تشجيع التمرد على الدولة

بقلم/ أمية يوسف حسن أبوفداية

منذ استقلال السودان، ظلت الدولة المركزية في الخرطوم، من حيث الممارسة السياسية، ترسل رسائل تشجع على حمل السلاح في مواجهة السلطة المركزية، إذ منحت الحركات المسلحة اهتمامًا سياسيًا وتفاوضيًا واسعًا، بينما لم تحظ النقابات والأحزاب السياسية المدنية والحراك السلمي بالقدر نفسه من الاهتمام أو التأثير، سواء خلال فترات الحكم العسكري أو في ظل الحكومات المدنية. وقد أسهم هذا النهج، مع مرور الوقت، في ترسيخ قناعة لدى كثير من الفاعلين السياسيين بأن السلاح أصبح الوسيلة الأكثر فاعلية لانتزاع الاعتراف وتحقيق المطالب.

وخلال فترات الحكم المدني، لم يقتصر الأمر على فتح قنوات التواصل مع الحركات المتمردة، بل شهدت الساحة السياسية حالة من التنافس بين الأحزاب بعضها ضد بعض في توثيق علاقاتها بهذه الحركات، كما حدث مع جون قرنق خلال فترة الديمقراطية الثالثة، حين توجهت معظم الأحزاب إلى إثيوبيا لإجراء لقاءات وإبرام اتفاقيات ثنائية بصورة منفردة، في مشهد عكس حجم التنافس السياسي على كسب ود الحركات المسلحة. وتكرر هذا النمط، وإن في ظروف مختلفة، مع تمرد المليشيا في عام ٢٠٢٣، حيث انشغلت قوى سياسية متعددة بتحديد مواقفها وعلاقاتها مع المتمردين.

وفي المقابل، أظهرت الحركات المسلحة، في معظم مراحل النزاع، أنها لا تتعامل بجدية إلا مع الحكومات العسكرية، باعتبارها الطرف الذي يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن الحرب والسلام. وقد تجسد ذلك بوضوح في اتفاقيتي عامي ١٩٧٢ و٢٠٠٥، اللتين مثلتا محطات مهمة في تاريخ الصراع السوداني. غير أن هاتين الاتفاقيتين، رغم أهميتهما، لم تنهيا النزاع بصورة نهائية، بل كانتا، في نظر كثيرين، بداية لصراعات أكثر تعقيدًا، كما أضافتا أعباءً جديدة على الدولة، لأن الحلول التي تم تبنيها اعتمدت في جانب كبير منها على المحاصصة السياسية، ومنح المناصب والامتيازات لقيادات الحركات المسلحة، دون الوصول إلى معالجة جذرية للأسباب التي أدت إلى اندلاع الصراعات.

وقد انعكس هذا النهج كذلك في تنفيذ اتفاقية عام ٢٠٢٠، حيث شهدت معظم المسارات حضورًا وتمثيلًا في هياكل الاتفاق، باستثناء مساري الشمال والوسط. ويُعزى ذلك، وفق هذا الطرح، إلى ضعف القيادات التي مثلت هذين المسارين، ومحدودية شعبيتها، فضلًا عن غياب أي قوة مسلحة تسند مطالبهما أو تمنحهما وزنًا تفاوضيًا.. وأصبح امتلاك القوة المسلحة، في كثير من الأحيان، عاملًا أكثر تأثيرًا في تحديد فرص المشاركة السياسية من حجم التأييد الشعبي أو مشروعية العمل السياسي السلمي.

وبذلك، ترسخ لدى قطاعات واسعة انطباع مفاده أن حمل السلاح أصبح الطريق الأقصر للحصول على الاعتراف السياسي، والدخول في المفاوضات، والحصول على نصيب من السلطة والثروة، بينما تراجع تأثير الوسائل السلمية والعمل الحزبي والنقابي، وهو ما أسهم في إضعاف الحياة السياسية المدنية واطال أمد الصراعات.

باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى