عدوي بين النقد والإنصاف: هل ظلم السودانيون سفيرهم بالقاهرة أم ظلمتهم سفارتهم

نقطة نظام حول المستحيل والمستطاع

بقلم/ محمد فؤاد عيد

شهدت مدينة الإسكندرية خلال اليومين الماضيين افتتاح القنصلية السودانية بحضور وزير الخارجية السوداني محى الدين سالم الذي شهد مراسم الافتتاح حيث تمت تسمية السفير الصديق الصدوق عبد الدائم علي البشير قنصلاً عاماً لجمهورية السودان بالإسكندرية

وقد شهد حفل الافتتاح إلى جانب وزير الخارجية الفريق ركن عماد الدين عدوي سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية والمنتهية إدارته للسفارة السودانية والقريب من مغادرتها بعد قرب تسمية سفير جديد ليحل محله

وفي الوقت الذي يرتب فيه السفير عبد الدائم علي البشير مكتبه استعداداً لإدارة القنصلية السودانية بالإسكندرية نجد في الضفة الأخرى ترتيباً من نوع آخر

ترتيب وداع ومغادرة في مدينة القاهرة حيث يوجد السفير عدوي

وبين سفير قادم إلى الإسكندرية وسفير مغادر من القاهرة دارت في ذهني العديد من الأسئلة التي وجدت أنها تستحق التوقف عندها والبحث فيها بعيداً عن الشخصنة وبعيداً عن أحكام المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي

فماذا يعني أن يبدأ سفير جديد مهمته في الإسكندرية في الوقت الذي يستعد فيه سفير آخر لمغادرة القاهرة وهل نحن أمام مجرد حركة دبلوماسية طبيعية في توقيت متزامن أم أن وراء المشهد تفاصيل أخرى تستحق القراءة وماذا فعل السفير عدوي خلال فترة وجوده بالقاهرة وما الذي عجز عن فعله ؟

وهل ظلم السودانيون سفيرهم عندما حملوه مسؤولية ما يفوق صلاحياته أم أن السفارة بالفعل كانت بحاجة إلى أداء مختلف يتناسب مع حجم المأساة السودانية التي ألقت بظلالها على مصر..

أسئلة كثيرة ظلت تدور في ذهني فقررت أن أفرغها في هذا المقال حيث لم يعد الحديث عن قرب مغادرة الفريق أول عماد الدين مصطفى عدوي لمنصبه كسفير للسودان بالقاهرة مجرد تكهنات تتداولها المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي فقد أفادت مصادر متطابقة بصدور قرار باستبداله وسط حالة من الجدل والانقسام بين السودانيين فبين من يرى أن الرجل أخفق في أداء مهمته وبين من يعتقد أنه دفع ثمن أزمة أكبر من قدراته وصلاحياته يبرز سؤال أكثر أهمية من شخص السفير نفسه وهى هل كانت المشكلة في عماد الدين عدوي فى شخصة أم في طبيعة المهمة التي وجد نفسه مكلفاً بها في واحدة من أسوأ مراحل تاريخ السودان الحديث .

والحديث عن قرب إخلاء الفريق أول عماد الدين مصطفى عدوي لمنصبه كسفير للسودان في القاهرة لم يعد مجرد تكهنات فقد أفادت مصادر متطابقة مطلع سبتمبر 2026 بصدور قرار استبداله باللواء هارون محمد وسط موجة متباينة بين شامت بما عُثر عليه من تقصير واخر سعيد بانتهاء مرحلة وقلق من أن يأتي الخلف ولا يجد ما يبني عليه والحقيقة أن الرجل قادماً من خلفية عسكرية بحتة واجه اختباراً لم يُعِدّه له التدريب العسكري أن يكون سفيراً لبلد مُمزق يمثل ملاييناً فقدت كل شيء وفي مصر التي استقبلت ما يقارب مليون ونصف المليون سوداني في أزمة غير مسبوقة.

*السفير عدوي بين النقد والإنصاف.. ماذا فعلت السفارة وماذا عجزت عنه؟ :*

 

في السياسة كما في الحياة هناك لحظات يصبح فيها المسؤول أكبر من منصبه ليس بسبب ما يملكه من صلاحيات بل بسبب حجم الآمال المعلقة عليه وهذا بالضبط ما حدث مع سفير السودان بالقاهرة الفريق أول ركن مهندس عماد الدين عدوي الذي وجد نفسه فجأة في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السودان الحديث.

اليوم وبينما تتصاعد الأحاديث حول قرب انتهاء مهمته الدبلوماسية تتوزع الآراء بين من يرى أن الرجل أخفق في أداء واجبه تجاه السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى مصر وبين من يعتقد أن تحميله مسؤولية معاناة مئات الآلاف من المواطنين ليس سوى نوع من الظلم السياسي والإنساني.

لكن قبل الانضمام إلى فريق المصفقين أو الشامتين، دعونا نضع نقطة نظام هل كان السفير عدوي يدير سفارة أم كان يقود دولة كاملة انهارت مؤسساتها تحت وطأة الحرب؟

 

*سفير في مواجهة أكبر موجة نزوح سودانية :*

 

لم يصل عدوي إلى القاهرة في ظروف طبيعية ولم يتعامل مع جالية مستقرة كما فعل كثير من السفراء قبله فقد وجد نفسه ممثلاً لدولة تمزقها الحرب ولملايين المواطنين الذين فقدوا الأمن والمأوى ومصادر الرزق واتجه قسم كبير منهم إلى مصر بحثاً عن ملاذ آمن وخلال أشهر قليلة تحولت السفارة السودانية بالقاهرة من بعثة دبلوماسية تقليدية إلى واجهة لأزمة إنسانية وسياسية واجتماعية غير مسبوقة، وفجأة أصبحت كل الطرق تؤدي إلى السفار حيث الطالب الذي تعطلت دراسته والمريض الذي يبحث عن العلاج والمواطن الذي يحتاج إلى وثيقة والأسرة التي تبحث عن إقامة أو استقرار

الجميع كان ينظر إلى السفارة باعتبارها آخر ما تبقى من الدولة السودانية.

 

*ما الذي تحقق على أرض الواقع :*

 

بعيداً عن لغة الهجوم أو التبرير لا يمكن إنكار أن السفارة شهدت بعض الخطوات التي اعتبرها مؤيدو السفير إنجازات مهمة، من بينها إطلاق البوابة الرقمية للخدمات القنصلية وتوسيع نطاق المعاملات الإلكترونية وفتح بيت السودان لاستقبال ومساعدة بعض الحالات الإنسانية اضف لذلك تسهيل إجراءات العودة الطوعية وإصدار وثائق سفر اضطرارية للعائدين والتدخل في بعض ملفات المحتجزين السودانيين لدى السلطات المصرية إضافة إلى تخفيض رسوم الجوازات لفترة محددة لتخفيف الأعباء المالية على المواطنين وهي خطوات لا يمكن تجاهلها عند تقييم التجربة بصورة موضوعية

لكن لماذا استمر الغضب رغم هذه الجهود ؟

من وجهة نظرى ان المشكلة لم تكن في وجود خدمات من عدمه بل في حجم الفجوة بين ما قدمته السفارة وما كان ينتظره المواطنون منها.

فبينما كانت السفارة تنظر إلى نفسها كمؤسسة قنصلية تعمل وفق إمكانات محدودة كان المواطن ينظر إليها باعتبارها وطناً مصغراً عليه أن يحل كل مشكلاته ومن هنا بدأت الأزمة طوابير طويلة وإجراءات بطيئة وصعوبة في الوصول إلى المسؤولين وشكاوى متكررة من ضعف التواصل وإحساس متزايد لدى قطاعات واسعة من الجالية بأن السفارة بعيدة عن واقعهم اليومي.

 

*كبوات الرجل العسكري في الثوب الدبلوماسي :*

 

ربما كانت أكبر الانتقادات الموجهة للسفير لا تتعلق بالخدمات نفسها بل بطريقة إدارة العلاقة مع الجالية فكثير من السودانيين كانوا يتوقعون حضوراً أكثر قرباً وتواصلاً أكثر شفافية ومواقف أكثر وضوحاً تجاه قضاياهم كما رأى منتقدوه أن الخلفية العسكرية للرجل انعكست أحياناً على أسلوب الإدارة حيث غلبت لغة المؤسسة والانضباط على لغة المبادرة والانفتاح التي تتطلبها الدبلوماسية والعمل المجتمعي وكانت النتيجة أن العلاقة بين السفارة والجالية ظلت في كثير من الأحيان علاقة إجراءات ومعاملات أكثر منها علاقة شراكة وثقة ويبقى السؤال معلقآ هل كانت السفارة قادرة على فعل أكثر من ذلك ؟

هنا لا بد من التوقف عند حقيقة قد لا تعجب كثيرين فالسفارة ليست وزارة مالية وليست منظمة إغاثة دولية وليست جهة تملك صلاحيات منح الإقامات أو توفير الوظائف أو السكن أو العلاج لعشرات الآلاف من المواطنين

حتى أقوى السفارات في العالم لا تستطيع أن تتحول فجأة إلى حكومة كاملة تدير شؤون مئات الآلاف من النازحين واللاجئين، ولهذا فإن جزءاً من المطالب التي رفعت في وجه السفارة كان يتجاوز قدراتها الفعلية.

 

*أين أخفقت السفارة فعلاً :*

 

إذا كان من الصعب تحميل السفارة مسؤولية الحرب وتداعياتها فإن من المشروع تحميلها مسؤولية إدارة علاقتها مع المواطنين

ففي أوقات الكوارث لا يطلب الناس المعجزات بل يطلبون الاحترام والشفافية والتواصل والإحساس بأن هناك من يسمع شكواهم وهنا يمكن القول إن السفارة خسرت جزءاً مهماً من معركة الثقة فالمواطن قد يتفهم ضعف الإمكانات لكنه لا يتفهم التجاهل وقد يقبل بطول الإجراءات لكنه لا يقبل غياب المعلومة وقد يصبر على الأزمة لكنه لا يصبر على الشعور بأن صوته لا يصل.

 

*بين ظلم السفير وظلم الجالية :*

 

الحقيقة أن طرفي المعادلة يملكان جزءاً من الحق فمن الظلم تحميل السفير مسؤولية انهيار دولة وحرب لم يكن سبباً فيها ومن الظلم أيضاً تجاهل حالة الإحباط والخذلان التي شعر بها آلاف السودانيين خلال سنوات الحرب لقد وجد عدوي نفسه في قلب عاصفة أكبر من أي سفير..

لكن السفارة في المقابل لم تنجح دائماً في بناء الجسور التي تجعل المواطن يشعر أن دولته ما زالت إلى جانبه.

 

*نقطة نظام أخيرة :*

ليست القضية قضية عماد الدين عدوي وحده فالرجل سيرحل كما رحل غيره لكن السؤال الذي سيبقى بعد رحيله هو كيف تعاملت الدولة السودانية مع أكبر موجة نزوح في تاريخها الحديث وهل كانت مؤسساتها الخارجية مستعدة لمثل هذا الامتحان وهل تعلمت من هذه التجربة القاسية ما يجعلها أكثر قدرة على حماية مواطنيها مستقبلاً ربما ظلم السودانيون سفيرهم عندما حملوه أوزار وطن كامل ينهار تحت الحرب وربما ظلمتهم سفارتهم عندما عجزت عن أن تكون بحجم آلامهم وتطلعاتهم لكن الحقيقة التي لا خلاف حولها أن الحرب كانت أكبر من الجميع أكبر من السفير وأكبر من السفارة وأكبر من قدرة أي مؤسسة على احتواء كل هذا القدر من المأساة

ويبقى المواطن السوداني وحده هو من دفع الثمن كاملاً وما زال يدفعه حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى