ايمن كبوش يكتب : علاقات بينية

أفياء..
(١)
# قبل أيام قليلة.. كنت حضورا وشاهدا على مناسبة اجتماعية حاشدة، وتفاجأت بقدوم أحد المسؤولين المهمين ممن يطلق عليهم (المثيرين للجدل)، جاء الى المناسبة بلا حاشية.. ولا صفاقين، بعد أن أصبح رجلا عاديا من عامة الناس مثله والدكتور عبد الرحمن الخضر، فتذكرت بعض أبيات شهيرة تُنسب دائما للإمام الشافعي، رضي الله عنه وارضاه، يصف فيها، بأسلوب نقدي ساخر، واقع المجتمع وتملّق الناس لأصحاب الأموال والجاه والسلطان والصولجان.. (رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالٌ.. ومن لا عنده مالٌ فعنه الناس قد مالوا.. رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهبٌ.. ومن لا عنده ذهبٌ فعنه الناس قد ذهبوا.. رأيت الناس منفضّة إلى من عنده فضّةٌ.. ومن لا عنده فضّةٌ فعنه الناس منفضّةُ).
# هذا يعيدنا إلى ضرورة مراجعة علاقاتنا الإنسانية التي ينبغي أن تبنى على أسس قيمية جوهرها الاخلاق، والإنسانية بعيدا عن المصالح الضيقة والعمل بمبدأ نظرية (اسعالك ابن آدم للقبيح.. واسعالك كلب للنبيح)، ورغم قسوة القياس ما بين هذا وذاك.. فإن هذا المسؤول المبذول كان محاطا باخوتنا.. يبذل ويعطي وعندما زال سلطانه الذي كان، انفض الجمع وتفرغوا لاستقبال قادم جديد مع أن الأخلاق تقتضي الوقوف معه عند المحنة، فقد أعطى ولم يستبق شيئا..
# هذا ذكرني بحادثة طريفة كان مسرحها أحد المؤتمرات الصحفية لإعلان رئيس جديد لناد قمة، الرئيس المرتقب (كوز مدغلب) وصاحب قصتي من المبدئيين في المعارضة لكل ما هو كيزاني.. وغير ذلك كان الرجل مساندا للرئيس السابق صاحب الميول السرية للحركة الشعبية.. فقلت له: (مالك الليلة في حفل الكيزان يا فلان مفروض اليوم تكون في حالة مواساة للرئيس السابق).. فرد ساخرا: (ويييين يا.. معقول ننتظركم أربعة سنين صايمين.. نزلنا صورة القديم.. ورفعنا صورة الجديد.. وربنا يسهل).
(٢)
# يقال مرارا في ثقافتنا الجمعية السودانية، أو قولوا في الامثال الشفاهية التي لا تُسند لقائل بعينه أو حتى واحد من الرواة: (شقي الحال بقع في القيد).. وهو ذاته هذا الشقي هو (الذي يجد العضمة في الفشفاش).. ثم يأتي ليندب حظه.. (إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه… ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريحٍ اجمعوه).. هذا امر يحدث يوميا في سودان المتناقضات.. حيث يحدث الشيء وضده.. والدنيا تمضى بعد حين للزوال.. لتبقى حقيقة واحدة هي ان الكثير من امورنا تسير بالبركة وجماعة باركوها يا جماعة.. والمتغطي بالليل عريان.. والما عندو لسان فقري وفلسان.
(٣)
# في السادس من سبتمبر من العام الماضي، كانت (غضبة الهبباي) في قمتها عن غول الفساد المستشري في العاصمة الإدارية، استعرت النار حول بعض الملفات الخاصة بالمعادن والتعدين فأختتمت إحد المقالات بالقول: (والتفاصيل الغائبة عن الكثيرين أن إثارة مثل هذه القضايا لا تعني اردول ولا عمر النمير ولا نور الدائم طه، بل هناك خطة ممنهجة ومتعوب عليها لضرب الجنرالات الكبار أولاً مع بعضهم البعض وهم وليسوا بعيدون عن هذا التهريج والهياج المفسد للدولة والبيئة العامة، ليس أمرا سهلاً أن يقال إن الفساد قد ضرب مكتب السيد الرئيس.. ويصمت مكتب الرئيس كأن الأمر لا يعنيه.. ثم يتحرك الاتهام إلى الرئيس شخصيا بأنه كرس لنفسه جميع السلطات واغلق (بلف الإمتيازات والصلاحيات) أمام نائبه شمس الدين كباشي ومساعده ياسر العطا، مثل هذا الكلام لا يخرج إلى العلن إلا وفق خطة وهدف، تسريب مباحثات المنامة لم تكن صدفة وصاحب التسريب معلوم، والحديث الآن عن الفساد أيضا ليس صدفة، قد لا يعلم الكثيرون أن العلاقة ما بين اردول والكباشي ليست على ما يرام.. ولكن رجل الشارع العادي يحسب اردول في حصة الجنرال كباشي.. بينما يحسب السيد عمر النمير إلى معسكر الجنرال ياسر العطا.. إذن هناك من يفتت جبهتنا الداخلية.. وهذا ليس دفاعا عن ممارسات الفساد اياً كانت وحيثما كانت.. لا يمكن لعاقل أن يتصالح مع الفساد أو يدعمه، ولكن ما استطيع أن اؤكده أن هناك شبكة علاقات ومصالح بدأت تتقاطع فتضرب بعضها بعضاً باستغلال المنابر الخاصة والعامة وقيادة حملات دفتردارية.. لذلك من يريد أن يعرف الحقيقة والمرحلة التي وصلتها دولتنا وما هي مقبلة عليه.. عليه أن يبحث عن (طه عثمان حسين).. سوف يجده في كل التحركات والخطوات والملفات.. سواء التي طفت على السطح.. أو تلك المستترة… وغدا يعرف السودانيون من هو الذي ضيع في الأوهام عمره.. !)
(٤)
# افضل فصيل خدم هذه البلد وقدم كتابا منيرا من المنجزات، هو فصيل الإسلاميين، واقوى فصيل له القدرة على التخريب والخراب، هو فصيل الإسلاميين، ومما تراهم يتسابقون في (عتالة) ملفات الفساد والحديث عنها بفرح غامر وشماتة.. اعرف انهم يستهدفون الدولة لاسقاطها.. مثلما أسقطوا أنفسهم.



