المحول القومي.. قفزة تقنية في اختبار الأزمة

وليد دليل: الخطوة دلالة رمزية تُثبت قدرة الدولة على استعادة وظائفها المالية السيادية
كمال كرار: الخطوة لا تعالج أزمة السيولة أو تكدس النقد خارج الجهاز المصرفي
تقرير __ أمين محمد الأمين
أثار تدشين بنك السودان المركزي لخدمات “المحول القومي” للنظام المصرفي متبوعاً بربط بنك أمدرمان الوطني كأول مصرف بالشبكة، تبايناً لافتاً في أوساط الخبراء والمحللين الاقتصاديين. وبينما يرى فريق تشغيلي أن الخطوة تُشكل اختراقاً عملياً من شأنه تدوير السيولة النقدية داخل المنظومة الرسمية وتنشيط قطاع الأعمال، يجزم فريق آخر بأن هذه الترتيبات التكنولوجية مجرد “حلول شكلية” تظل عاجزة عن معالجة التشوهات الهيكلية التي خلفها واقع الحرب والتضخم وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.
موجز الحدث
وكان بنك السودان المركزي، بالتنسيق مع ذراعه التقني “شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)” وبنك أمدرمان الوطني، قد أعلن رسمياً عن إعادة تشغيل “المحول القومي” للخدمات المصرفية بعد توقف استمر لأكثر من ثلاثة أعوام. وشهدت الخرطوم تنفيذ أول عملية سحب نقدي ناجحة عبر جهاز صراف آلي باستعمال الشبكة الجديدة؛ وذلك ضمن خطة استراتيجية ترمي إلى استعادة البنية التحتية لأنظمة الدفع الإلكتروني، وتفعيل بطاقات الدفع ونقاط البيع (POS)، وتسهيل المعاملات المالية والتحويلات بين المصارف كافة تباعاً لدعم الشمول المالي.

تفكيك الأزمة
أوضح الخبير المصرفي وليد دليل أن إعادة تفعيل نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي تُسهم بشكل مباشر في كسر حدة أزمة السيولة؛ إذ تحول المعاملات اليومية—مثل شراء الكهرباء وسداد الفواتير—إلى إيداعات نقديّة صغيرة ومتكررة، مما يُبقي النقد تدفقاً حياً داخل المنظومة المصرفية بدلاً من تكدسه خارجها.
دعم الأعمال
وفيما يتعلق بكفاءة قطاع الأعمال، أشار دليل إلى أن التحويلات الفورية بين المصارف تقضي تماماً على فترات الانتظار الطويلة وتُنهي الاعتماد على الوسطاء غير الرسميين، الأمر الذي يحد بشكل ملموس من كلفة رأس المال العامل، ولا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تتطلب مرونة مالية عالية.
التحديات التقنية
وفي تقييمه للجاهزية التشغيلية، نبّه الخبير المصرفي إلى أن نقطة الضعف الأبرز تكمن في استمرار اعتماد الشبكة على بنية تحتية غير مستقرة من الكهرباء والاتصالات، مؤكداً أن انضمام كل مصرف جديد يُضاعف الأحمال التشغيلية ويرفع الحاجة لمنظومة حماية سيبرانية موازية لم تُختبر بعد تحت ضغط الاستخدام الكامل.
الاستقرار السيادي
واختتم دليل قراءته بالإشارة إلى أن هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية تُثبت قدرة الدولة على استعادة وظائفها المالية السيادية، بيد أنه شدد على أن الثقة الحقيقية للمتعاملين والشركاء تظل رهينة بالقدرة على ضمان استمرارية الخدمة دون انقطاعات على المدى المتوسط، بدلاً من الاكتفاء برسمية لحظة الإطلاق.

محدودية الأثر
من جانبه، أكد القيادي بالحزب الشيوعي وعضو لجنته المركزية، كمال كرار، أن إعادة تشغيل المحول القومي ونقاط البيع ووسائل الربط الرقمي قد تتيح منافذ أيسر للمتعاملين لإيداع وسحب الأموال، بيد أنها لا تعالج إطلاقاً أزمة السيولة أو ظاهرة تكدس النقد خارج الجهاز المصرفي، مشدداً على أن هذه العقبات ذات أبعاد أعمق لا يمكن حلها عبر المحول القومي وحده.
الأدوار المفقودة
وأوضح كرار أن الوظيفة الأساسية للبنوك في الاقتصاد الحديث تتجاوز مفهوم حفظ الأموال التقليدي؛ لتصل إلى حافز الاستثمار والإنتاج، ودعم النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، فضلاً عن تمويل قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، وتشجيع الإدخار وتكوين رأس المال، لافتاً إلى أن هذه الأدوار غائبة عن القطاع المصرفي السوداني منذ فترة طويلة.
التحديات الراهنة
وأشار كرار إلى أن القطاع المصرفي يواجه حالياً تحديات جسيمة ناجمة عن تداعيات الحرب، وضعف ثقة المتعاملين، وتصاعد تداول النقد خارج المنظومة الرسمية، إلى جانب تراجع التمويل الإنتاجي. وأضاف أن التضخم المتسارع أدى إلى تآكل رؤوس أموال البنوك وجعلها غير مؤهلة للتعاملات الخارجية، يضاف إلى ذلك أثر إعادة فرض العقوبات الأمريكية على بعض القطاعات الاقتصادية.
جذور الأزمة
وعزا القيادي الشيوعي أزمة السيولة إلى عمليات النهب الواسعة التي طالت البنوك وغياب الشفافية؛ موضحاً أنه مع التراجع المستمر لقيمة الجنيه السوداني، باتت الغالبية تفضل سحب أموالها وتوظيفها خارج الجهاز المصرفي، سواء عبر تحويلها إلى عملات أجنبية أو شراء أصول ثابتة، مؤكداً أن الكتلة النقدية ستظل خارج البنوك ما لم تُستعاد الثقة بالعملة الوطنية.
مخاطر البنية
ولفت كرار إلى غياب الضمانات التشغيلية والأمنية في ظل استمرار الحرب، وحالة الفوضى، وانقطاعات الكهرباء الممتدة، ما يُنمي الشعور بعدم الأمان ويدفع المواطنين لتفضيل الوسائط المالية البديلة، مثل الصرافات الأهلية وتداول تحويل الرصيد المباشر.
مكتسبات ضئيلة
واختتم القيادي بالحزب الشيوعي قراءته بالإشارة إلى أن هذه الخطوة ذات أثر محدود للغاية، ولا تتعدى طمأنة شريحة الموظفين والعمال في بعض القطاعات الذين تُفرض عليهم فتح حسابات مصرفية لتلقي أجورهم، مؤكداً أنها تظل مبالغ ضئيلة يُعاد إيداعها وسحبها فوراً دون أن تُحدث فارقاً هيكلياً في النظام المالي.
شغف ومحاذير
بين الشغف الفني والمحاذير الاقتصادية، يتبين أن نقطة التماس الحقيقية بين الرأيَين لا تكمن في الجدوى التقنية للمحول القومي ذاتها، بل في حدود وظائفه؛ فبينما ينظر وليد دليل إلى الخطوة كـ “مدخل تشغيلي لا غنى عنه” لتنشيط الدورة النقدية واستعادة الأوردة المالية المصرفية من بوابة حل الخناق اليومي للسيولة، يتعامل كمال كرار مع الحدث من منظور كلي يرى في القشور التقنية محاولة للتغطية على “انسداد شرياني أكبر” نتج عن تداعي القيمة الشرائية للعملة وضياع الثقة الاستثمارية.
أداة حيوية
ختاماً، يمكن القول إن “المحول القومي” يظل أداة حيوية وشرطاً لبناء بيئة مصرفية حديثة، غير أن نجاحه في معالجة الشلل المالي سيظل مرهوناً بمدى قدرة السلطات النقدية على شفع هذه القفزة التقنية بسياسات كليّة شجاعة تُنهي حالة الفوضى الاقتصادية، وتكبح جماح التضخم، وتوفر أماناً حقيقياً يضمن بقاء الأموال داخل أروقة البنوك، لا مجرد مرورها الخاطف عبر أجهزة الصراف الآلي.




