والي جنوب دارفور بشير مرسال في حوار مع “العودة”

المليشيا حولت “نيالا” إلى ثكنة للفوضى.. والتحرير قاب قوسين أو أدنى
كل من شارك في تدمير الولاية سيقدم للمحاكمة
المواطنون الذين نزحوا حتماً سيعودون، وأعددنا العدة لذلك
المليشيا لا تقدم خدمات، بل تقدم الموت والدمار والاقتتال
1.3 مليون نازح من جنوب دارفور والعمل جارٍ للعودة
إيقاف 413 موظفاً بتهمة التعاون مع المليشيا
قريباً سنحتفل في “وادي بريلي” بالتحرير
التمرد الآن في بقعة ضيقة من السودان
——
في ظل التحديات المصيرية التي يمر بها السودان وتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، تبرز ولاية جنوب دارفور كواحدة من أكثر المناطق تأثراً بتعقيدات المشهد الأمني والإنساني. تكتسب هذه الولاية أهميتها الاستراتيجية ليس فقط لكونها خزاناً بشرياً واقتصادياً مهماً، بل لمحاولات القوى المتمردة فرض واقع سياسي موازٍ من داخلها، فيما يُعرف بـ”حكومة التأسيس”.
في هذا الحوار الشامل، نناقش مع والي ولاية جنوب دارفور، “بشير مرسال”، المشهد الميداني والخدمي والسياسي للولاية في ظل سيطرة مليشيا الدعم السريع. يسلط الوالي الضوء على مآلات “قانون الغاب” الذي بات يحكم نيالا، وكيف تحولت المدينة من مركز تجاري حيوي إلى بؤرة للصراعات والانتهاكات الجسيمة. ويتطرق اللقاء إلى تفاصيل دقيقة حول إدارة شؤون الولاية من خارج نطاق سيطرة المتمردين، وجهود استعادة مؤسسات الخدمة المدنية، وملفات النزوح واللجوء، وصولاً إلى استراتيجية “المقاومة الشعبية” والترتيبات الجارية لتحرير الولاية وإعادة الإعمار. كما يكشف الوالي عن الملفات القانونية المفتوحة ضد المتورطين في الانتهاكات، مؤكداً أن العدالة هي المسار الثابت الذي لا رجعة عنه، مستشرفاً في الوقت ذاته آفاق المستقبل في ظل بشريات النصر القادم وبناء نسيج اجتماعي متماسك يعيد لجنوب دارفور أمنها واستقرارها.
حوار: عماد النظيف

*كيف تصف لنا الوضع العام في ولاية جنوب دارفور في ظل سيطرة الدعم السريع عليها بالكامل؟
الوضع في ولاية جنوب دارفور، بكل صراحة، وضع فوضوي يسوده الاقتتال بين المليشيات، وواقع أمني متدهور للغاية غاب فيه القانون تماماً. إنه وضع يسوده الهرج والمرج، وتتحكم فيه أهواء القبائل والعشائر والمليشيات التي لا تملك أي وازع ديني أو قانوني. إنه وضع متردٍ حقاً في كل أرجاء الولاية؛ فأينما غاب القانون سادت الفوضى والاقتتال. هذا هو حال ولايتنا اليوم.
* كيف تنظرون إلى مدينة “نيالا” في الوقت الحالي، خاصة بعد تحويلها من قبل الدعم السريع إلى عاصمة لـ “حكومة التأسيس” الموازية؟
مدينة نيالا، كما هو معلوم، من أكبر ولايات السودان اقتصادياً، وهي مدينة ذات حركة تجارية دؤوبة ونشطة، وتعد ملتقى للطرق؛ إذ يمر بها خط السكة حديد، وطريق الإنقاذ الغربي، وطريق “نيالا – الفاشر – الجنينة” الذي يربطنا بغرب أفريقيا، فضلاً عن طريق “نيالا – الضعين”، وطريق جنوب السودان. هي مدينة نشطة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مدينة حركة وإنتاج.
ولكن، مع تمركز المليشيا في جنوب دارفور ومحاولتها جعل نيالا عاصمة لما يسمى بـ”التأسيس”، بات يسودها “قانون الغاب”. معظم السكان الأصليين نزحوا من نيالا وحل محلهم قادمون من خارج الولاية، وكثير من المرتزقة من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى موالين للمليشيا جلبوهم من البادية واستقروا في منازل المواطنين. وهم الآن يدّعون أنهم يؤسسون لحكومة، بينما أفعالهم على أرض الواقع تثبت عكس ذلك؛ فهم منشغلون بالاقتتال المستمر بين الفصائل المكونة للمليشيا (الرزيقات والمسيرية، الرزيقات والفلاتة، الرزيقات وبني هلبة، وغيرها). لقد استهدفوا التجار والقانونيين ورجال التعليم وكبار الموظفين، والآن صاروا يستهدفون بعضهم البعض. إنهم يؤسسون للتخريب والدمار والفوضى الشاملة.
* كيف تقيمون واقع الخدمات فيها تحت هذه الإدارة؟
أما عن الخدمات، فالمليشيا لا تقدم خدمات، بل تقدم الموت والدمار. تقذف بكل من يخالفها الرأي في السجون، وتختطف البعض طلباً للفدية، وتفتعل قضايا النظام العام. همّهم الوحيد هو التحصيل والجباية من المواطن عنوة. وما حرق الأسواق الكبرى في نيالا (موقف الجنينة، السوق الشعبي، والسوق الجنوبي) إلا دليل على ذلك. لقد سلبوا حقوق التجار في إطار ما يسمى بـ”التأسيس”. وحتى محاولاتهم تشغيل المياه انتهت بإقالة مدير الهيئة بتهمة الاختلاس، كما أودعوا وزير المالية “دقريس ” السجن بتهمة اختلاس أموال كبيرة؛ فالحقيقة أنه لا قانون، وبالتالي لا توجد خدمات.

*كيف تديرون ولاية جنوب دارفور من خارجها؟ وكيف تتجاوزون فجوة التواصل بينكم وبين الجهاز التنفيذي داخل نيالا؟
في ظل التكنولوجيا وتطور وسائل التواصل، أصبح كل شيء ممكناً. لقد جعلنا المقاومة في صدارة خطتنا؛ إيماناً منا بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة. منذ انسحاب الفرقة في 16 أكتوبر 2023، بدأنا ترتيب صفوف القوات والمقاومة الشعبية وحشد المستنفرين. نجحنا في تخريج أكثر من دفعتين من المقاومة الشعبية، قوامها أكثر من 1600 مقاوم، وبالتنسيق مع مقاومة الإقليم تم تخريج أكثر من 2200 مقاتل، وهم الآن نواة القوة الصلبة لتحرير ولايات دارفور وكردفان.
في الشأن الإنساني، لدينا أكثر من مليون و317 ألف نازح، ندير ملفهم بالتنسيق مع مفوضية العون الإنساني الاتحادية ووزارة المالية، وقد قدمنا لهم الكثير من المعينات الإنسانية بالتنسيق مع الولايات الآمنة. أما في الخدمة المدنية، فنحن نتابع أوضاع موظفينا (أكثر من 31 ألف عامل) الذين نزحوا إلى ولايات أخرى، ونجحنا في إجلاء الكثير من القيادات إلى هذه المواقع، وبفضل انتظام صرف المرتبات الشهرية، استطعنا إيصال الأجور لهم في مواقع نزوحهم.
كذلك ندير ملفاً قانونياً كبيراً؛ فقد تابعتم صدور الأحكام في قضية قتلة الشهيد خميس أبكر، الوالي السابق لغرب دارفور. ونحن فتحنا بلاغات ضد كل الذين انتهكوا حرمات الولاية ودمروها، وسيقدمون للمحاكمات تباعاً. كما نعمل على ملف السلام عبر التواصل مع المجتمعات المحلية لتحييدهم عن المليشيا، وقد حققنا نجاحاً كبيراً. وأخيراً، أعددنا ملفات إعادة الإعمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية، ونحن جاهزون لتنفيذها فور تحرير الولاية.
* ما هي أبرز الانتهاكات التي تم رصدها في الولاية؟
أسوأ نماذج الانتهاكات كانت في إقليم دارفور. نفس الانتهاكات التي جرت في الخرطوم والجزيرة، جرت هنا بصورة أعنف. شاهدنا مشاهد مروعة، مثل حفر الناس قبورهم بأيديهم، والتمثيل بجثمان القائد الشهيد خميس أبكر، وصلب النساء في الفاشر. القتل بلا قانون وسلب الممتلكات والانتهاكات الفظيعة هي السمة الغالبة.
ما يحدث في سجن “دقريس” والسجون الأخرى أمر مروع. يجوعون السجناء ويحشرونهم في مساحات ضيقة. وحسب روايات من خرجوا من “دقريس”، هناك غرف بمساحة 4×4 تضم أكثر من 50 إلى 55 معتقلاً، في ظروف إنسانية سيئة، بلا ماء ولا غذاء ولا دواء. بل صاروا أسوأ من ذلك، إذ يسرقون الأعضاء الداخلية للسجناء في جريمة منظمة.
