النتيجة. فالحوار الذي يبدأ بالإقصاء سيجد الإقصاء جالساً معه في آخر الطاولة.

 

الدولة بدورها مطالبة بتوفير المناخ الذي يسمح للحوار بأن ينجح. وقد أعلنت السلطات ضمانات قانونية للمشاركين، كما قال البرهان إن الدولة ملتزمة بتنفيذ مخرجات الحوار التي تصب في مصلحة الشعب السوداني. هذه خطوات يمكن البناء عليها، لكن قيمتها الحقيقية ستظهر في قدرة الحوار نفسه على إقناع المترددين والمختلفين بأنهم أمام مساحة سياسية حقيقية، لا أمام نتيجة جاهزة تبحث عن شهود توقيع.

 

أما المجتمع الدولي، فله دور مهم، لكنه دور المساند لا الوصي.

 

فالسلام الذي يصنعه السودانيون قد يحتاج إلى العالم كي يحميه ويدعمه، لكنه لا يحتاج إلى العالم كي يخبر السودانيين كيف يعيشون بعد الحرب.

 

لقد جرب السودان كثيراً من المبادرات والموائد والخرائط. المشكلة لم تكن دائماً في غياب المبادرات، وإنما في أن كثرة الأيدي التي امتدت إلى الملف السوداني جعلت الطريق إلى الحل أكثر ازدحاماً من الطريق إلى الحرب.

 

ولذلك فإن اللحظة الحالية تحتاج إلى شيء مختلف: أن يكون الحوار هذه المرة مشروعاً وطنياً حقيقياً، لا مسرحاً جديداً للتنافس الإقليمي والدولي.

 

السودان بلد واحد، وشعبه هو صاحب المصلحة الأولى في إنهاء الحرب وبناء الدولة. ومن حق السودانيين أن يستفيدوا من كل يد صديقة تمتد إليهم، لكن من حقهم أيضاً أن يقولوا بوضوح: ساعدونا في فتح الباب، واتركوا لنا حق اختيار الطريق.

 

ولهوامش السيادة كلمة

 

نحن مع الحوار، لا لأن السودان عاجز عن إدارة شأنه، بل لأن الحرب أثبتت أن الوطن أكبر من الجميع، وأن الخلاف السياسي مهما بلغ لا ينبغي أن يتحول إلى طريق مفتوح نحو تفكيك الدولة.

 

نريد حواراً سودانياً ـ سودانياً، واسعاً ومسؤولاً، يسمع المختلف قبل المتفق، ويبحث عن المستقبل بدل إعادة إنتاج الماضي.

 

نريد من الخارج مساعدة تقرّب المسافات، لا وصاية تكتب الإجابات قبل أن يبدأ الامتحان.

 

فالسودان يمكنه أن يستضيف الحوار، ويستقبل الوسيط، ويستمع إلى النصيحة، ويصافح العالم كله؛ لكنه في النهاية يجب أن يكتب الصفحة السودانية بيده.

 

السودان أولاً.. والحوار سوداني.. والقرار سوداني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى