منى أبو زيد تكتب : شرف المحاولة..!

هناك فرق..
“الانتصار تكتبه اللحظة، أما شرف المحاولة فهو الذي يكتب الإنسان نفسه”.. الكاتبة..!
المعجزة الحقيقية ليست في الانتصار بل في ما يصنعه الاجتهاد في الطريق بأرواحنا. لقد كانت مباراة الأمس من أفضل مباريات منتخب مصر في البطولة، رغم الخسارة. فقد دخلت مصر المباراة بشجاعة وانضباط تكتيكي، ونجحت في إحراج الأرجنتين والتقدم في النتيجة..!
استحوذت الأرجنتين على الكرة لفترات طويلة، لكن الدفاع المصري كان منظماً، والهجمات المرتدة شكلت خطورة حقيقية. وفي الدقائق الأخيرة، استغل المنتخب الأرجنتيني بعض الأخطاء وتفوق بخبرته، فقلب النتيجة..!
محمد صلاح قدم أداءً مميزاً، وكان من أخطر لاعبي مصر، بينما أظهر الحارس والدفاع شخصية قوية في معظم فترات اللقاء. ورغم الإقصاء، خرج المنتخب المصري مرفوع الرأس بعد أداء أقنع كثيرين بأنه قادر على منافسة كبار المنتخبات، فيما أكدت الأرجنتين قدرتها على حسم المباريات الصعبة..!
لكن أجمل ما يمكن أن يخرج به المرء من تلك المباراة لم يكن هدفاً، ولا فرصة ضائعة، ولا حتى النتيجة نفسها. بل كان درساً يتكرر كلما ظن الإنسان أن لوحة النتائج هي الحقيقة الوحيدة. درس قديم اسمه شرف المحاولة..!
ذلك الشرف الذي لا تمنحه الكؤوس، ولا تعترف به سجلات البطولات، لكنه يظل محفوظاً في الضمير الإنساني. فالمنتخب المصري، وهو يغادر البطولة، لم يغادر مهزوماً تماماً. لقد غادر بعدما فرض شخصيته على معظم زمن المباراة، وبعدما جعل أحد أعظم منتخبات العالم يبحث عن نجاته حتى الدقائق الأخيرة. ولذلك جاءت الهزيمة بطعم انتصار، لأن الأداء كان أكبر من النتيجة..!
نحن في الحقيقة نبالغ كثيراً في تقديس الوصول، حتى أصبحنا ننظر إلى الطريق وكأنه مجرد ممر ممل ينبغي تجاوزه بأسرع وقت. بينما الحياة في دهائها الجميل تخبئ معناها كله داخل الطريق نفسه..!
كم من طالب اجتهد سنوات ثم لم يحصل على الوظيفة التي حلم بها، لكنه خرج من الرحلة أكثر علماً وأكثر صبراً، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة. وكم من كاتب لم يفز بجائزة لكنه كتب نصاً أنقذ قارئاً من اليأس. وكم من أم أفنت عمرها في تربية أبنائها ولم يسمع أحد باسمها، لكنها صنعت أجيالاً كاملة تمشي على الأرض..!
فالنجاح يقيس ما وصلت إليه، أما المحاولة فتقيس من أصبحت أنت أثناء الرحلة، ولهذا تبدو بعض الهزائم أكثر إشراقاً من انتصارات كثيرة، لأن الإنسان قد يربح النتيجة ويخسر نفسه، وقد يخسر النتيجة بينما يكسب نسخة أنبل من روحه..!
هنالك حكمة روحانية تقول “إن الروح لا يهمها الوصول بقدر ما يهمها الطريق نفسه”. فالطريق ليس مسافة بين نقطتين فقط، بل معمل خفي يعيد تشكيل الإنسان. كل خطوة تنزع عنه غروراً، وتضيف إليه بصيرة، وتعلمه أن القيمة ليست فيما يضعه العالم حول عنقه، بل فيما يزرعه الله في قلبه..!
ربما لهذا السبب لا يصبح الجبل عظيماً لأنه يقف في القمة، بل لأن ملايين السنين هي التي صنعته، ولا تصبح الشجرة جميلة لأنها أثمرت، بل لأنها قاومت الريح، واحتملت القيظ، ومدّت جذورها عميقاً قبل أن تهدي العالم ثمرة واحدة..!
إن الذين يعيشون هم النتيجة وحدها ينكسرون عند أول خسارة، أما الذين يحترمون المحاولة نفسها فيخرجون رابحين في كل الأحوال. إذا وصلوا، شكروا، وإذا تعثروا تعلموا، وإذا سقطوا نهضوا وهم يعرفون عن أنفسهم أكثر مما كانوا يعرفونه قبل السقوط..!
لهذا، لم تكن مباراة مصر والأرجنتين مجرد تسعين دقيقة في بطولة عالم، بل كانت تذكيراً بأن الإنسان لا يُقاس دائماً بما انتهت إليه قصته، بل بالطريقة التي كتب بها فصولها. وفي النهاية قد يمنحك العالم ميدالية لأنك وصلت، لكنه لا يمنحك وسام شرف المحاولة..!
ذلك الوسام تمنحه الحياة سراً لمن بذل قلبه كاملاً ومضى حتى آخر خطوة، ثم ابتسم. سواء وجد الباب مفتوحاً أو اكتشف أن الطريق نفسه كان هو الجائزة!.
munaabuzaid2@gmail.com