ومع ذلك، فإن المنظمات الإنسانية العاملة في جنوب دارفور أغلبها تتعاون بشكل مباشر مع المليشيا؛ سياراتهم وشاحناتهم هي التي تنقل أسلحة المليشيا باسم المساعدات الإنسانية. لذلك كان لابد لنا في الملف القانوني من فتح بلاغات ضد هؤلاء المتجاوزين. والـ15 شخصاً الذين حوكموا بالمادة 130 من القانون الجنائي لسنة 1991 هم البداية فقط.
*اتخذتم قرارات أوقفتم بموجبها عدداً من العاملين بتهمة التعاون مع المليشيا؛ كم عددهم وما هي معاييركم؟
بمجرد إعلان الحكومة المدنية لولاية جنوب دارفور في مايو 2025، تم تعليق العمل في كل الوزارات باستثناء الكوادر الصحية غير الإدارية. كل من ثبت تعاونه طوعاً مع المليشيا فتحنا فيهم بلاغات وأوقفناهم من الخدمة المدنية. لقد أوقفنا 413 موظفاً كدفعة أولى، وما زلنا نرصد ونتابع، وسنقدم كل من شارك في “إدارة التأسيس” للمحاكمة.
*تنشط النزاعات القبلية في جنوب دارفور، برأيك ما السبب؟
الخطة العامة للقوى الخارجية الصهيونية العالمية هي تفكيك السودان إلى دويلات، وهذا لم يكن ليتم إلا بتحريض المجتمعات القبلية، أو استمالة بعض النخبة من المثقفين السودانيين، أو افتعال مشاكل بين المكونات الاجتماعية. نحن في جنوب دارفور مخزن للموارد، لذلك استمالوا زعماء القبائل. وقبل الحرب بشهرين، معظم زعماء الإدارة الأهلية ذهبوا للخرطوم، ورسموا خطة لقيادة المليشيا آنذاك، وفتحوا المطارات، وأتوا بوفود للتهنئة باستلام السودان. دولة الإمارات دفعت أموالاً طائلة للإدارة الأهلية، وتم تمليكهم عمارات في الخرطوم وسيارات فارهة، وهذا واحد من الأسباب.
*كيف تعلقون على الأحداث القبلية بين السلامات وبني هلبة؟
عملت المليشيا على إشعال الفتنة بين المكونات الاجتماعية، والخلافات وصلت للقتال داخل مدينة نيالا، مما أدى لنهب الأسواق وتصفية المواطنين في منازلهم.
* ما هو موقفكم من “المقاومة الشعبية” في جنوب دارفور؟
نحن نركز عليها بشكل كبير، وقد استنفرنا الكثيرين من ولايات السودان المختلفة، وهم الآن في الصفوف الأمامية ويبلون بلاءً حسناً في كل المحاور.
* متى يتم تحرير ولاية جنوب دارفور؟
من ينظر للحالة السودانية كان يقول متى تتحرر الخرطوم لأن بها الفرق الرئيسية وحتى منازل المواطنين محتلة، لكن بفضل ثبات القوات المسلحة والمستنفرين وبفضل حكمة القيادة اليقظة، الآن التمرد في بقعة ضيقة من السودان في كردفان ودارفور. وبعد تحرير الكرمك وتمشيط الشريط الحدودي، الآن قوتنا في مرمى حجر من الجنينة، والتحرير قريب إن شاء الله
* كلمة أخيرة لمواطني الولاية؟
مواطنو جنوب دارفور الذين نزحوا في عدد من ولايات السودان أو لجأوا إلى دول الجوار، حتماً سيعودون؛ لقد أعددنا العدة وسيعود الجميع بعد التحرير، مستفيدين من تجربة ولاية الخرطوم في العودة الطوعية وإعادة الإعمار.
نحن جاهزون مع بشريات النصر الذي يلوح في الأفق؛ نبشرهم بأنهم سيعودون لديارهم، وسنعيد إعمار ما دمرته الحرب في ظل نسيج اجتماعي محكم. وإن كانت للحرب حسنة، فهي أننا توحدنا في جنوب دارفور على قلب رجل واحد. نأمل قريباً أن يتم التحرير لنحتفل في وادي “بريلي”، ونعيد بناء ما دمرته الحرب في ظل إدارة شفافة.




