مفوضية مكافحة الفساد واسترداد هيبة قرار الدولة

ملح الأرض..

بقلم/ خالد ماسا

وقد يظن القارئ بأن هنالك لبسًا ما في الاسم الوارد في المقال: “مفوضية مكافحة الفساد واسترداد هيبة قرار الدولة”، باعتبار أنه لا توجد هيئة بهذا الاسم في حكومة السودان، وأن القرار الذي أصدره رئيس الوزراء كامل إدريس بهذا الخصوص، وعيّن بموجبه الفريق شرطة حقوقي عابدين الطاهر رئيسًا، كان بمسمى “مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة”. وبرأيي، فإن قصورًا ما في تعريف مفهوم الفساد نفسه هو الذي وضع المفوضية في الأطر الضيقة لتعريف الفساد بأنه أمر متعلق فقط بالأموال العامة في الدولة. وبما أننا، ومنذ زمن بعيد، نعيش في واقع أصبح فيه الفساد ذو طابع “ديناميكي” يتفاعل مع الواقع ويتخلق وفق الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيشها الدولة، وصار أصحاب المصلحة من ورائه قادرين على تطوير أدوات الفساد بحيث تتغلب على كل ما هو مطروح من سياسات للدولة لمكافحته والحد من خطورته، ولم يعد الطريق إلى الفساد ينتهي بوصول الأيادي الفاسدة إلى المال العام، وإنما هنالك ألف سبيل يمكن به خدمة منظومة الفساد، وهنا يلزم الدولة إعادة النظر في تعريف الفساد، ومن ثم تطوير أدوات مكافحته.

المفوضية التي بشّر رئيسها بتدشين عملها الأسبوع القادم، تأسيسًا على آخر جلسة عقدها مع السيد رئيس الوزراء، وقال بتذليل كل العقبات والصعوبات التي تواجهها، وهي المعلن عن إنشائها منذ وقت ليس بالقصير هذا العام، تحتاج إلى أن تضع في اعتبارها بأن مكافحة الفساد لا يقاس النجاح فيها بكثرة القضايا المالية المفتوحة، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية سلطة قرار الدولة العام وصيانته من العبث والتدخلات وتضارب مراكز النفوذ.

يجب أن يكون مفهومًا عندها بأن مفهوم الفساد، في حدوده الدنيا، يبحث في قضايا الرشى واختلاس المال العام، وفي سقوفاته العليا تصل أياديه الملوثة إلى حدود إضعاف مؤسسات الدولة وإهدار هيبة القرار الرسمي.

العين الفاحصة التي تقرأ في أخبار الأسبوع المنصرم، وتحديدًا فيما يتعلق بقضية شركة العسجد للحلول الرقمية، وما جاء فيها من تفاصيل تتعلق بالتحول الرقمي، وإذن الترخيص الممنوح لها من البنك المركزي، وحفل التدشين الذي أعقب ذلك وشاركت فيه الدولة ممثلة في أعلى مستوياتها، ثم بعد ذلك يحدث التحول الدراماتيكي في الموضوع ببيانات متتالية من البنك المركزي تنفي وتوضح ثم تلغي الترخيص؛ العين الفاحصة ستكتشف بأن مؤسسة كبنك السودان المركزي لم تخرج سالمة من هذه الأحداث، وظهرت بشكل يخصم كثيرًا من سلطة القرار فيها وهيبته، وقد يمثل هذا ضربات استباقية لأي قرارات لاحقة تصدر عن البنك المركزي لن يضعها المتلقي أو المتعامل مع هذه المؤسسة ذات الوضع السيادي بنوع من الثقة بسبب ما حدث، وهذا فساد تجب مكافحته، وألا يقف الأمر عند نقطة الاكتفاء بقرار إلغاء الترخيص، لأن التفاصيل تقول بأن الأمر لم يمر عبر القنوات التي تحفظ لقرار المؤسسة والدولة هيبتها، وما من بيئة أنسب للفساد أكثر من وجود دولة بمؤسسات منزوعة الهيبة في قرارها.

وبحسب ما هو منشور في البيان الصادر من أكثر من جهة في هذا الموضوع، فإن قصة ضرب الهيبة وإضعاف مؤسسات الدولة لن تتوقف في حدود البنك المركزي، والتوضيحات المنشورة تقول بأن قرار منح التراخيص في مثل هذه الموضوعات يمر ببوابة الفحص الأمني وغيره، وبالتالي فإن مرور قرار منح الترخيص من بين أقدام الحاجز الأمني وفحصه يقودنا للسؤال: هل هيبة قرار الدولة العام، والدولة نفسها، في أيدٍ أمينة؟

وبناء على ذلك تصبح المفوضية، التي ستدشن عملها الأسبوع القادم، أمام سؤال: هل ستنفق زمنها ومجهودها في مطاردة الفساد المالي فقط، أم أنها ستهتم أيضًا بالفساد الذي يمس هيبة مؤسسات الدولة؟

هذا لأن منطق الأشياء يقول بأن الفاسدين، أو الجهات المستفيدة من البيئة المشجعة على الفساد، يتناسب نشاطهم الفاسد عكسيًا مع هيبة الدولة.

فكلما قل إحساسهم بهيبة الدولة وقرارها، كلما زادت الأنشطة الفاسدة والهدامة، وبالتالي يصبح صون هيبة قرار الدولة العام أحد المهام التي تنتظر مفوضية مكافحة الفساد.

وبتطابق “سيامي” جاءت قضية قرار تعيين وكيل لوزارة الخارجية، واكتمال حلقات التعيين الذي توقف فجأة دون أي توضيحات تشرح “بهدلة” قرار وزارة سيادية أخرى في الدولة السودانية هي وزارة الخارجية. وبمنطق قوي تقودنا محامل الظن بأن ما يحدث ينطوي على ترتيب فاسد، القصد منه النيل من هيبة مؤسسات سيادية في الدولة كالبنك المركزي ووزارة الخارجية، وما من شيء ظاهر يدفعنا للظن بأن بقية المؤسسات والقرارات الصادرة عنها ستبقى في منجاة من فساد الأيادي الفاسدة.

(*) حدود القانون في مكافحة الفساد..

ونعتقد بأن السؤال الذي كان من الواجب أن يكون حاضرًا في جلسة السيد رئيس الوزراء ورئيس المفوضية الأخيرة هو: هل التفويض الذي يمنحه قانون مكافحة الفساد للمفوضية في حدود مطاردة الأموال، أم للمفوضية صلاحيات تتجاوز مسألة المال هذه؟

لأنه، وبالقراءة في فلسفة قانون مكافحة الفساد، فإننا سنجد بأن حماية النزاهة تمتد لتشمل موضوعات إساءة استخدام السلطة، واستغلال النفوذ، وتضارب المصالح، ويصل إلى حدود تعطيل تنفيذ القرارات الرسمية أو حتى التلاعب فيها، وأي ممارسات أخرى من شأنها إضعاف الإدارة العامة لشؤون الدولة. وبالتالي فإن مسألة استرداد الأموال العامة في نشاط مفوضية مكافحة الفساد هي جزء من كل، وليست حدًا للاختصاصات المكفولة بموجب القانون.

قرارات مؤسسات كالبنك المركزي ووزارة الخارجية هي في الأصل نتاج جهد بشري، قابلة لأن تصادف الصواب أو الخطأ، وإن تمت في إطارها المعمول به أساسًا لتقليل نسبة الخطأ التي تزيد في القرارات الفردية. وليس هنالك ما يعيب الدولة إن أجرت مراجعات على قرارات، وقامت بإلغائها أو تصحيحها، ولكن ليس على شاكلة ما حدث من نفي وتكذيب وتسريبات وغموض لم يزل الالتباس العام.

وهنا نود أن نقول بأن الفساد المؤسسي يشكل خطورة على الدولة وتماسكها أكثر من خطورة الفساد المالي، بل ويمكن اعتبار الأول بأنه مفتاح لأبواب الفساد المالي.

تستطيع مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة أن تُجرِّد حملاتها من الأسبوع القادم، ويتحلق الرأي العام حول شاشات العرض ليشاهد عرضًا جديدًا لمسلسل مكافحة الفساد، ويتم استرداد بعض من مال الدولة المنهوب، إلا أنها ستحتاج لأضعاف هذا المجهود لاسترداد هيبة قرار الدولة وثقة المواطنين فيه.

يعتبر داء تعدد مراكز القرار، في دولة تعيش واقعًا معقدًا قبل الحرب وبعدها كالسودان، بيئة مثالية لانتشار الفساد، وبالتالي ستحتاج مؤسسات الدولة الأخرى إلى إعداد خطط وبرامج وقرارات تعين بها المفوضية في إنجاز مهامها.

وبدلًا من مطاردة الأموال، تصبح المفوضية مسؤولة عن مراجعة أسباب التضارب في القرارات الحكومية، وإجراء تحقيقات قوية في مسائل استغلال النفوذ، ووضع الحد لأي جهة، أيًا كانت، وهي تتجاوز حدود صلاحياتها واختصاصاتها، بل وتوفير الحماية للقرار ومصدره من الملتزمين بالقوانين واللوائح المنظمة لإصدار القرار العام، وصونه من “التهزيء” والمرمطة أمام الرأي العام، ووضع مناهج محكمة لصدور قرارات الدولة.

“التمكين الإيجابي” لمفوضية مكافحة الفساد يجب ألا يتم الاكتفاء فيه بإعلان تشكيلها، بل بتوسيع دائرة اختصاصها، وبأقصى ما تسمح به حدود القانون المنشئ لها، والالتزام بأنه لا توجد جهة فوق المساءلة، ولا توجد حصانات مطلقة.

ليست كل أشكال الفساد تُقاس بحجم الأموال المنهوبة، فهناك فساد أخطر يتمثل في اختطاف القرار العام، وإضعاف المؤسسات، وتحويل الدولة إلى ساحة تتغلب فيها مراكز النفوذ على القانون.

فإذا أرادت مفوضية مكافحة الفساد أن تسترد هيبة الدولة، فعليها أن تبدأ من حماية القرار الرسمي قبل مطاردة الأموال، لأن الدولة التي لا تستطيع حماية قرارها، لن تستطيع حماية مالها العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى