محافظ المركزي… جهود إنقاذ الجنيه السوداني..!! 

إلزام المصارف ب​ضخ السيولة يقطع الطريق على مضاربي العملة

المحافظ تقود ​شراكات مصرفية إقليمية لانهاء عزلة الجنيه 

محلل اقتصادي: إجراءات المحافظ الأخيرة تبرد المناخ الملتهب

خبير مصرفي: دعوة المصارف للتمويل اليومي اختبار للكفاءة

​المراسلات المصرفية مع السعودية.. قطر.. وعُمان.. طوق نجاة للاقتصاد

تقرير: رمضان محجوب 

​تحاول إدارة بنك السودان المركزي، بقيادة المحافظ آمنة ميرغني حسن التوم، وضع حد لحالة “السيولة النقدية” التي أنهكت الجنيه. لم تعد الإجراءات مجرد تعميمات ورقية، بل تحولت إلى تدخلات يومية في قلب السوق، تهدف لإعادة توجيه تدفقات العملة الصعبة نحو القنوات الرسمية. هذا التحرك، رغم صعوبته، يمثل محاولة جادة لانتشال سعر الصرف من قبضة السوق الموازية، في مسعى لاستعادة عافية الجهاز المصرفي.

 

​▪️ إدارة المواجهة النقدية

 

​فرضت المحافظ نهجاً جديداً يلزم المصارف التجارية بضخ العملات الأجنبية يومياً لتمويل الاستيراد. هذا التوجه يهدف لكسر “احتكار العملة” الذي مارسه تجار السوق الأسود لسنوات. فعندما يجد المستورد طلبه متاحاً عبر البنك، فإنه سيتخلى تلقائياً عن اللجوء للوسطاء. إن هذا التدخل المباشر يسعى لخلق “توازن عرضي” يهدئ من فوران الأسعار، ويجعل من البنك المركزي مرجعاً أساسياً للسوق، لا مجرد مراقب يراقب انهيار العملة عن بُعد.

​▪️ اختراق العزلة الخارجية

 

​تعد المراسلات المصرفية التي تقودها المحافظ مع السعودية، قطر، وعُمان، بمثابة “طوق نجاة” للاقتصاد الوطني. فبعد فترة طويلة من الانعزال المالي، أدركت الإدارة أن استقرار العملة لا يتحقق بالقرار الإداري وحده، بل بالربط مع العالم. هذه القنوات ستفتح الباب لعودة تحويلات السودانيين بالخارج وتسهيل حركة التجارة، مما يرفد خزينة البنك باحتياطيات حقيقية، ويخلق حائط صد يمنع تآكل القيمة الشرائية للجنيه أمام العملات الأجنبية.

 

​▪️ الرقمنة كأداة سيطرة

 

​تجاوز نظام الـ (BBAN) عتبة الـ 234 مليون معاملة، وهو رقم يعكس تغيراً جوهرياً في سلوك المتعاملين. لم يعد البنك المركزي يعتمد على الإجراءات اليدوية، بل انتقل إلى الرقابة الإلكترونية التي تمنح الإدارة رؤية كاملة لكل قرش يتحرك في النظام المصرفي. هذا التحول التقني هو “العين الساهرة” التي تضيق الخناق على الأنشطة المشبوهة، وتضمن أن كل معاملة تجري تحت نظر القانون، مما يعزز الثقة ويدفع بالاقتصاد نحو الشفافية والمؤسسية.

 

​▪️ تبريد المناخ الاقتصادي

 

​يؤكد محلل اقتصادي تحدث للعودة أن إجراءات المركزي هي بمثابة “مرحلة تبريد” للمناخ الاقتصادي الملتهب. لكن التحليل يشير إلى أن ضخ العملة الصعبة يجب أن يقترن بسياسة “توطين الإنتاج”. فإذا لم تتحول الموارد المصرفية إلى قيمة مضافة من خلال التصدير، فسيظل البنك في حالة استنزاف مستمر. المحلل يشدد على أن السياسة النقدية تنجح حين تجد موازنة بين دعم الاستيراد الضروري، وبين تشجيع الصادرات التي تغذي الاحتياطي، وإلا فإن الاستقرار سيظل مؤقتاً ومعرضاً للانتكاس.

​▪️ رؤية الخبير المصرفي

بينما ​يرى خبير في القطاع المصرفي تحدث للعودة أن دعوة المحافظ للمصارف بالتمويل اليومي هي “اختبار للكفاءة”. البنك المركزي الآن يراقب أداء كل مصرف، مما يقلل من احتمالات المحسوبية في توزيع الدولار. ويشير الخبير إلى أن الثقة بين البنك والعميل هي العملة الأهم، فإذا استمر التدفق بنظام وعدالة، سيهجر الناس السوق الموازي طوعاً. التحدي يكمن في استدامة هذا التدفق، وضمان أن تصل الموارد لمن يستحقها فعلياً في عجلة الإنتاج والتجارة.

​▪️ منظومة العمل المتكامل

​لا يمكن النظر لقرارات المركزي كخطوات متفرقة، بل هي منظومة واحدة مترابطة. الرقمنة توفر البيانات، والمراسلات الخارجية توفر الموارد، والضخ المباشر يوفر الاستقرار للسعر. إن إدارة المحافظ تعمل على الربط بين هذه المسارات بمرونة عالية، مع مراقبة يومية لرد فعل السوق. هذا التناغم يهدف لإغلاق كل المنافذ التي يتسرب منها الدولار، وهو عمل يتطلب يقظة مستمرة وقدرة على تعديل المسار وفقاً لمتغيرات الواقع الاقتصادي المعقد.

​▪️ التحديات والآفاق

​لا تزال هناك عقبات تفرضها الظروف العامة، لكن الإدارة الحالية تتعامل معها بمنطق “إدارة الأزمة”. الرهان الآن ليس على الحلول السحرية، بل على التراكم البطيء للنتائج الإيجابية. المحافظ تدرك أن استعادة الثقة تأخذ وقتاً، لذا فإن استمرار السياسات الحالية بصرامة سيعيد رسم ملامح السوق. الهدف هو الوصول لمرحلة يكون فيها سعر الصرف محكوماً بمعطيات الاقتصاد الحقيقي، وليس بمضاربات الغرف المظلمة التي أضرت بالبلاد طويلاً.

​▪️ استعادة “هيبة المؤسسة”

يحاول بنك السودان المركزي اليوم استعادة “هيبة المؤسسة”. خطوات المحافظ تعكس إدراكاً بأن الإصلاح لا يحتمل التأجيل. النجاح ليس مضموناً بالكامل، لكن المؤشرات الأولية تدل على أن الإدارة تضع يدها على الجرح. المطلوب الآن هو تضافر جهود القطاع المصرفي مع هذه الرؤية، والتركيز على تعزيز الإنتاج الوطني، لضمان أن يظل الجنيه مستقراً، وأن تعود الثقة للمواطن في نظامه المالي والمصرفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى