الخارطة الحكومية والمقترح الأمريكي.. صراع السيادة والإرادة في كواليس التفاوض

مسارات متعثرة نحو السلام: “الانسحاب الشامل” يعيد صياغة شروط اللعبة
محلل سياسي:رفض تدويل الأزمة هو الطريق الوحيد لإنقاذ السودان
خبير استراتيجي: التسوية يجب أن تنطلق من السيادة الوطنية والحوار الشامل
قراءة المبادرة الأمريكية في ضوء المتغيرات العسكرية
تقرير – عماد النظيف
تقف الأزمة السودانية اليوم على مفترق طرق حاسم، تتشابك فيه المعطيات الميدانية مع التعقيدات الدبلوماسية. ففي خضم الحراك الدولي والإقليمي الساعي لإنهاء الحرب، تبرز فجوة واسعة بين المقاربات الخارجية التي تميل إلى الحلول المرحلية والتكتيكية، والرؤية الاستراتيجية للحكومة السودانية التي تضع “السيادة الوطنية” كشرط أولي غير قابل للمساومة. يسلط هذا التقرير الضوء على التجاذبات بين “الانسحاب الشامل” الذي تشترطه الخرطوم، وتفاصيل “المقترح الأمريكي”، راصداً أبعاد المواقف الرسمية وقراءات الخبراء لمستقبل السلام ومآلاته في السودان.
المبادرة الوطنية
تتمسك الحكومة السودانية برؤية استراتيجية للسلام تضع “السيادة الوطنية” و”مرجعية اتفاق جوبا” في صدارة أولوياتها، وهي الرؤية التي تبلورت في المبادرة الوطنية الشاملة التي قدمها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي في 22 ديسمبر 2025. واليوم، ومع ظهور معطيات تفاوضية جديدة، تؤكد الخرطوم أن ثوابتها التي أعلنتها في نيويورك لا تزال تشكل العمود الفقري لردودها على أي مبادرات دولية.
في ديسمبر الماضي، طرحت الحكومة رؤية “قومية بملكية سودانية خالصة” لإنهاء الأزمة، ارتكزت على الوقف الشامل لإطلاق النار تحت رقابة إقليمية ودولية. وشددت المبادرة حينها على ضرورة انسحاب قوات “الدعم السريع” من الأعيان المدنية والمناطق المحمية وتجميع مقاتليها في معسكرات محددة تمهيداً لنزع سلاحها، مع التحذير من مساعي “التدويل” القسري والتلويح بفرض عقوبات تحت بند “الفصل السابع”، مطالبةً برفع العقوبات الاقتصادية لدعم جهود إعادة الإعمار.
الرد على واشنطن
في سياق متصل، كشفت وثائق اطلعت عليها “رويترز” أن الحكومة السودانية تعاملت مع المقترح الأمريكي الأخير –الذي طُرح الشهر الماضي– بنفس المبدأ الاستراتيجي. ففي حين تضمن المقترح الأمريكي هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً وآلية بقيادة الأمم المتحدة لدعم “انسحاب محدود” لقوات الدعم السريع في شمال دارفور وشمال كردفان، جاء الرد الحكومي في 25 يونيو مشروطاً بتوسيع نطاق هذه العملية.
وأكد مسؤولون كبار أن الحكومة، رغم موافقتها على معظم بنود المقترح الأمريكي، اعترضت على “مبدأ الانسحاب المحدود”، مطالبةً في مذكرتها بأن تشمل الخطة انسحاب قوات الدعم السريع بالكامل من جميع المدن والمواقع التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023.
وقد وافقت الحكومة السودانية على مقترح سلام طرحته الولايات المتحدة يحدد خمس ركائز أساسية لحل النزاع المستمر، مبدية في ذات الوقت تحفظات حيال بعض نقاط المقترح الخاصة بالحوار السياسي والترتيبات الأمنية. ولم تعلن الحكومة السودانية عن هذه المقترحات رسمياً، لكن تسريبات متفرقة أكدت قبولها بالمقترح، حيث سلم وزير الخارجية السفير محي الدين سالم، المستشار الأمريكي الخاص للشؤون الأفريقية مسعد بولس في 25 يونيو الماضي بالقاهرة رداً رسمياً على البنود الأميركية، أظهر توافقاً ملحوظاً بين الطرفين.
علنية التفاوض
بالتوازي مع هذه التحركات، برزت أصوات سياسية تطالب بـ “علنية التفاوض” كضمانة للمشاركة الوطنية. وفي هذا الصدد، طالب القيادي في تحالف الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، بأن تجرى إجراءات التفاوض “في النور ووسط الجمهور”، مؤكداً أن قضايا الحرب والسلام ليست حكراً على جهة دون أخرى، وتابع في منشور عبر فيسبوك: “خلونا نكون واضحين وصريحين، نحن نرسم مستقبل بلادنا بكل تفاصيلها مع الآخرين”. يعكس هذا الموقف توجهاً لدى القوى السياسية الداعمة بضرورة تحصين التسوية بـ “الشرعية الشعبية”.

الشفافية والشمول
وفي السياق ذاته، أكد القيادي بالكتلة الديمقراطية ورئيس تحالف المجتمع المدني صلاح دار مسا في إفادة لـ “العودة” على ضرورة التوازن بين “السرية التكتيكية” للتفاوض و”حق الرأي العام في المساءلة”.
وقال دار مسا: “نحن لا ندعو إلى بث تفاصيل التفاوض لحظة بلحظة، لأن هناك جوانب فنية وتكتيكية تتطلب قدراً من السرية. لكننا نرفض أن تتحول السرية إلى غياب للمساءلة أو احتكار للقرار الوطني”.
واقترح آلية تقوم على ثلاثة محاور: “أولاً، إعلان المرجعيات والأهداف الوطنية قبل بدء أي تفاوض. ثانياً تقديم تنوير دوري للرأي العام والقوى السياسية حول ما تم التوصل إليه دون الإضرار بسير المفاوضات. وثالثاً، عدم اعتماد أي اتفاق نهائي قبل عرضه على القوى الوطنية لأن السلام المستدام لا يصنع في الغرف المغلقة وحدها وإنما يستمد شرعيته من قبول السودانيين له”.
وحذر من مغبة حصر العملية السياسية، وقال: “التجارب السابقة أثبتت أن حصر العملية السياسية بين أطراف محدودة لم ينتج استقراراً دائماً بل أدى إلى أزمات جديدة. السودان بلد متعدد وأي تسوية لا تستوعب هذا التنوع ستكون تسوية مؤقتة”.
وأضاف: “المسار السياسي يجب أن يكون سودانياً شاملاً يضم الكتل والقوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب والنازحين واللاجئين والمهجرين دون إقصاء”.
وفيما يتعلق بشرط الانسحاب، شدد على أن “الأصل هو انسحاب مليشيا الدعم السريع من المدن والأحياء السكنية والأعيان المدنية، وحصر قواتها في معسكرات بعيدة عن المدنيين، يمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح الهدنة، والمسار الإنساني، وترتيبات وقف إطلاق النار، وهو ما نص عليه إعلان جدة”.
وتابع: “لا يمكن إيصال المساعدات الإنسانية، أو تهيئة الظروف لعودة النازحين، في ظل استمرار وجود المليشيا داخل مناطق المدنيين. لذلك، فإن إخلاء المدن والقرى ومعسكرات النزوح من أي وجود مليشياوي يعد ضرورة إنسانية وأمنية لا تحتمل التأجيل”.
وحول المبادرات الدولية، قال: “أي مبادرة دولية تحترم سيادة السودان وتحافظ على وحدة أراضيه، وتساعد على وقف الحرب وعودة مؤسسات الدولة، فهي تستحق الدراسة والتفاعل الإيجابي. لكننا نرفض أن تتحول المبادرات الخارجية إلى بديل للإرادة الوطنية”.
واقترح في حال استمرار الجمود التفاوضي “إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة ومتوازية مع المسار العسكري، بحيث تستند إلى رؤية وطنية متفق عليها وتعالج جذور الأزمة وليس مظاهرها فقط، وتؤس لدولة المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون”.

السيادة والحوار
قال محي الدين محمد محي الدين، باحث ومحلل سياسي في قضايا الانتقال الديمقراطي، إن تباين المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية أمر “مفهوم” باعتبار أن رؤية العالم تنبع من المصالح الخاصة لكل طرف. وأضاف محي الدين في تصريحات لـ “العودة” أن المقترح الأمريكي الأخير جاء “مفارقاً بشكل كبير” للرؤية الوطنية التي طرحتها الحكومة السودانية.
وشدد المحلل السياسي على أن التمسك بمبدأ السيادة الوطنية يمثل “مسألة مهمة ومحورية”. واعتبر أن “تدويل القضايا وجلوس أطراف هي جزء من الأزمة إلى طاولة الوساطة” يعد بمثابة “منح لهذا الطرف ما فشل في تحقيقه عبر السلاح”. وحذر من الرضوخ للضغوط التي تمارسها ما يسمى بالمجتمع الدولي، قائلاً إن الهدف منها ليس “تحقيق سلام واستقرار” بل “تأجيل الأزمات”.
وتطرق محي الدين إلى ورقة العقوبات الاقتصادية، مؤكداً أن المجتمع الدولي “دائماً ما يلوح بعصا العقوبات”. وخلص إلى أن “الرضوخ للضغوط الاقتصادية يجب ألا يكون مبرراً للقبول بمطالب تمس السيادة الوطنية”.
وفيما يتعلق بالحوار السوداني-السوداني، اقترح أن تشمل أجندة الحوار قضايا “كيف يحكم السودان، الدستور، العلاقة بين المركز والولايات، تقسيم الموارد”. ودعا إلى أن تدار العملية عبر “آلية غير حكومية” تضم “تكنوقراط وأساتذة جامعات” لتوفير “سانحة لتوافق وطني”.

موازين القوى
دعا الدكتور إسماعيل الناير عثمان، مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية، إلى أن تنطلق أي تسوية للأزمة السودانية من مبدأ السيادة الوطنية والإرادة السودانية. وقال الناير، في إفادة لـ”العودة”، إن تباين مواقف المجتمع الدولي تحكمه مصالح الدول والقوى الإقليمية.
ويقول الدكتور إسماعيل الناير إنه يصعب قراءة المبادرة الأمريكية الأخيرة بمعزل عن المتغيرات العسكرية. ففي الميدان، حققت القوات المسلحة تقدماً في عدد من المحاور، شمل استعادة السيطرة على مدينة كلبس بغرب دارفور، والتقدم نحو مدينة الجنينة، إلى جانب استعادة مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق.
في ضوء هذه المعطيات، يرى الناير أن اشتراط الحكومة انسحاب قوات الدعم السريع من المدن يعكس تحولاً في موازين القوة. وأكد أن المعيار الحقيقي لا يكمن في خروج الدعم السريع من المدن فحسب، وإنما في قدرة القوات المسلحة والدولة على استثمار ذلك التحول عبر الانتشار السريع، وتأمين المدن، وإعادة تفعيل الشرطة والأجهزة العدلية.
ومن هذا المنظور، فإن المبادرة الأمريكية تبدو أقرب إلى محاولة لاحتواء نتائج التحولات الميدانية وإدارتها سياسياً. وفيما يتعلق بالحوار السوداني-السوداني، دعا الدكتور الناير إلى إطلاق حوار وطني شامل يناقش القضايا الجوهرية عبر آلية وطنية مستقلة تضم خبراء وأكاديميين.
الخاتمة
إن تمسك الحكومة بهذا الموقف يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقي لجدية الوساطات الدولية؛ فبينما يسعى الوسطاء لخفض سقف التصعيد عبر مقترحات “مرحلية ومحدودة”، تصر الخرطوم على استعادة كامل سيادتها الميدانية كشرط غير قابل للتجزئة. وبين هذين المسارين، يظل مستقبل السلام في السودان معلقاً بمدى قدرة الفاعلين الدوليين على مواءمة مقترحاتهم مع واقع الأرض.




