مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية:

تتصاعد التحركات الدولية تجاه الأزمة السودانية في ظل اتساع رقعة الانتهاكات الإنسانية وتزايد الضغوط السياسية لإيجاد مسار يفضي إلى وقف الحرب. وبين قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فتح تحقيق عاجل في الانتهاكات المرتكبة بمدينة الأبيض، واستمرار التحذيرات من تكرار سيناريو الفاشر، تتجدد الأسئلة حول مستقبل المساءلة الدولية، وفرص تجفيف مصادر تمويل وتسليح مليشيا الدعم السريع، وإمكانية الانتقال من إدارة الأزمة إلى تسوية شاملة ومستدامة. في هذا الحوار، يطرح السفير الدكتور صلاح حليمة، المساعد الأسبق لوزير الخارجية المصري، ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رؤيته لمسارات الأزمة، متناولاً أبعاد التحقيق الدولي، وآليات الملاحقة القانونية، وشروط التسوية الأمنية والسياسية، ودور التحركات الإقليمية والدولية في دفع جهود إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان أجرت الحوار أفراح تاج الختم لبرنامج السودان في الصحافة العالمية الذي تعده وتقدمه على قناة اسنايبر
د. صلاح حليمة: تحقيق مجلس حقوق الإنسان في انتهاكات الأبيض خطوة تمهد للمساءلة الدولية
تسوية الأزمة السودانية تبدأ بتوازي المسارات الأمنية والسياسية والإنسانية وإعادة الإعمار
ملاحقة الدعم السريع قد تمتد قانونياً إلى الدول الداعمة له أمام المحكمة الجنائية الدولية
لا هدنة إنسانية حقيقية دون معالجة الوضع القانوني للدعم السريع
وضع الجيش والدعم السريع على قدم المساواة في أي تسوية “خطأ جسيم”
الحوار السوداني الشامل يتطلب فك الارتباط بين القوى السياسية والأجنحة العسكرية ورفض الحكومة الموازية
الحراك الإقليمي والدولي يتجه نحو رؤية موحدة لوقف الحرب في السودان
الاهتمام الأمريكي بالسودان يتصاعد والحل السياسي يظل الخيار الوحيد
أقر مجلس حقوق الإنسان تحقيقاً عاجلاً بشأن الانتهاكات في مدينة الأبيض، كيف تقرؤون أسباب تركيز المجتمع الدولي على الأبيض ؟
لا شك أن ما يجري في مدينة الأبيض من اعتداءات سافرة من جانب الدعم السريع، وما يتم ارتكابه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل ويمكن تسميتها “إبادة جماعية”، يمثل تكراراً مأساوياً لما حدث سابقاً في الفاشر. إن جلسة مجلس حقوق الإنسان والمناقشات التي جرت فيها وعرض التقارير من أطراف متعددة، تُعد في حد ذاتها إدانة لقوات الدعم السريع فيما ترتكبه من جرائم. ورغم أن القرار لم يصدر بصيغة إدانة صريحة ومباشرة –وهو مطلب ملح وعاجل– إلا أن اتخاذ قرار بإجراء تحقيق عاجل يعد إدانة بشكل غير مباشر.
أشرتم إلى وجود شبه كبير بين ما يحدث في الأبيض وما جرى في الفاشر، ما هو السند القانوني والحقوقي الموثق لهذه الانتهاكات؟
ما تم في الفاشر، وما نخشى أن يتكرر في الأبيض، يمثل معاناه إنسانية غير مسبوقة من عمليات تدمير للبنية التحتية، والقتل، وتدمير المنشآت، والنزوح ولجوء الملايين. هذه الانتهاكات موثقة بالكامل وبأدلة ووثائق مؤكدة من جهات موضع ثقة عالية مثل “جامعة ييل”، ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، بل إن هناك وثائق وفيديوهات صادرة وموثقة عن الدعم السريع نفسه وهو يقوم بعمليات القتل الجماعي والتدمير. لذا، فإن توثيق الجرائم مؤكد وليس بحاجة إلى مزيد من الإثبات، لكن قرار مجلس حقوق الإنسان كان ينقصه إجراءات واضحة تؤكد أن هذه الممارسات تُضفي على الدعم السريع صفة “المنظمة الارهابية”.

ملاحقة القادة والدول الداعمة
طالبت الحكومة السودانية بتصنيف الدعم السريع “ميليشيا إرهابية”، هل يفتح قرار مجلس حقوق الإنسان الباب أمام إجراءات دولية في هذا الصدد؟
اعتقد أن هذا التصنيف ممكن أن يحدث وهو على وشك أن يحدث. وهناك أيضاً فرص وآفاق واعدة لإمكانية عرض الأمر على المحكمة الجنائية الدولية بالوسائل الواردة في لائحتها الخاصة. وهنا أود الإشارة إلى نقطة قانونية بالغة الأهمية: إذا تم تقديم الدعم السريع للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، فمن الناحية القانونية لن يقتصر الأمر على قادة الميليشيا، بل يمكن أن يطال أيضاً الدول التي تدعم الدعم السريع، من خلال توجيه اتهامات مباشرة أو غير مباشرة إليها باعتبارها شريكة في ارتكاب تلك الجرائم البشعة التي تتعارض مع القانون الإنساني الدولي.
السودان أكد في الجلسة أن هذه الإجراءات غير كافية ما لم تُسمَّ الدول الداعمة للميليشيا وتُحاسب، كيف يمكن تحديد هذه الأطراف دولياً؟
الدول التي تدعم الدعم السريع معروفة على وجه التحديد لدى كافة الأطراف المعنية، والمسألة ليست في حاجة لذكرها بالاسم الآن، وإنما عندما يتم تقديم الأمر للمحكمة الجنائية الدولية، فإن الجهة التي ستقوم بالإجراء سيمكنها الإشارة إلى هذه الدول وتحديدها بشكل مباشر، خاصة وأن الإدانات والتقارير الصادرة من الجهات الدولية الموثوقة تملك دلائل واضحة تحدد من يمد الدعم السريع بالسلاح والعتاد ليصبح شريكاً في الجريمة.
تجفيف منابع السلاح وضوابط التسوية العسكرية.
كيف يمكن كف يد القوى الخارجية ومنع تدفق السلاح لميليشيا الدعم السريع لوقف التصعيد؟
هناك مناداة ومناشدات دولية مستمرة بضرورة وقف أي عمليات لإمداد السلاح، ووقف تدفق المرتقزة الذين يدعمون الميليشيا المتمردة. الميليشيا مدانة إقليمياً ودولياً بارتكاب كافه أنواع الجرائم، وهنا أتساءل: كيف يمكن لبعض المقاربات الدولية أن تتعامل على قدم المساواة في مواجهة أي تسوية على المسار الأمني بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع؟ البقاء على وضع كلا الطرفين على قدم المساواة هو “خطأ جسيم” لا يمكن من خلاله التوصل إلى تسوية أو هدنة إنسانية حقيقية.
القوات المسلحة هي عماد النظام القائم في السودان المعترف به إقليمياً ودولياً . كل ما أتمناه أن الدول التي تدعم الدعم السريع يجب أن تراعي أن هناك شعب يعاني وهناك مأساة إنسانية وأنهم يساهمون في ارتكاب هذه الجرائم، وأنه من مصلحة الشعوب دول المنطقة، بل وهذه الدول التي تدعم الدعم السريع أن يكون هناك أمناً واستقراراً وأن يراعى مصالح الشعب السوداني وليست مصالح مجموعة معينة لأهداف سياسية ذاتية.
إذاً، ما هي الوضعية الصحيحة لقوات الدعم السريع في أي مسار أمني مقبل؟
الوضع الطبيعي لقوات الدعم السريع هو أن يتم دمجها طبقاً لنظام دولياً (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج). Ddr وهناك اتجاه قوي لدى العديد من الدول والمنظمات الدولية بضرورة دمج الدعم السريع وأي ميليشيات أخرى غير نظامية. لو عدنا للاتفاق الإطاري الذي أعده “فولكر”، كان يتحدث بوضوح عن “الدعم السريع للدمج، والقوات المسلحة للتطوير والتحديث”، ومنبر جدة أصدر قراراً واضحاً بأن تخرج قوات الدعم السريع خارج الأعيان المدنية وتعود القوات المسلحة للثكنات تمهيداً للدمج.
خارطة الطريق: خطة المسارات الأربعة المتوازية
قدمت الحكومة السودانية مبادرة متكاملة وخارطة طريق لمجلس الأمن شملت وضع الدعم السريع في معسكرات، كيف ترون فرص تطبيقها؟
المبادرة التي طرحتها الحكومة السودانية لا تختلف كثيراً عن المبادرات المطروحة دولياً وفي إطار الرباعية، فجميعها تتحدث عن وقف إطلاق النار، المسار الأمني، المساعدات الإنسانية، ثم الحوار السياسي الشامل وإعادة الإعمار. لكن رؤيتي الشخصية تتمثل في أنه لا يجب أن ننتظر حدوث تقدم في كل مسار على حدة أو على مراحل تجزئ الحل؛ بل يجب أن تسير المسارات الأربعة في نفس اللحظة وبالتوازي.
كيف يمكن هندسة “الحوار السياسي الشامل” في ظل التقاطعات الحالية بين المكونات السودانية؟
الحوار السياسي يجب أن يشمل كافة الأحزاب والقوى السياسية والاطياف السودانية في حوار (سوداني-سوداني) شامل لا يقصي أحداً، ولتحقيق ذلك يجب وضع ضوابط ومحددات حاسمة:
1. فك الارتباط في معسكر الدعم السريع: يجب على القوى السياسية (التي تقف مع الدعم السريع وتؤسس معه واجهات سياسية) ” تأسيس ” أن تفصل نفسها تماماً وعضوياً عن الدعم السريع؛ تذهب القوى السياسية للحوار، ويتجه الدعم السريع كشق عسكري للدمج. وفق لمقررات منبر جدة
2. فك الارتباط في معسكر الجيش: في المقابل، ما يقال عن وجود حاضنة سياسية وعسكرية بين القوات المسلحة والحركة الإسلامية أو الجماعات الإسلامية، يجب أن يتم فيه هذا الفصل أيضاً؛
3. وتتجه القوات المسلحة للتطوير والتحديث العسكري –باعتبارها تمثل النظام الحاكم المعترف به إقليمياً ودولياً– ويكون ذلك وفق مقررات منبر جدة.
4. تشكيل حكومة مؤقتة: مخرجات هذا الحوار الشامل ستكون بمثابة قرار شعبي ملزم، ويمكن أن يتمخض عنها التوافق على حكومة مؤقتة أو لجنة مؤقتة تدير الفترة الانتقالية، وتضع مشروع دستور دائم، وتحضر لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة. أما ما يطرحه الدعم السريع من توجه لإقامة “حكومة موازية” فهو أمر مرفوض تماماً ولا يمكن السماح به.
التحركات الإقليمية والدور الأمريكي
شهدت الخرطوم مؤخراً زيارة لوفد أوغندي رفيع المستوى التقى بالبرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس، ما دلالة التوقيت؟
لايخرج هذا التحرك من إطار “الخماسية الدولية” (التي تضم الإيقاد، الجامعة العربية، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة). أوغندا هنا لا تتحرك بشكل فردي، بل بصفتها إحدى دول منظمة “الإيقاد” وبالتنسيق والتشاور مع الاتحاد الأفريقي وبقية المنظمات. التنسيق تشاوري ومهم لتوحيد المواقف والحصول على رؤية مشتركة، وهو يتقاطع أيضاً مع التحركات النشطة للمبعوث الأمريكي “مسعد بولس” واتصالاته الأخيرة مع وزيري خارجية مصر والسعودية، والدفع نحو تفاهمات تقودها مصر والسعودية بصفة خاصة داخل الرباعية الدولية للوصول إلى وقف عاجل لإطلاق النار لمنع حدوث مآسٍ إنسانية جديدة في الأبيض أو غيرها.
تشدد إدارة دونالد ترامب باستمرار على أنه “لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية”، هل يعكس ذلك تحولاً جدياً في السياسة الأمريكية؟
من حيث المبدأ، القول بأنه لا يوجد حل عسكري هو أمر صحيح وينطبق على أي مشكلة دولية، لأنه في نهاية المطاف لابد من مفاوضات سياسية بين الأطراف المتصارعة
أما بشأن الجدية الأمريكية، فبصراحة، قد لا يكون الملف السوداني يمثل الأولوية القصوى والملحة لواشنطن في الوقت الحاضر، نظراً لانشغال الإدارة الأمريكية التام بالتطورات المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط؛ سواء القضية الفلسطينية، أو الحرب الإيرانية الإسرائيلية، والتهديدات في منطقة الخليج. ومع ذلك، نلحظ مؤخراً تصريحات من وقت لآخر تعكس اهتماماً أمريكياً متصاعداً بالملف السوداني، نظراً لارتباطه الوثيق بقضايا إقليمية حيوية أخرى في المنطقة كملف السد الإثيوبي (سد النهضة)، ونأمل أن تترجم التحركات عبر الرباعية الدولية للتوصل لتسوية شاملة ومستدامة تراعي وحدة السودان وسلامة أراضيه ومصالح شعبه.




