(يا ترى ماذا اصيرُ عندما اغدو كبيرا)

أصبحت السياسة في السودان (مهنة) تحقق الثراء
مهندسون وأطباء وصيادلة.. علقوا شهاداتهم المهنية على الحوائط و(اشتغلوا سياسة).. !
من الذي يدفع لهم الفواتير.. ومن اين تأتيهم أموال معاشهم في الحياة.. ؟
“يا ترى ماذا أصير عندما أغدو كبير ؟ هل ترى أغدو سفيراً أو وزيراً أم صحافياً كبير” ؟ كان هذا هو السؤال المفتاحي عندما كانت المهن أحلاماً، والامنيات وردية على بساط ريح (يا ماشي لي باريس، جيب لي معاك عريس، شرطاً يكون لبيس ومن هيئة التدريس).. وقتها كان المعلم قِبلةً للآمال، وهيئة التدريس هي عنوان عريض للوجاهة والاحترام، أما اليوم فلم يعد أحد يسأل ماذا سيكون؟ بل يسأل كيف سيأكل ؟ وهذا السؤال ليس وليد اللحظة فالسياسة في السودان لم تكن يوماً محطةً عارضة أو خياراً طارئاً بل كانت دائماً (مهنة قائمة بذاتها) لها أهلها وورثتها ومحترفوها، يتوارثونها جيلاً بعد جيل في زمن الرخاء وزمن الحرب في العاصمة والأقاليم، على كراسي الحكم، وفي غرف المعارضة سواء بسواء.
تركوا المشارط والمساطر ومكاتب المحاماة، شهاداتهم لا تزال مبروزةً على الحائط.. وأرزاقهم في المجهول.. واقتحموا السياسية ولكن من اين يأتي مصدر الرزق.. من الذي يدفع الفواتير.. ؟
_ شمائل النور: الصحافة والسياسة بشبهوا بعض تماماً ومصادر التمويل ممكن تكون واحدة
_ أصحاب المهن لـ “العودة”: المهنة تُبنى والسياسة تُكتسب
_ الجكومي: (محتاجين نعرف مصادر تمويل الأحزاب بكل شفافية)
_ الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية أول من أرسيا مبدأ التفرغ السياسي
_ “كدي وروني كادر من كوادر صمود شغال؟
_ خبير اقتصادي “الوصول إلى السلطة أربح من بناء مصنع”
تقرير: نشوة أحمد الطيب
لم تتردد شمائل النور الصحفية ذات الخبرة الممتدة في المشهد الإعلامي في توصيف مهنة الصحافة بعيداً عن المجاملة مؤكدةً أن ما تراه من تحولات في الوسط الصحفي والسياسي يستحق الوقوف عنده بصراحة تامة.
كشفت شمائل أنه لم يكن ثمة تصور واضح للمستقبل في سنواتها الأولى غير أن ملامح الطموح بدأت تتشكّل في مرحلة الثانوية حين رأت نفسها بين خيارين لا ثالث لهما: المحاماة أو الصحافة واختارت الصحافة.

مهنة جاحدة
وصفت شمائل مهنتها بأنها مهنة جاحدة تأخذ من صاحبها أكثر مما تعطيه، مرتبطة بالشقاء نفسياً ومادياً، وأرجعت ذلك إلى ارتباطها بالقيم والالتزام ومنظومة أخلاقية محددة، مما يجعل التعامل معها فيه من الصعوبة ما فيه. وأكدت أن المعادلة فيها مفارقة قاسية لا مفر منها، إذ قالت: “إذا أنتِ أخذتِ الصحافة بجدية، حتدفعي ثمن أكبر، وحتجني المكاسب المعنوية والاجتماعية بنفس القدر، لكن قد تكون مكاسبك الاقتصادية فيها مشكلة.” وأضافت من تجربتها أن كلما ارتفع الالتزام الأخلاقي وجدية الصحفي تجاه مهنته قلّت مكاسبه الاقتصادية وضاقت أمامه الفرص التي تُدرّ المال.
وأشارت إلى أن الصحافة جاحدة أيضاً لأن الغياب عنها ولو لفترة قصيرة يعني النسيان إلا في الأرشيف، أما القيمة المعنوية والاجتماعية فتُعطيها المهنة بسخاء، لكن بثمن باهظ للغاية.
ليست رفاهية
أكدت شمائل أن الصحافة ليست ترفاً أو خياراً اختيارياً بل مسألة ضرورية وينبغي أن تكون إلزامية لا سيما في مجتمعاتنا، وأوضحت أن الدولة التي تدعم صحافتها دعماً حقيقياً من منطلقات مبدئية لا لشرائها لصالح السلطة تكسب مجتمعها وسلطاتها الثلاث جميعاً.
وقالت إن الصحافة هي “برلمان الشعب الحقيقي، أكثر من البرلمان التقليدي الذي نعرفه كسلطة تشريعية.” وأشارت إلى أن هذا الموقف ينسحب على الصحافة بكل أشكالها ورقيةً كانت أم إلكترونية أم على مستوى النشاط غير الاحترافي في مواقع التواصل الاجتماعي.
أبدت شمائل تحفظها على توجيه أي شخص نحو مسار مهني بعينه مؤكدةً أن الصحافة لديها مطلوبات في شخصية الإنسان، فإن توفّرت فيه صفات محددة أمكنه أن يكون صحفياً ناجحاً، وإن لم تتوفر فقد يكون خصماً على المهنة لا رافداً لها.
وقالت إن ما تستطيع تقديمه لمن يستشيرها هو شيء واحد: “أن يكون لديه منظومة أخلاقية ملتزم بها في أي مهنة، سواء كان سائق تاكسي أو صحفياً أو ممرضاً.” وخلصت إلى أن ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس توجيه الناس نحو مهن بعينها، بل توجيههم نحو الالتزام الأخلاقي والقيمي، وهو ما تراه غائباً بشكل كبير.
السياسة والصحافة.. مصدر واحد
حين سألتها صحيفة العودة عن ظاهرة السياسيين الذين لا مصدر رزق واضح لهم، لم تتردد في الإجابة، مشيرةً إلى أن قانون الأحزاب في السودان كان يفترض أن يكون صارماً في مسألة مصادر التمويل غير أنه لم يكن كذلك. وصنّفت من خلال تجربتها الميدانية مصادر تمويل هؤلاء في ثلاث فئات: الفئة الأولى تموّلها السلطة القائمة نفسها، ويظهر ذلك جلياً في خطها السياسي. وضربت مثلاً: “زمان، المؤتمر الوطني عنده كمية هائلة من الأحزاب بيصرف عليها من مال الدولة ومال التنظيم اللي هو ذاته مال الدولة، ومشتري مواقفها بشكل كامل.” والفئة الثانية تموّلها محاور خارجية، وهو ما يظهر بدوره في خطها، أما الفئة الثالثة فهم من يتخذون من مهنهم غطاءً، غير أن المتأمل في نشاطهم يجد أن وقتهم كله وحياتهم كلها للسياسة، مما يُثير تساؤلاً مشروعاً: كيف يمارس هذا الشخص مهنته الأخرى؟ ثم مدّت شمائل هذه المعادلة لتشمل الوسط الصحفي ذاته، مشيرةً إلى نماذج من صحفيين وصحفيات يعيشون في رغد، بينما لا يُعرف لهم نص صحفي مشهود ولا صحيفة معروفة يعملون فيها ولا وكالة، ونشاطهم محصور في صفحاتهم الشخصية وخطهم داعم لطرف في السلطة أو في الطبقة السياسية. وختمت بحكم قاطع: “الصحافة والسياسة بيشبهوا بعض تماماً، ومصادر التمويل ممكن تكون واحدة: يا إما سلطة، يا إما أجهزة خارجية أو دول أو محاور، يا إما هو بائع موقفه.

القيمة لا يصنعها التصفيق
وإن كانت شمائل النور قد رصدت الظاهرة من نافذة الصحافة فإن معراج بغدادي تعيشها يومياً من موقع آخر موقع من اختارت أن تبني بيديها في بيئة لا تكافئ البناة.
لم تُخفِ معراج بغدادي صاحبة مشروع Miaraj Baghdadi Marketing المسجل رسمياً في السودان وذات الخبرة العشرية في التسويق وصناعة المحتوى ما تراه من فجوة حقيقية بين من يبنون ومن يُكافَؤون في المشهد السوداني الراهن.
أوضحت معراج أنها لم تكن تعرف في صغرها أن ما تشتاق إليه يُسمّى تسويقاً غير أن شغفها بالكتابة والتعبير والتأثير في الناس قادها إليه. وأكدت أنها تشعر اليوم بأنها حققت ذلك الحلم بصورة أكبر مما تخيّلت، إذ يجمع عملها بين الإبداع والاستراتيجية وريادة الأعمال.
فجوة التقدير
أقرّت معراج بأن السودان لم يُرسِ بعد معادلة عادلة بين الجهد المبذول والتقدير الذي يناله صاحبه، مشيرةً إلى أن رواد الأعمال يواجهون تحديات جسيمة قبل أن يُعترف بهم. وقالت إن القيمة الحقيقية لا يصنعها التصفيق بل يصنعها الاستمرار والنتائج.
حين سألتها صحيفة العودة عن مشهد السياسي المتنقل بين المطارات والفنادق في مقابل رائد الأعمال المكافح يومياً أكدت معراج أن الاهتمام الأكبر ينبغي أن يتجه نحو من ينتجون ويخلقون فرص العمل ويحركون الاقتصاد وأن دعم المنتجين هو الطريق الحقيقي لأي تنمية، في حين يظل السياسي بعيداً عن تفاصيل السوق والمخاطر وهموم الرواتب التي يعيشها صاحب المشروع يومياً.
بيئة صعبة
لم تُنكر معراج صعوبة البيئة الاقتصادية بما تفرضه من تضخم وشُح في التمويل وارتفاع في تكاليف التشغيل غير أنها استشهدت بنماذج سودانية نجحت بالابتكار والمرونة، وقالت: “البيئة ليست مثالية، لكنها لا تمنع النجاح لمن يمتلك رؤية واضحة وإصراراً على التطور.”
نصحت معراج الشباب بريادة الأعمال لكن بواقعية تامة مؤكدةً أنها رحلة تستلزم تعلماً وصبراً وانضباطاً وإدارة للمخاطر، لا مساراً سريعاً للثراء.

أزمة وعي وأولويات
رأى د. مصعب محمد علي أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين، في حديثه لصحيفة العودة، أن المفارقة بين مكانة السياسة وسائر المهن في السودان ليست وليدة اللحظة، غير أنها باتت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة.
وأوضح د. مصعب أن السياسة تتضخم وتتحول إلى مركز نفوذ وسلطة ووصول للموارد حين تُهمل المؤسسات وتتراجع قيمتها، في حين تتراجع المهن الأخرى بما فيها التعليم الذي يرى فيه العمود الفقري لكل ما عداه. وأشار إلى أن المعلم يصنع الطبيب والمهندس والسياسي والضابط، لكنه لا يحصل على المكانة التي تناسب حجم رسالته. وقال إن في ذلك دلالة واضحة على خلل في سلم القيم داخل المجتمع، مضيفاً: “حين يصبح من يمارس السلطة أكثر تقديراً من الذي يصنع الإنسان، فإن الأزمة تصبح أزمة وعي وأولويات.”
الحل ليس السياسة
أكد د. مصعب أن الحل لا يكمن في توجيه الطلاب نحو السياسة باعتبارها المسار الأسرع للثراء، بل في غرس قيم الإتقان والتميز والإبداع في كل المهن. وأشار إلى أن السياسي الناجح ذاته ما هو إلا نتاج مدرسة وجامعة ومعلم.
وقال د. مصعب محمد إنه يدعو طلابه إلى اختيار المهنة التي يستطيعون أن يبدعوا فيها ويخدموا مجتمعهم من خلالها، محذراً من جعل الثراء والمكانة معياراً للاختيار. وقال لهم: “العلم والنزاهة هما رأس مالكم الوحيد مهما تبدلت الأحوال.”
ختم د. مصعب حديثه للصحيفة بالمطالبة بسياسات تكفل للمعلم حياة كريمة، مؤكداً أن الاستثمار فيه يعني صناعة أجيال قادمة متميزة في كل المهن.

حلم واحد لم يتغير
كشفت الطبيبة العمومية ميناس عبد العزيز أن حلمها بالطب لم يتبدل منذ صغرها، مشيرةً إلى أن دافعها كان تخفيف المعاناة عن الناس لا غير. وأوضحت أنها أمضت خمس سنوات في الدراسة وسنة في التدريب، غير أن مسيرتها تأخرت سنتين بسبب الظروف السياسية والأمنية في البلاد.
بيّنت ميناس في حديثها إلى “العودة” أن موقعها مقدَّر في سوق العمل، لكنه لا يرقى إلى المستوى المأمول، موضحةً أن ذلك مرهون بسنوات من الخبرة المتراكمة.
وأبدت أسفها حين يترك الطبيب مجاله ويتجه إلى غيره، وأقرّت بأن العائد المادي للطبيب لا يختلف كثيراً عن عائد أي موظف في الدولة، وأن من غادر المهنة ربما يكون وضعه المادي أفضل. غير أنها أوضحت أن أغلب الأطباء احترفوا الطب لكونه مهنة إنسانية في المقام الأول، لا لعائده المادي.
كرامة بلا أمان
أكدت أن الطبيب في السودان يعيش بكرامة، لكنه في ظل الوضع الأمني الراهن لا يعيش في سلام وقالت: “هو مهدد بالموت في كل لحظة أثناء أدائه مهنته.”
ختمت ميناس بدعمها الكامل لكل من يسعى إلى دراسة الطب من منطلق إنساني، مضيفةً أن ما يحتاجه المجتمع في المقام الأول هو الطبيب والمعلم.

ممارسة عقائدية متجذرة
كشف محمد سيد أحمد الجكومي رئيس تنسيقية القوى الوطنية في حديثه لصحيفة “العودة” أن ظاهرة احتراف العمل السياسي ليست طارئة على المشهد السوداني بل هي امتداد لممارسة عقائدية متجذرة ووصفها بأنها من الإشكالات الكبيرة التي لم يُطرح عليه فيها سؤال من قبل.
أوضح الجكومي أن الأحزاب العقائدية كالحزب الشيوعي والحركة الإسلامية كانت أول من أرست مبدأ التفرغ السياسي وجعلت من السياسة مهنة احترافية، مشيراً إلى أنها دأبت على إبقاء قياداتها في الجامعات لسنوات طويلة تمتد بين سبع سنوات وتسع. وأكد أن هذا النهج انتقل بعدها إلى الأحزاب الصغيرة التي لا سند لها جماهيرياً ولا سياسياً، فأصبح التفرغ السياسي عندها أداةً للتكسب لا للعمل الوطني وقال: “أول أحزاب جعلت من مهنة العمل السياسي مهنة احترافية للتكسب.”
في المقابل أشار الجكومي إلى أن الأحزاب الكبرى سارت في اتجاه مغاير وضرب مثلاً بالحزب الاتحادي الديمقراطي الذي وصفه بأنه أكبر حزب سوداني ولم يعرف تفريغ كوادره طوال تاريخه منذ الأربعينيات حتى اليوم. وأوضح أن السياسي المحترف في الأحزاب الصغيرة لا يملك قراراً حقيقياً لأنه في أي لحظة يتوقع أن يُوقف الحزب تفرغه ومرتبه.
التفرغ يكبّل الإرادة
أكد الجكومي أن التفرغ السياسي أداة للتبطل والتعطل وأن السياسي المفرغ يجد نفسه مكبلاً أمام حزبه لأنه يعتمد على مرتبه فلا يملك حرية الموقف المستقل حتى حين يرى أن خط حزبه غير صحيح. وقال: “أسوأ ما في السياسة أن يمتهن السياسي العمل السياسي ويترك العمل الخاص الذي يتكسب منه، وبالتالي أنت بتبقى عالة على من يصرف عليك.” ورأى أن الأجدى للكادر السياسي أن يمتلك مصادر دخل مستقلة تمكنه من حرية القرار والرؤية، مضيفاً: “لما تكون مستقل في قرارك وفي إرادتك السياسية بتقدر تنتج وتقدر تقدم رؤية تنفع البلاد.”
وذهب الجكومي إلى أبعد من ذلك حين وصف السياسي المحترف للسياسة بأنه شخصية باهتة لا قيمة لها، قائلاً: “في العادة بتكون هي نفسها في نَفْس مكسورة ومذلولة ولا تعتد بنفسها لأنها عارفة روحها هي لا تملك يعني قوتها.”
صمود نموذجاً
لم يتردد الجكومي في تسمية الظاهرة بوضوح إذ أشار إلى تنسيقية صمود بوصفها نموذجاً صارخاً لاحتراف السياسة على حساب الإنتاج الحقيقي. وتساءل: “كدي وريني كادر من كوادر صمود شغال؟” مشيراً إلى أن كوادرها من ناشطين ومنظمات مجتمع مدني ومستقلين يعيشون جميعاً من العمل السياسي عبر منظومة صمود وواجهاتها الشبابية والنسائية والمدنية المتعددة. وأكد أن أي كادر يريد مخالفة توجهات المنظومة يجد نفسه عاجزاً قائلاً: “كلهم يمتهنوا السياسة، كلهم عطالة، كلهم يعتمدوا على الدول الأجنبية التي تمول صمود، وبالتالي هم أصبحوا ما عندهم قرار.” وأضاف أن من يريد الخروج من هذا الخط لا يستطيع، لأنه مكبّل بالتزامات مالية تمسك عليه حاجات كثيرة لا يقدر على التخلي عنها.
وطالب الجكومي قيادات هذه الأحزاب بالعودة إلى السودان ومزاولة أعمالهم، قائلاً: “ظللنا ننادي مراراً وتكراراً بنقول لهم: ارجعوا السودان امشوا شوفوا شغلكم، وروني أنتم بتشتغلوا شنو.” ودعا الصحيفة إلى طرح هذا السؤال على الفاعلين في الميديا، مؤكداً أنها ستجدهم جميعاً لا يعملون.
قانون الأحزاب الغائب
طرح الجكومي تساؤلاً مباشراً حول غياب مسجل الأحزاب وقانون الأحزاب ذاته مطالباً بقانون يشترط لتسجيل أي حزب امتلاك قاعدة شعبية حقيقية لا تقل عن مليون عضو موزعين على ولايات السودان بأرقامهم الوطنية. ورأى أن هذا الشرط سيُعيد تشكيل المشهد الحزبي ليقتصر على ثلاثة أو أربعة أحزاب حقيقية قادرة على ممارسة العمل السياسي.
وأكد أن ذلك سيدفع الأحزاب المتشظية إلى التكتل اليسار في تكتل واليمين في آخر، بدلاً من الانقسامات الأميبية المستمرة التي تُضعف المشهد السياسي.
وأكد الجكومي أن قانون الأحزاب ينبغي أن يتضمن بنوداً صريحة وشفافة بشأن مصادر التمويل، مستشهداً بانتخابات 1986 وما رافقها من تمويل خارجي معلوم جاء على شكل عربات من ليبيا مكّن بعض الأحزاب من الفوز. وقال: “وده بيسد الباب أمام التمويل الأجنبي للأحزاب.” وختم مطالبته بجملة قاطعة: “نحن محتاجين نعرف مصادر تمويل الأحزاب بكل شفافية.”

انقلاب سلم القيمة
وصف د. عبد العزيز الزبير باشا المتخصص في إدارة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية ما آلت إليه السياسة في السودان بأنها تحولت من خدمة عامة إلى قطاع اقتصادي طفيلي مكتمل الأركان، لا يزرع ولا يصنع ولا يعالج، لكنه يقتات على دم الاقتصاد الواقعي. وأوضح أن المعادلة الوطنية انقلبت رأساً على عقب، إذ حلّت السياسة والنفوذ ونهب موارد الدولة محل الإنتاج والضريبة وتفعيل القانون. وقال إن الطبيب الذي ينقذ الأرواح يعجز راتبه عن تغطية أسبوع، والمهندس الذي يبني الجسور يكافح لدفع الإيجار، في حين يقرر السياسي الذي لا سجل ضريبياً له ولا مهنة ولا مشروع في مصير خمسة وأربعين مليون سوداني.
فاتورة يدفعها المواطن
حدّد د. الزبير باشا تكلفة هذه الظاهرة على مستويين، مباشر وغير مباشر على المستوى المباشر، أشار إلى مليارات تُحرق في موازنات تسيير أجسام هلامية ووفود فندقية ومكاتب، معتبراً كل دولار يُصرف هناك دواءً ناقصاً وقمحاً مستورداً ومصنعاً متوقفاً، أما على المستوى غير المباشر، فقد رصد ثلاث خسائر متراكمة: هجرة الأطباء والمهندسين لأن الناشط صار وزيراً، وانهيار ثقة المواطن بعمله مما أفضى إلى اقتصاد الظل والمضاربة، وموت المؤسسات التنفيذية حين يأتي من الفندق إلى الوزارة من لا يبني دولة بل يقسم مواردها ثم يغادر.
أكد عبد العزيز باشا أن السياسة باتت قطاعاً اقتصادياً كاملاً له مدخلاته من المال العام والدعم الخارجي وبيع المواقف، وله عملية إنتاج قائمة على البيانات والخطب والوفود، وله أرباح تتمثل في المناصب والعقود والإعفاءات والحصانات، وأوضح الفارق الأساسي بين هذا القطاع وسواه قائلاً: “الزراعة تنتج قمحاً، والصناعة تنتج سلعة، أما هذا القطاع فينتج فقراً وتضخماً وبطالة.” وأضاف أنه قطاع لا يخضع للمراجعة ولا للضريبة ولا لقانون العمل، وعائده مضمون من خزينة الدولة المفلسة.
في نهاية المطاف
لم يختر أحدهم السياسة لأنه فشل في مهنته بل اختارها لأنه نجح في فهم اللعبة. فبينما يشقى الطبيب في غرفة العمليات، ويتصبب المهندس عرقاً تحت الشمس، وينهك المعلم حنجرته في فصل مكتظ بالطلاب يجلس السياسي في مقهى المطار أو صالة الانتظار يتصفح هاتفه وينتظر رحلته القادمة إلى مؤتمر لا يعرف أحد من موّله، ولا ماذا أنتج.
شهاداتهم على الحائط.. حبرها لم يجفّ بعد، وما زالت في إطاراتها الأنيقة.
لكن أصحابها نسوا متى آخر مرة نظروا إليها، هم الآن في مطار آخر.
والغريب في الأمر.. أن أحداً لم يُجبر أحد، لا قانون يمنع الطبيب من ترك مشرطه،
ولا دستور يحاسب السياسي على مصدر رزقه، فقط شعبٌ يراقب، ويحسب، ويتساءل في صمت..
السياسة في السودان مهنةٌ.. أم عطالةٌ مدفوعة الأجر؟




