لواء ركن متقاعد عبدالغني عبدالفراج عبدالله في حوار مع “العودة” حول المشهد العملياتي

الإمارات وإسرائيل تزودان المليشيا بأحدث تقنيات المسيرات وخبراء دوليين

 مليشيا الدعم السريع تعوض نقص المشاة بـ “المسيرات” 

حرب المسيرات فرضت واقعاً قتالياً جديداً في السودان

 المليشيا تستهدف المدن بالمسيرات لتهجير المواطنين وتفريغها من السكان

—–

في ظل التطورات الميدانية المتسارعة التي تشهدها ساحات العمليات العسكرية في السودان، وتصاعد الاعتماد الكثيف على الطائرات المسيرة كأداة استراتيجية في الصراع الراهن، تبرز تساؤلات جوهرية حول التأثير الحقيقي لهذه التقنيات على مسار الحرب وموازين القوى على الأرض. وفي هذا السياق، استضافو “العودة” الخبير العسكري اللواء ركن (م) عبدالغني عبدالفراج عبدالله، ليقدم قراءة تحليلية دقيقة وشاملة للمشهد العملياتي. يكشف اللواء عبدالفراج خلال هذا اللقاء كيف ساهمت المسيرات في نقل الصراع من الاشتباك البري المباشر إلى حروب الاستنزاف بعيدة المدى، وكيف استُخدمت كأداة لضغط المدنيين وإجبارهم على النزوح وتفريغ المدن من سكانها. كما يتناول الحوار الدور الذي تلعبه أطراف خارجية في تزويد المليشيات بهذه التقنيات، وصولاً إلى طرح رؤية استراتيجية لمواجهة هذا التحدي التقني الميداني، والتأكيد على حتمية التأسيس لوعاء وطني موحد ينهي حقبة المليشيات، ويضع السودان مجدداً على خارطة الاستقرار الأمني والسياسي.

——

حوار – عماد النظيف 

—–

كيف غيّرت الطائرات المسيرة طبيعة ومسار العمليات العسكرية في السودان؟

 

العقيدة القتالية التى تنتهجها القوات المسلحة دفاعية، لكنها تتغير وتتعدل حسب المواقف القتالية وقد تكون هجومية أحياناً فى حالة الدفاع عن حما الوطن وظروف العمليات تتغير بين الحين والآخر مما يتطلب مرونة في التعامل مع المواقف التي تستجد. بالنظر إلى حرب المسيرات التي دخلت الخدمة بكثافة عالية في الحروب التي اندلعت في الآونة الأخيرة وحيدت لحد كبير الدفع بعناصر المشاة خاصة في الأراضي الجبلية ذات الطبيعة الوعرة. المسيرات بداية كان استخدامها في الأعمال المدنية لإيصال الرسائل والاحتياجات المهمة كما عملت في مجال الزراعة وبعض الأعمال الأخرى وسرعان ما تم توظيفها للعمليات العسكرية وهي ذات مهام مختلفة منها الاستراتيجي الذي يسير لمديات بعيدة تتخطى ألفي كيلومتر ومنها ما يستطيع الطيران لمدة ثماني عشر ساعة متواصل وهذه عادة ما تكون بغرض الاستطلاع ومنها ذات مديات متوسطة وأخرى قصيرة والمسيرة الاستراتيجية أحياناً قد تحمل مواد متفجرة محدودة وقد تطلق من أراضٍ معادية كما يحدث في بعض المدن السودانية كالنيل الأزرق والنيل الأبيض وكردفان.

 

إلى أي مدى ساهمت المسيرات في تحويل مسار المعارك من اشتباكات مباشرة إلى حروب استنزاف بعيدة المدى؟

المسيرات تعتبر رخيصة الثمن مقارنة بتكلفة الطيران لذا يسهل استخدامها لتحقيق أكبر خسارة للعدو بأقل مجهود دون الزج بالقوات البرية وتلجأ لها القوات أحياناً لتعويض النقص في عنصر المشاة ويلاحظ اشتدادها في الآونة الأخيرة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع كما ويلاحظ ذلك في الاستهداف الذي يتم على بعض المدن في ولايتي كردفان والنيل الأبيض والخرطوم في بعض الأحيان ودافع الدعم السريع لذلك لتعويض الخسائر الكبيرة والفقدان المستمر للأفراد والمركبات والمعدات القتالية.

ما هي الثغرات التي كشفتها الحرب السودانية في منظومات الدفاع الجوي التقليدية عند مواجهة الطائرات المسيرة الصغيرة (FPV)؟

 

بالنظر لمنظومات الدفاع الجوي نجد أن البعض منها دخل الخدمة في بداية السبعينات ورغم التجديد المستمر إلا أن مواكبة التطور في تلك المنظومات نجد أنه ذو تكلفة عالية بما يتطلب ميزانيات باهظة ورغم ذلك نجد أنه بالمتيسر كان يتم التصدي للمسيرات المعادية كما أننا نجد أن قوات التمرد تمتلك مسيرات بمختلف أشكالها وذات تكلفة عالية وإن من يمول ذلك هي دولة الإمارات وإسرائيل وبعض الدول الغربية ويلاحظ أن معظم أفراد قوات الدعم السريع لا يستطيعون التعامل مع هذه التكنولوجيا مما دفع بدولة الإمارات لاستجلاب خبراء مسيرات من كولومبيا وبعض الأقطار الداعمة لها، كما أننا نجد الآن بدأت القوات المسلحة في إدخال مسيرات ذات كفاءة عالية وتم تدريب أعداد كبيرة للتعامل معها كما رشح في الأيام السابقة أن هناك تعاقد على طائرات قتالية وطائرات مسيرة ومعدات وأنظمة دفاع جوي تغير المشهد في الفترة القادمة كما أننا نجد أن التصنيع الحربي أدخل مسيرات “سفروك” سودانية وهي تعمل الآن في المسارح المختلفة.

 

كيف تؤثر التحديات اللوجستية، مثل توفير قطع الغيار وتأمين خطوط الإمداد، على استدامة عمليات المسيرات في بيئة جغرافية واسعة كالسودان؟

 

عادة في كل التعاقدات التي تتم فيما يختص بتوفير قطع الغيار وتأمين الإمداد هي مسائل يتم التوافق عليها قبل توقيع العقودات مما يمكن القوات من استدامة الإمداد في كل الظروف والأوقات لضمان استمرارية العمليات.

 

هل تعتبر المسيرات في السياق السوداني أداة حسم استراتيجي، أم أنها تساهم بشكل رئيسي في إطالة أمد الصراع وتصعيب الحسم العسكري؟

 

ما نلاحظه الآن خلال العمليات الجارية نجد أن المسيرات تطلق بكثافة من كلا الطرفين القوات المسلحة والدعم السريع ونجد أن ما يطلقه الدعم السريع من مسيرات أدى إلى نزوح أعداد كثيرة من المواطنين من المدن الرئيسية خاصة في كردفان الكبرى مما أثر على المواطن البسيط الذي نزح إلى المجهول وترك كل ما يملك للنفاذ بجلده وهذه ذات آثار سالبة لاستقرار الوطن والمواطن ويلاحظ أن المسيرات بدأت تصل بكثافة من دول الجوار تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وهو عمل مدعوم من دولة الإمارات وإسرائيل.

 

كيف يتم دمج بيانات الاستطلاع الجوي اللحظي (Real-time) بالمسيرات في إدارة العمليات البرية داخل المدن المكتظة؟

 

الاستطلاع الجوي عمل يختص بمنظومة الدفاع الجوي فنجد أن الاستطلاع الراداري يعمل في الكشف عبر الإشعاع الإلكتروني لرصد ومتابعة الأهداف الجوية المعادية وتحديد المسافة، الاتجاه والزاوية، وهذا العمل تقوم به منظومات من الرادارات ذات مديات مختلفة والدفاع الجوي يعمل كمنظومة شاملة الصواريخ، المدفعيات، الأسلحة المحمولة على الكتف كالاستريلا وهذا هو الوضع المعمول به ما قبل المسيرات وهي لقلة أسعارها أدت لتحييد كثير من العناصر توفيراً للجهد وللقوة وهذا يعني أن القوى الجوية والمسيرات لعبت دوراً كبيراً وحاسماً في كثير من المعارك.

 

ما مدى دقة المسيرات المستخدمة حالياً في التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية في ظل طبيعة الحرب القائمة ؟

 

نجد أن الوضع الراهن يشهد تطوراً متسارعاً من كلا الطرفين ونجد أن القوات المسلحة تركز في تعاملها مع الدعم السريع على تدمير قوته الصلبة والمركبات ومواد تموين القتال والدعم اللوجستي الذي يصل للدعم السريع من دولة الإمارات عبر دول الجوار، ليبيا، تشاد، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان، إثيوبيا، هي طرق إمداد مفتوحة مما مكنهم من السيطرة على بعض المناطق ويلاحظ أن القوة الصلبة وأعداداً كبيرة من مقاتليهم تم تحييدهم بالموت أو الإصابة ونظراً للأعداد الكبيرة التي قتلت أو تعرضت للبتر أو الإصابة مما جعل الكثيرين يهربون من مناطق العمليات مما دفعهم للاستعانة بعناصر خارجية التي قدمت من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وهذا دليل على ما تعانيه المليشيات من النقص في العنصر البشري، الإمارات بحكم ثقلها الاقتصادي وعلاقتها بدولة الكيان وأمريكا كانت هي الداعم الرئيسي والأساسي لهذه الحرب ومدت المليشيات بأحدث التكنولوجيا مع دعم لوجستي مستمر وهذا أدى بالقوات المسلحة للبحث عن مصادر تسليح جديدة وعقد صفقات مع بعض الدول ونلاحظ أن الدعم السريع دوماً ما تصله أحدث التقنيات في عالم المسيرات وهذا ما مكنه من الصمود طوال هذه الفترة مع جلب خبراء مسيرات من دول مختلفة.

 

بناءً على التجربة الميدانية حتى الآن، ما هو الدرس العسكري الأبرز الذي يمكن استخلاصه حول مستقبل الحروب في الدول ذات التضاريس والظروف المشابهة للسودان؟

 

نجد أن المسيرات دوماً تركز على استهداف الأغراض الحيوية والاستراتيجية ويلاحظ في الآونة الأخيرة أن معظم الاستهداف كان يتم المطارات، السدود، محطات الكهرباء والخطوط الناقلة، مصادر المياه وبعض الأغراض الأخرى واستهداف المدن عادة ما يتم بغرض الضغط على المواطن وإشعاره بخطورة القادم وذلك لدفعه للهروب من المدن الكبيرة بغرض تفريغها كما حدث في كثير من المدن في وسط السودان، الفاشر في دارفور والاستهداف الذي يتم لمدينة الأبيض الآن.

في فترة سابقة تم استهداف كهرباء سد مروي وتم جلب مضادات وعمل شبكات حول المناطق المستهدفة مما مكن من إفشال كثير من المسيرات التي كانت تستهدف تلك الوقائع كما حدث من قبل في مطار بورتسودان التي تصدت لها أنظمة الدفاع الجوي بكل كفاءة وكذلك في مطار الخرطوم، الوضع يتطلب فتح آفاق التعاون العسكري مع الدول الصديقة والشقيقة حتى تتمكن القوات المسلحة من متابعة أحدث التقنيات العالمية في مجال المسيرات وأنظمة الدفاع الجوي.

كما نستخلص الدروس التالية:

1. نجد أنه من خلال ما تم في هذه الحرب يجب أن لا يكون هناك دور لأي مليشيات مهما كانت أهميتها إلا داخل القوات المسلحة.

2. النأي بالبلاد عن القبلية وتحييد دور الإدارة الأهلية كما حدث فترة المشير نميري بالبعد عن القبلية والعنصرية وأن يكون السودان هو الوعاء الذي يستوعب الجميع.

3. العمل بنظام الفيالق بدل الفرق وذلك لتمكين المناطق من الدفاع عن نفسها والصمود لأطول فترة بدلاً عن تشتيت الجهود لأننا نجد الآن أن الكثير من القوات المستنفرة والقوات التي دعمت حرب الكرامة أعداد ضخمة يمكن الاستفادة منها في ترتيب ودعم عمل المناطق.

//////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى