اسرى وأُسر (2) رسالةٌ لم تصل

بقلم/ اسماعيل شريف

احتفظت أم برسالة كتبتها لابنها الأسير. طوتها بعناية، ثم أعادتها إلى درج صغير في غرفتها. لم تمزقها، ولم ترسلها، لأنها ببساطة لا تعرف إلى أين ترسلها. ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر. بعضها يُكتب بالدعاء، وبعضها بالدموع، وبعضها الآخر يظل عالقًا في القلب، لا يجد طريقه إلى صاحبه. في كل يوم، يكتب الانتظار رسائل جديدة. أمٌّ توقظ أبناءها وتخفي عنهم دمعتها، ثم تهمس في آخر الليل: “لو استطعت فقط أن أقول له إننا بخير.” وأبٌ يتمنى أن تصل إلى ابنه كلمة واحدة: “لا تقلق علينا.” وزوجة تؤجل الحديث عن تفاصيل الحياة، لأنها لا تعرف إلى أي عنوان ترسل كلماتها. أما الأطفال، فلهم رسائلهم الخاصة. رسائل لا تحملها المظاريف، بل تحملها الرسومات البسيطة، والدفاتر المدرسية، وصور أعياد الميلاد، والأسئلة التي تكبر معهم: “متى سيعود أبي؟”

 

وخلف الأسوار، هناك أيضًا من ينتظر رسالة.

 

قد لا يطلب خبراً كبيراً، ولا وعداً بالمستقبل، بل كلمات قليلة تطمئن قلبه: “نحن بخير… ما زلنا ننتظرك… ولم ننسك.” وربما كانت أقسى الرسائل، تلك التي لا تصل أبدًا. رسالة احتفظت بها أم لأنها لا تعرف وجهتها، ورسالة خبأها أب بين أوراقه على أمل أن يسلمها بيده يوم اللقاء، ورسائل كثيرة لم تُكتب أصلًا، لأن الكلمات كانت أضعف من أن تحمل كل هذا الشوق.

 

في الحروب، لا تضيع البيوت وحدها، بل تضيع أيضًا الرسائل. تضيع الكلمات التي كان يمكن أن تخفف وحشة الليل، أو تمنح قلبًا مثقلاً بالصبر سببًا جديدًا ليواصل الانتظار. وحين يعود الأسرى، لن يبحثوا عن رسائل وصلت، بل عن تلك التي لم تصل؛ عن الكلمات التي احتجزها الخوف، وابتلعها الغياب، وأخفاها الزمن. فبعض الرسائل لا يقرأها أصحابها على الورق، بل يقرؤونها في العناق الأول، وفي دمعة أم، وفي ارتجافة يد، وفي صمتٍ يقول كل شيء. ولعل أول رسالة تصل يومها، لن تكون مكتوبة، بل ستكون اللقاء نفسه. وحتى يحين ذلك اللقاء..

ستظل هناك رسائل كثيرة… لم تصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى