“العودة” تحاور مبتكر سوداني يراهن على الري الذكي لخفض تكلفة الزراعة

المشكلة لم تكن في الأرض والمياه.. بل في تكلفة الطاقة
كان لا بد من ابتكار نظام يخفض تكلفة الري
نجحنا في تقليل استهلاك الطاقة بنحو 80 %
صغار المزارعين هم المستفيد الأول من الابتكار
طموحي أن يحمل المنتج شعار: صُنع في السودان
حاوره- أمين محمد الأمين

في وقتٍ تواجه فيه الزراعة السودانية تحديات متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، يبرز الابتكار بوصفه أحد مفاتيح الحل. ومن هذا الواقع، نجح المهندس والمخترع السوداني مصطفى جمال أحمد في تطوير نظام ذكي للري بالطاقة الشمسية، يهدف إلى خفض استهلاك الطاقة وتقليل تكلفة التشغيل، بما يتيح لصغار المزارعين الاستفادة من تقنيات حديثة بكلفة أقل. في هذا الحوار، يتحدث عن رحلة الابتكار، وكيف تحولت معاناة المزارعين إلى فكرة حاصلة على براءة اختراع، ورؤيته لدور التكنولوجيا في دعم الزراعة وتعزيز الاقتصاد الوطني.
■ من أين بدأت رحلة هذا الابتكار؟
الابتكار بالنسبة لي أسلوب حياة، وليس مشروعاً مؤقتاً. كنت دائماً أبحث عن حلول عملية للمشكلات التي تواجه المجتمع، لكن الفكرة أخذت مساراً مختلفاً خلال سنوات الحرب، عندما عدت إلى ولاية سنار وعايشت عن قرب معاناة المزارعين، فشعرت أن الابتكار يجب أن يذهب إلى حيث تكون الحاجة أكبر.
■ كيف ولدت فكرة نظام الري الذكي؟
وجدت مزارعين يملكون الأرض والمياه، لكنهم عاجزون عن الزراعة بسبب الارتفاع الكبير في تكلفة تشغيل طلمبات الري بالديزل، بينما كانت أنظمة الطاقة الشمسية التقليدية مرتفعة التكلفة أيضاً. عندها بدأت أبحث عن حل يجمع بين انخفاض التكلفة وكفاءة التشغيل، بدلاً من الاكتفاء بالحلول المتاحة.
■ ما الفكرة التي بنيتم عليها الابتكار؟
طرحت سؤالاً بسيطاً: لماذا تحتاج مضخة الري إلى هذا العدد الكبير من الألواح الشمسية؟ وهل يمكن إعادة تصميم منظومة التشغيل لتعمل بكفاءة أعلى وطاقة أقل؟ ومن هنا بدأت رحلة طويلة من الدراسات والتجارب الهندسية حتى توصلنا إلى نظام جديد يعتمد على ترشيد استهلاك الطاقة دون التأثير على الأداء.
■ وما أبرز النتائج التي حققها النظام؟
تمكنا من خفض استهلاك الطاقة بنحو 80% مقارنة بالأنظمة التقليدية، وأصبح بالإمكان تشغيل المنظومة باستخدام لوح شمسي واحد فقط، بعد أن كانت تحتاج إلى نحو 14 لوحاً. هذا التطوير خفّض التكلفة بصورة كبيرة، وجعل التقنية في متناول شريحة أوسع من المزارعين.
■ هل أثبتم نجاح الفكرة عملياً؟
نعم، بدأنا بتطوير نموذج أولي، وأجرينا عليه سلسلة من التجارب الميدانية. واجهتنا بعض التحديات في البداية، لكن مع استمرار التطوير نجحنا في الوصول إلى أداء مستقر وكفاءة عالية، ثم سجلنا الابتكار رسمياً وحصل على براءة اختراع، لتبدأ مرحلة تحويله إلى منتج يخدم القطاع الزراعي.
■ ما الذي يميز هذا النظام عن أنظمة الري بالطاقة الشمسية المتوفرة في الأسواق؟
الفرق لا يكمن في استخدام الطاقة الشمسية، بل في طريقة إدارتها. معظم الأنظمة تعتمد على زيادة عدد الألواح للحصول على القدرة المطلوبة، بينما يعتمد هذا الابتكار على رفع كفاءة التشغيل بأقل استهلاك للطاقة، وهو ما خفّض التكلفة وجعل النظام أكثر ملاءمة لظروف المزارع السوداني.

■ هل اقتصر التطوير على ترشيد استهلاك الطاقة؟
لا، فقد حرصنا على أن تكون المنظومة عملية وسهلة الاستخدام. صُممت لتكون متحركة، بحيث يستطيع المزارع نقلها بين الحقول دون إنشاءات ثابتة أو تجهيزات معقدة، كما يقلل ذلك من مخاطر السرقة ويمنح المزارع مرونة أكبر في استخدامها.
■ كيف ينعكس ذلك على تكلفة الإنتاج الزراعي؟
عندما تنخفض تكلفة الري، تنخفض تكلفة الإنتاج بصورة مباشرة. المزارع لن يكون مضطراً لتحمل أعباء الوقود أو الصيانة المستمرة، وسيتمكن من استغلال أرضه بصورة أفضل، وهو ما يزيد الإنتاج ويحسن العائد الاقتصادي للمزرعة.
■ ما الفائدة التي سيجنيها صغار المزارعين من هذا الابتكار؟
صغار المزارعين هم المستفيد الأول، لأنهم الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف التشغيل. هذا النظام يمنحهم فرصة امتلاك وسيلة ري حديثة بكلفة أقل، مما يساعدهم على توسيع الرقعة المزروعة وتحسين دخلهم واستمرار الإنتاج طوال الموسم.
■ وهل يمكن الحصول على المنظومة بطرق ميسرة؟
حرصنا على أن تكون متاحة بأكثر من خيار، سواء بالشراء المباشر أو الإيجار أو عبر التمويل المصرفي، حتى لا تقف الإمكانات المالية عائقاً أمام المزارعين الراغبين في الاستفادة من التقنية، لأن الهدف الأساسي هو توسيع دائرة استخدامها وخدمة القطاع الزراعي.
■ ما الأثر المتوقع لهذا الابتكار على الاقتصاد السوداني؟
إذا نجحنا في تعميم هذه التقنيات، فسنخفض الاعتماد على الوقود، ونقلل تكلفة الإنتاج الزراعي، ونزيد الإنتاجية، وهو ما يعزز الأمن الغذائي ويرفع الصادرات ويدعم الاقتصاد الوطني. فالاستثمار في الابتكار الزراعي هو استثمار في مستقبل السودان.
■ قبل نظام الري الذكي، كانت لك تجارب أخرى في مجال الاختراع.. حدثنا عنها؟
الاهتمام بالابتكار لم يبدأ مع نظام الري الذكي، فقد سبقت ذلك تجارب هندسية عدة، من بينها تطوير ماكينة صديقة للبيئة في مجال صناعة الطوب تجمع بين مراحل الإنتاج المختلفة في منظومة واحدة. هذه التجارب أسهمت في تطوير خبراتي الهندسية، وكانت أساساً مهماً في التعامل مع التحديات التقنية خلال ابتكار نظام الري.
■ شاركت في مسابقات محلية ودولية وحصلت على جوائز.. ماذا تمثل لك هذه الإنجازات؟
أعتز بكل مشاركة مثّلت فيها السودان، وتحقيق مراكز متقدمة في مسابقات الابتكار والذكاء الاصطناعي يمثل دافعاً للاستمرار. لكن القيمة الحقيقية لأي ابتكار ليست في الجائزة فقط، وإنما في قدرته على حل مشكلة واقعية وتحويل الفكرة إلى منتج يخدم المجتمع.
■ تلقيت عروضاً لتصنيع الابتكارات خارج السودان، لماذا فضلت توطينها؟
صحيح، تلقينا عروضاً من جهات خارجية، لكنني كنت مؤمناً بأن السودان أولى بهذه التقنيات. هدفي لم يكن تصدير الفكرة قبل أن يستفيد منها المواطن السوداني، لأن توطين الصناعة يخلق فرص عمل، ويدعم الاقتصاد، ويبني قدرات وطنية قائمة على المعرفة.

■ كيف يمكن للابتكار أن يساهم في مرحلة إعادة الإعمار؟
إعادة الإعمار لا تعتمد على الموارد المالية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى حلول ذكية تقلل التكلفة وتناسب واقع البلاد. الابتكار المحلي يمكن أن يوفر بدائل في مجالات الزراعة والطاقة والصناعة والمياه، ويساعد في تسريع عملية البناء والتنمية.
■ ما الذي يحتاجه المبتكر السوداني حتى تتحول أفكاره إلى منتجات؟
نحتاج إلى بيئة داعمة تبدأ بحماية الملكية الفكرية، وتوفير التمويل، وربط الجامعات بالقطاع الإنتاجي، وتشجيع التصنيع المحلي. فالفكرة وحدها لا تكفي؛ المهم هو تحويلها إلى منتج يصل إلى الناس ويحدث أثراً اقتصادياً واجتماعياً.
■ ما رسالتك للشباب السوداني؟
أدعو الشباب إلى الثقة في قدراتهم وعدم الاستسلام للظروف الصعبة. الأزمات قد تكون بداية لأفكار جديدة، وما يحتاجه المبتكر هو الصبر والعمل المستمر والإيمان بأن الأفكار السودانية قادرة على المنافسة متى وجدت الفرصة المناسبة.
■ كيف ترى مستقبل نظام الري الذكي؟
طموحي أن يصبح هذا الابتكار جزءاً من عملية تطوير الزراعة السودانية، وأن يساعد المزارعين على استخدام تقنيات حديثة منخفضة التكلفة. وأتطلع إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المنتجات الوطنية التي تحمل شعار “صُنع في السودان” وتنافس إقليمياً ودولياً.



