حظر السلاح على المؤسسة الوطنية: عندما يُشرعن القرار الأممي نفوذ الميليشيا

شيء للوطن

بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

يقف العالم اليوم أمام نقطة تحول أخلاقية وسياسية حاسمة في تعاطيه مع الأزمات الدولية، وتتجلى هذه الأزمة بأوضح صورها في كواليس الأروقة الأممية، حيث تُصاغ القرارات وتحضر المقترحات التي تقيس القضايا المعقدة بمكيالين. إن التوجهات الراهنة داخل مجلس الأمن الداعية إلى توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل التراب الوطني لبلد يخوض حرب وجود استنزافية، لا تشكل مجرد تقييد تقني أو إداري، بل تعد اختراقاً صريحاً لجوهر المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تكفل للمؤسسات الوطنية الشرعية حق الدفاع الفردي والجماعي عن سيادة الأرض وحماية المواطنين.

تتجلى الخطورة الكبرى في المقترحات الداعية لفرض حظر شامل للسلاح في إيجاد حالة من “عدم التماثل” الفاضح بين طرفين لا يمكن بأي حال المساواة بينهما: مؤسسة عسكرية رسمية تقيدها الالتزامات والأعراف الدولية، ومجموعات مسلحة وميليشيات خارجة عن نطاق الدولة تعتمد في وجودها على شبكات تهريب عابرة للحدود ورعاة إقليميين يغرقون الساحة بالأسلحة الفتاكة. إن تجريد الدولة الشرعية من أدواتها الدفاعية وتأمين ترساناتها لا يخدم السلام بأي شكل، بل يفرغ مفهوم السيادة من معناه، ويكافئ الفاعلين من غير الدول، ويمنح المرتزقة والشبكات الموازية غطاءً مجانياً لتطوير قدراتها العسكرية، في الوقت الذي تُشل فيه يد المؤسسات الرسمية المنوط بها حفظ الأمن الداخلي والاستقرار الإقليمي.

لقد أثبتت التجربة العملية أن أدوات “السلام الليبرالي” المحاطة بالوصفات الخارجية الجاهزة والتي تعتمد التدخل الأحادي أو المقترحات غير المستنيرة للواقع المحلي قد أفلست تماماً. إن تجاهل الرؤى الوطنية لحماية المدنيين – والتي تشمل تفعيل الآليات المجتمعية وتدعيم الإدارات الأهلية وتأهيل الشرطة وتطوير أجهزة الرصد التكنولوجي – يعكس انفصالاً تاماً لبعض القوى النافذة عن جذور الأزمة. كما أن التغاضي عن تتبع سلاسل توريد السلاح ذي المنشأ الغربي والأسلحة المتطورة، بما فيها الطائرات المسيرة التي تخترق الحدود لتدمير البنى التحتية، يطرح علامات استفهام كبرى حول جدية بعض الأطراف في وقف رقعة الصراع أو تجفيف منابعه الحقيقية.

إن ازدواجية المعايير تفقد الدبلوماسية متعددة الأطراف قيمتها ومصداقيتها عندما تُساق القرارات الدولية تطابق مصالح ضيقة لدول بعينها على حساب العدالة والسيادة الوطنية. وفي هذا السياق، تبرز حقيقة أخلاقية وسياسية لا يقبل منطقها التجزئة: إن الإرهاب واستهداف المدنيين، وممارسة القتل الجماعي، والتجويع، والعنف المنظم، جرائم يرفضها الضمير الإنساني في أي مكان وزمان. ولا يمكن للمجتمع الدولي الذي يستحضر فظائع الإرهاب الذي روع العالم في محطات تاريخية قاسية أن يتسامح اليوم أو يطبّع مع السلوكيات الإرهابية التي تمارسها الميليشيات عبر الحصار والتهجير القسري.

تقتضي المسؤولية الدولية دعم المؤسسات الشرعية والدعوة لقصم شبكات الدعم والتمويل التي تمد القوى غير الشرعية بالسلاح، بدلاً من فرض قيود تعطل قدرة الدولة على بسط سيطرتها. إن الجيوش الوطنية لم تكن يوماً مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي الركيزة الدستورية والسيادية لحماية الكيان الوطني من الانهيار والارتهان للاستعمار الجديد بأشكاله الحديثة. وإن التمسك بالتمديد التقني للقرارات السابقة وتفادي الاجتهادات الأحادية التدميرية ليس مجرد موقف قانوني فحسب، بل هو الخط الفاصل بين الحفاظ على منظومة الأمن والسلم الدوليين أو إفساح المجال لفوضى عارمة تتجاوز حدود الإقليم لتصيب أمن العالم في مقتل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى