سودان الحرب.. مهددات الأمن “الغذائي” القومي

ملح الأرض 

بقلم/ خالد ماسا

 

“الإنتاج من الحبوب في السودان في موسم ٢٠٢٥/٢٠٢٦م انخفض بما تعادل نسبته ٢٢% من إنتاجية الموسم السابق، وما تساوي نسبته ٢٧% في موسم ما قبل الحرب ٢٠٢٢/٢٠٢٣م، وبما يمكن قياس المتوسط فيه من التراجع خلال خمس سنوات بما يعادل ٢٥%، والمتوقع في هذه النسب المتراجعة هو الزيادة بحسب الانخفاض في مستوى الأمطار في موسم ٢٠٢٦/٢٠٢٧م”..

بهذه المعلومات المرعبة بدأت FEWS NET – Food Security “شبكة الإنذار المبكر للمجاعة” تقريرها الذي يغطي الفترة من يناير ٢٠٢٦م وحتى يناير ٢٠٢٧م.

وقالت باستمرار حالة الطوارئ الغذائية في أجزاء واسعة من السودان، بل وأكدت في تقريرها بأن هنالك “خطر موثوق” بالمجاعة يتهدد عددًا من المناطق بحلول يناير ٢٠٢٧م، وبالضرورة فإن التقرير كان قد تحدث عن الأسباب، والتي أرجعها لاستمرار الصراع في السودان وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إضافة لشح الأمطار هذا الموسم.

(*) محطة ما قبل “المجاعة”..

المخيف غير الأرقام والإفادات التي رصدتها شبكة الإنذار المبكر هو أن يخرج علينا من يسأل “هي وينها المجاعة؟” باعتبار أن هذا الإنذار من الممكن أن يدخل ضمن مصفوفة “التآمر” على الدولة السودانية كتفًا بكتف اتهامات حيازة واستخدام السلاح الكيميائي، على الرغم من أننا هنا لسنا في حاجة للجان المجتمع الدولي وخبرائه، بل ويعتبر ما جاء في التقرير أعلاه “نافلة قول”، باعتبار أن السوق يحدثنا الآن باللغة التي نفهمها ونفهم النُذُر التي يبشر بها، وتكفينا نظرة إلى السماء لنفهم بأن السماء هذا العام قد عزّت سُحبها على المزارعين، وأن الحرب وعلى اتساع نيرانها تناقصت في مقابلها الأراضي المزروعة في السودان بعروتيه الصيفية والشتوية.

في الأشهر العجاف أغسطس وسبتمبر يضرب الجفاف وتلامس أحوال الأرض خطوط المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، ولمن لا يعلم شيئًا عن هذا المستوى نقول له باختصار: هي المحطة قبل الأخيرة والمفضية لمرحلة المجاعة بجغرافيا تشكل ولايات دارفور الكبرى وأجزاء واسعة من ولايات كردفان والنيل الأزرق، والذي لا شك فيه هو أن هذه الجغرافيا تصنعها نيران الحرب وإهمال اللادولة في الجغرافيا التي تسيطر عليها المليشيا.

مع هذه القراءات فإن التهديد بوصول المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل يحاصر المواطنين في كرنوي وأم برو والطينة وكادوقلي والدلنج، والخطر يتمدد بينما العقل في السودان مشغول بضبيبينة “الحوار” و”غلوطية” السلاح الكيميائي.

تناول هذا الموضوع من زوايا أنه فقط أزمة في الغذاء يستطيع السودان تجاوزها بشيء من “الفهلوة” السياسية والشطارة في طلب الدعومات فيه ابتسار لأمر جلل يستوجب التعامل معه بمسؤولية أكبر من حالة “الطناش” لمهدد حقيقي يحيق بالشعب السوداني بسبب الحرب وبأسباب أخرى.

التعقيد في هذه المسألة هي أن الحرب تعرف كيف تضع قيودها، فالمزارعون الآن صاروا غير قادرين على الوصول إلى “الغيط” لأن الرصاص يتربص بهم هناك، والحرب تقطع الطرق الرابطة بين مناطق الإنتاج ومناطق تسويق المنتجات الزراعية، وتضخم وانهيار في المنظومة الاقتصادية تجعل المواطن السوداني عاجزًا عن شراء احتياجاته الضرورية، هذا مع شح واضح في الأمطار، وهنا يمكننا أن نستبين ملامح وجه الخطر في السودان بانقطاع سلاسل غذائية تبدأ من دوائر الإنتاج في المزرعة، ثم تتعطل وسائل النقل، وترتفع التكاليف بسبب ندرة أو غلاء الوقود، وتناقص القدرة الشرائية بما يسبب الكساد والانكماش الاقتصادي المريع، وكل ذلك يعتبر صناعة خاصة وغزلًا تغزله الحرب بحبالها حول رقبة المواطن السوداني.

ولا أظننا بحاجة للتذكير بسوء التخطيط الزراعي في السودان، وأن كل المشاكل والأزمات المرحلة منذ زمن بعيد في عدم تقدير خطورة الاعتماد بشكل كلي على الزراعة المطرية في السودان، وعمليات الهدر الكبيرة في حصص السودان من مياه النيل والأنهار الموسمية المغذية له، والسودان بلد يعتمد بدرجة كبيرة في إنتاج الحبوب والمحاصيل على الزراعة المطرية، وبالتالي فإن موسم الأمطار ليس مجرد موسم زراعي، بل هو موسم يؤثر في البناء الاقتصادي والاجتماعي والغذائي بشكل كامل.

ما لا يراه البعض الآن من تأثيرات الحرب على المواطنين هي أنها عزلت المنتجين من المزارعين، وأن المساحات الزراعية وأراضي إنتاج المحاصيل في المناطق التي تعرف الآن بأنها جغرافيا النزاع تشهد صعوبات في تمويل العمليات الزراعية بمراحلها المختلفة، وأصبح الاستثمار في المجال الزراعي ولو في حدود ومساحات لا تتعدى ١٠% إلى ٣٠% من المساحات المستهدفة بالزراعة مجازفة غير مضمونة من المزارعين، ليحجم الرأسمال عن الدخول في مراهنات مع المدافع والرصاص، فالزراعة رأسمالها المهم إلى جانب ذلك هو “المواقيت” المتعلقة بالتحضير “الكديب” والأسمدة ووصول الوقود وكل مدخلات الزراعة، عطفًا على أن نجاة المزارع نفسه من رصاص الحرب لا تجعل أرضه ومدخلاته وآلياته وبذوره في منجاة منها، والحرب لا تنتظر المزارع ولحظة الحصاد حتى تقتل الإنتاج وما تنبته الأرض من حبوب ومحاصيل، بل هي تبدأ بقتل الموسم منذ لحظة الزراعة الأولى.

الأمر هنا عندما يتعلق بدراسة جدلية الحرب والجوع لا يحتاج لتقارير “مخجوجة” للجان دولية غير مستقلة عن موازنات المجتمع الدولي، ولا خبراء من “معاشيي” المنظمات الدولية، فأرقام عمليات “التمويل الزراعي” في المصارف والبنوك تقول بأنه لم يتجاوز ٢١% في ٢٠٢٥م من مستواه قبل الحرب ٢٠٢٢م، وأنه لم تُقدم “قروض” في ولايات دارفور وكردفان والجزيرة وحتى الولاية الشمالية خلال ذلك العام، الشيء الذي يؤكد ولا يدع مجالًا للشك في أن السياسات العامة للدولة لا تضع أي اعتبار لمسائل الأمن الغذائي الوطني، بحيث لا توجد سياسات واضحة لتمويل الموسم الزراعي.

شح الأمطار الذي يتأثر به السودان هذا العام لا يأتي فوق أرض طبيعية مستقرة كما هو الحال قبل الحرب، وإنما فوق أرض دمرتها الحرب، إضافة إلى توقعات نشرتها مراكز وخبراء المناخ والأرصاد الجوي تشير بوضوح إلى أن الأمطار هذا العام ستكون دون المتوسط، ويصاحب ذلك ارتفاع كبير في درجات الحرارة الذي يزيد من التبخر والإجهاد المائي للمحاصيل والمراعي، والجفاف في حد ذاته تتباين تعريفاته، فهو في دولة مستقرة لا يعدو كونه أزمة مناخية، أما في حالة كالتي عليها السودان حاليًا فهو أزمة غذاء واقتصاد ونزوح وصحة وأمن.

في أوقات السلم التي عاشها السودان أيضًا عرف السودان مستويات منخفضة من الإنتاج الزراعي لأسباب متعددة، ولكن كان الاستقرار العام يعطي مساحات حرة للمعالجات، سواء بالاستيراد أو المعونات أو التمويل من المنظمات الإقليمية والدولية، وهذا ما لم يعد متاحًا بسبب ما تفرضه الحرب من ظروف، إضافة لاجتماع المصائب على المصابين من السودانيين بالحرب وتكاليف النزوح واللجوء وتراجع المساعدات، لتصبح الأزمة والمشكلة ليست في أن السودان قد ينتج غذاءً أقل بسبب الحرب، بل في أن المشكلة أن السودانيين سيكونون أقل قدرة على إنتاج الغذاء وأقل قدرة على شراء احتياجاتهم الأساسية.

الحرب عزيزي القارئ خربت حتى خرائط الإنتاج الزراعي المتعارف عليها منذ زمن بعيد في السودان، حيث تسببت الحرب في الإخلال بظروف ولايات كانت تحقق الفائض من إنتاج الحبوب وحولتها إلى مناطق تعاني الشح والعجز قبل حلول موسم حصاد ٢٠٢٧م واستنزاف كامل للمخزون الاستراتيجي، ووفقًا لذلك سنكون أمام سؤال تصعب الإجابة عليه .. من أين سيحصل السودانيون على غذائهم ومناطق الإنتاج تعاني كل هذا العجز؟

الحرب الآن ترسم مسارات انهيار الخريطة التقليدية للأمن الغذائي السوداني، ولم تعد خطورة الأمر فقط في «كم سينتج السودان؟»، وإنما الخطورة في أين ينتج السودانيون محاصيلهم، ومن يستطيع الوصول إلى هذا الإنتاج، وكيف ستنتقل المحاصيل والحبوب من مناطق الفائض إلى مناطق العجز؟

عندما كانت الأصوات ترتفع بضرورة ألا تكون الأعيان المدنية جزءًا من أهداف الحرب، كان المقصود هو أيضًا شبكة الطرق والجسور والمخازن والبنية التحتية التي يعتمد الأمن الغذائي عليها كليًا ويتأثر مباشرة بأي أضرار تلحق بها.

وقد لا يكون من المستطاع القفز في الأرقام التي أوردها تقرير FEWS NET “شبكة الإنذار المبكر للمجاعة”، وهي التي تقول إن أسعار الذرة الرفيعة والدخن ارتفعت بين أبريل ومايو بنسبة 10–15%، وأن أسعارهما على المستوى الوطني كانت أعلى من متوسط السنوات الخمس بنحو 125–200%، والمحصولان أعلاه يمثلان الرقم الصحيح في سلسلة غذاء السودانيين، وأن البدائل الأخرى بالتأكيد غير متاحة، وهي الأغلى سعرًا والأبعد من متناول الأسر السودانية البسيطة المتأثرة بالحرب، كنتيجة طبيعية للارتفاع الكبير في أسعار الوقود والأسمدة.

وقد ترى وزارة الزراعة بأن الحل لهذه الأزمة يكمن في زيادة الإنتاج، إلا أنها لا تجري حسابًا دقيقًا للتكاليف المرتبطة بعملية زيادة الإنتاج من وقود ونقل وتأمين الأسواق وتوفير مواعين التخزين وعملة وطنية مستقرة.

وهي نفسها بالتأكيد لا تنتبه إلى أن الفجوة الغذائية التي يخلفها ضعف الإنتاج يستلزم تغطيتها بزيادة واردات الحبوب والمحاصيل، لنصطدم بضعف الاحتياط من النقد الأجنبي وارتفاع سعر الدولار بارتفاع الطلب عليه، وبالتالي يحشر المواطن السودان بين مطرقة العجز عن إنتاج الغذاء وسندان العجز عن شرائه.

وزارة الثروة الحيوانية ليست بعيدة عن هذه المخاطر التي ذكرناها عن الزراعة وإنتاج المحاصيل، فما حاق بها يشابه ما حدث في الزراعة وأكثر، بفقدان المراعي وتأثيرها على الثروة الحيوانية، ونهب وسلب كل ما يملكه الرعاة أثناء الحرب، وتدمير ثروات البلاد في مراكز البحوث وتحسين النسل والحفاظ عليها، ووصول الخدمات البيطرية لأدنى مستوياتها، ولك أن تعلم عزيزي القارئ بأن اجتهاد وزارة الثروة الحيوانية في موضوعات “التطعيم” والتحصين الذي بذلته مؤخرًا وصل لما هو أقل من ١٠% من القطيع القومي، الشيء الذي ينبئ بمخاطر جمة عليه وعلى الثروات السودانية المتأثرة أصلًا بشح الأمطار الذي تناولنا أمره في الزراعة.

المجاعة في تعريفها لا تعني ببساطة ارتفاع أسعار الطعام أو قلة المحصول، لكن خطرها يتعاظم عندما تتقاطع فجوات استهلاك الغذاء مع سوء التغذية والوفيات وانهيار النظام الصحي، وهذا بالضبط ما يجعل الإنذار الذي أطلقته شبكة الإنذار المبكر للمجاعة تحذيرًا عالي الخطورة، ويجب التعامل معه بجدية لتدارك الأمور قبل أن تخرج عن السيطرة، والنظر إلى أن هناك خطرًا موثوقًا للمجاعة في سبع مناطق على الأقل في مناطق شمال وغرب ووسط وشمال دارفور، إضافة إلى الدلنج وكادوقلي والمناطق المحيطة بهما في جنوب كردفان، وفي بعض المناطق تجاوز سوء التغذية الحاد بالفعل مستويات حرجة للغاية بسبب اشتعال القتال.

وهنا أيضًا تطل عورات التعامل الدولي مع أزمة الحرب في السودان، فعلى الرغم من الإصرار على كتابة ضرورة فتح المعابر الحدودية والمسارات لإدخال المساعدات الإنسانية في كل بيان وتقرير للمنظمات والدول في روشتة الحل للأزمة السودانية، إلا أن الأرقام تفضح التقصير الدولي لتقول بأنه وفي شهر مايو من هذا العام وصلت المساعدات الغذائية والنقدية إلى 3.2 ملايين شخص فقط من المتأثرين بالحرب من السودانيين، أي أقل من 20% من التقديرات الحقيقية للمحتاجين للمساعدات الغذائية، مع أن واحدة من تعريفات الأمن الغذائي ليس فقط توافر الغذاء، وإنما في إمكانية الوصول إليه والقدرة على استخدامه.

بهذا يجب أن تنتبه الحكومة التنفيذية إلى أن ذروة سنام الخطر على الأمن الغذائي في السودان لا تتمثل فقط الآن، بل في أن شح الأمطار الحالي قد تظهر آثاره بقوة في فبراير إلى مايو من العام القادم، وذلك عندما تنفد مخزونات الغذاء والمحاصيل المنتجة محليًا في وقت مبكر وعكس ما هو معتاد.

لا خلاف حول أن الحرب هي العامل الأساسي وراء تراجع الإنتاج وتهديد الأمن الغذائي، بينما يأتي شح الأمطار هذا العام ليضاعف الأزمة، ولكن دعونا نتفق في أن هشاشة السياسات الزراعية والإنتاجية ظلت تلعب دورًا كبيرًا في تهديد الأمن الغذائي في السودان.

حزمة من الحلول هي التي تعتبر طوقًا للنجاة من الغرق في لجة الحرب وآثارها على الأمن الغذائي، تبدأ من حماية الموسم الزراعي واعتبار الموسم الزراعي أولوية أمن قومي وليس ملفًا خدميًا عاديًا تبحث فيه الدولة، وتوفير ممرات آمنة للمزارعين، وضمان وصولهم إلى الأراضي ومستلزمات الإنتاج، والتنسيق مع القطاع المصرفي لتوفير ما يلزم من تمويل ودعم لمدخلات الإنتاج، وتحسين شبكات الطرق، والصرامة في ردع شبكات التحصيل غير الرسمي للضرائب في الطرق الرابطة بين مناطق الإنتاج والأسواق، واجتهاد الدولة على أعلى مستوياتها في بناء مخزون غذائي استراتيجي وخطة طوارئ لتدارك آثار نقص المياه في المزارع والمراعي.

يجب أن ندرك أيضًا بأن كل الخطط الزراعية والحلول التي أشرنا إليها، وكل شحنات البذور وكل الأسمدة وكل المساعدات الإنسانية إن سمح بمرورها، ستظل حلولًا مؤقتة إذا استمرت الحرب في تدمير القدرة على الإنتاج والنقل والتجارة، فالسودانيون لا يحتاجون فقط إلى مساعدات إنسانية تصل إلى المناطق المتضررة من الحرب، بل يحتاجون إلى أن تتوقف الحرب نفسها والتي جعلتهم ينتظرون المساعدات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى