هل يحاول المجتمع الدولي منح قُبلة الحياة أم رصاصة الرحمة للمليشيا؟؟!!

ما وراء الخبر

علم الدين عمر 

إجتماع مجلس الأمن هل تغيرت معادلة النقاش الدولي بخصوص السودان؟

ثلاثة مسارات تعيد تشكيل المشهد السوداني..

الوقائع العسكرية تسبق المداولات السياسية وتفرض معادلات جديدة على المجتمع الدولي..

الحكومة تمضي في استعادة الدولة عبر مسار متوازٍ يجمع بين الحسم الأمني وإعادة بناء المؤسسات والإعمار..

المعركة الدبلوماسية تنتقل من الدفاع عن الشرعية إلى تثبيت نتائج الميدان وإغلاق منافذ إعادة إنتاج المليشيا..

 

اجتماع مغلق ورسائل مفتوحة..

 

في ظل تحولات كبيرة يشهدها الملف السوداني في الداخل والخارج..لم يعد أي إجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان مجرد مناسبة دورية لمراجعة التطورات الإنسانية أو الأمنية..فقد أصبحت الإجتماعات مؤشراً مهماً على اتجاهات التفكير الدولي تجاه الأزمة السودانية.. خاصة عندما ينعقد في جلسة مشاورات مغلقة كما هو الحال في الإجتماع الذي عُقد أمس ولم تخرج عنه أي تسريبات حتي الآن.. بطلب من الدنمارك والمملكة المتحدة لمناقشة الأوضاع الإنسانية والتطورات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق..

فالإجتماعات المغلقة داخل مجلس الأمن تختلف بطبيعتها عن الجلسات العلنية..إذ تتيح للدول الأعضاء نقاش الخيارات العملية..وتبادل التقديرات الإستخبارية والسياسية..وقياس موازين القوى بعيداً عن لغة البيانات الرسمية.ولذلك فإن أهمية الإجتماع لا تكمن فقط في جدول أعماله المعلن..بل في توقيته الذي جاء بعد سلسلة من التحولات الميدانية والسياسية التي شهدها السودان خلال الأسابيع الأخيرة..

والواقع أن المجتمع الدولي يدخل هذا الإجتماع وهو يواجه معطيات تختلف كثيراً عن تلك التي كانت سائدة قبل أشهر.. فخريطة العمليات العسكرية تغيرت بصورة ملحوظة.. ومساحات واسعة استعادت فيها القوات المسلحة والقوات المساندة زمام المبادرة..بينما أخذت قدرات المليشيا تتراجع على مستويات متعددة..سواء في الإنتشار الميداني أو في قدرتها على الإحتفاظ بمناطق النفوذ أو فرض واقع سياسي جديد عبر حكومتها الموازية..

وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية.. إذ أن مجلس الأمن يناقش ملف السودان اليوم في ظل وقائع يصنعها الميدان أكثر مما تصنعها المبادرات السياسية..

 

أولاً.. الميدان يعيد صياغة السياسة..

 

خلال الفترة الأخيرة..حققت القوات المسلحة والقوات المساندة تقدماً ملحوظاً في عدد من المحاور.. خصوصاً في كردفان..مع استمرار عمليات الضغط العسكري في بقية الجبهات..وهو ما أسهم في تغيير ميزان المبادرة بصورة واضحة..

هذه التطورات لا تعني فقط تحقيق مكاسب عسكرية..هي تعني أيضاً تضييق المساحات التي كانت تراهن عليها بعض الأطراف لإعادة إنتاج الأزمة أو فرض تسويات تتجاوز مؤسسات الدولة..وتحقق بعض التعزيز لموقف المليشيا في حال طُرحت أي صيغة للحوار..

ولذلك فإن أي نقاش دولي اليوم لا يستطيع تجاوز حقيقة أن الوقائع على الأرض أصبحت مختلفة.. وأن فرضية بقاء المليشيا كفاعل عسكري موازٍ للدولة تتعرض لتحديات متزايدة مع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق إستعادة السيطرة..

ولذلك فإن القراءة الدقيقة تشير إلى أن الحكومة السودانية تسعى إلى تحويل الإنجازات العسكرية إلى حقائق سياسية ودبلوماسية يصعب تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية..

 

ثانياً.. إستعادة الدولة لا تقتصر على العمليات العسكرية..

 

في مقابل الجهد العسكري..تمضي الحكومة في مسار مدني لا يقل أهمية.. يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة وظائفها الأساسية..

فعودة المؤسسات الحكومية إلى ممارسة أعمالها.. والإنخراط في برامج إعادة الإعمار.. واستعادة الخدمات.. كلها مؤشرات على أن المعركة لم تعد تقتصر على استرداد الأرض..المعركة امتدت إلى استرداد الدولة نفسها..

ويأتي إجتماع مجلس الأمن والدفاع الأخير بالخرطوم في هذا السياق باعتباره محطة مهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة..إذ لم يقتصر على متابعة التطورات الأمنية.. ومضي لإتخاذ قرارات تعكس إنتقال الدولة من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة تنظيم ما بعد استعادة السيطرة..

فالقرارات المتعلقة بالمضي في ترتيبات مكافحة الفوضى.. وإنهاء المظاهر المسلحة داخل المدن ومناطق التعدين..وضرب أوكار الجريمة المنظمة..وتجفيف شبكات توزيع المخدرات..تؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الأمن كمعركة عسكرية فقط..فهي تتعامل معه باعتباره مشروعاً متكاملاً لاستعادة هيبة القانون واحتكار القوة العامة..

هذه الرسائل لها أهمية داخلية وخارجية في آن واحد.. فهي تطمئن المواطنين بأن مرحلة الإنفلات لن تستمر..كما تؤكد للشركاء الإقليميين والدوليين أن السودان يتحرك نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية مؤسسية تتجاوز منطق المعالجات المؤقتة وسياسة إطفاء الحرائق التي فرضتها الحرب..

 

ثالثاً..الدبلوماسية تتحرك لحماية نتائج الميدان..

 

على المستوى الخارجي..يبدو أن السياسة السودانية دخلت مرحلة جديدة عنوانها تثبيت شرعية الدولة ومنع أي محاولات للإلتفاف على ما تحقق ميدانياً..

فالتحركات الدبلوماسية الأخيرة.. والإنفتاح المباشر على عدد من العواصم.. واستمرار التواصل مع المنظمات الإقليمية والدولية.. كلها تشير إلى أن الخرطوم تعمل على إدارة معركة سياسية موازية لمعركة الميدان..وتنجح في ذلك حتي الآن بصورة مدهشة..

والهدف هنا لا يقتصر على تحسين العلاقات الخارجية.. إنما يمتد إلى عزل أي مساعٍ قد تستهدف إعادة تأهيل المليشيا سياسياً أو منحها وضعاً تفاوضياً يتجاوز حقيقة تراجعها الميداني..

ومن الواضح أن الحكومة تراهن على أن تماسك مؤسسات الدولة.. واستمرار العمليات العسكرية..وتحسن الأداء الدبلوماسي.. تمثل معاً عناصر قوة تجعل أي مقاربة دولية أكثر ميلاً للتعامل مع الدولة السودانية باعتبارها الإطار الشرعي الوحيد لإدارة المرحلة المقبلة..

ولهذا فإن الإختراقات التي تحققت في مسار العلاقات الخارجية لا ينبغي النظر إليها بوصفها نجاحات بروتوكولية مجردة ..مثلما هو الحال بالنسبة للإختراقات المشابهة..ولابد من إعتبارها جزءاً من معركة تثبيت السيادة الوطنية.. ومنع التدخلات التي حاولت خلال مراحل سابقة صناعة مراكز قوى موازية لمؤسسات الدولة..

 

ما الذي يمكن أن يخرج به مجلس الأمن؟

 

من غير المتوقع أن تصدر عن الإجتماع المغلق قرارات دراماتيكية.. لكن الأهمية الحقيقية تكمن في إتجاه النقاش نفسه..

فإذا كانت الأولوية سابقاً تتركز على وقف إطلاق النار وإدارة الأزمة الإنسانية..فإن الوقائع الحالية تفرض إدخال عناصر جديدة إلى النقاش..أبرزها مستقبل مؤسسات الدولة..ومرحلة ما بعد تراجع المليشيا.. وكيفية دعم الإستقرار ومنع عودة الفوضى..

كما أن استمرار الحكومة في الجمع بين الحسم العسكري..وإعادة الإعمار..واستعادة المؤسسات..وتعزيز الأمن الداخلي.. يمنحها مساحة أوسع للدفاع عن رؤيتها أمام المجتمع الدولي باعتبار أن البديل عن الدولة ليس تسوية سياسية مستدامة.. البديل هو فراغ أمني جديد..

 

أخيراً..

 

السودان اليوم لا يخوض معركة واحدة..بل ثلاث معارك متزامنة.. معركة في الميدان لتثبيت الأمن واستعادة السيطرة.. ومعركة داخلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء الفوضى.. ومعركة دبلوماسية لحماية نتائج هذه التحولات ومنع أي محاولات لإحياء المليشيا أو الإلتفاف على ما تحقق.

ولهذا.. فإن إجتماع مجلس الأمن جاء في لحظة فارقة.. لأن المجتمع الدولي لم يعد يناقش أزمة جامدة..المجتمع الدولي يتعامل مع مشهد سريع التحول.. تتقدم فيه الدولة السودانية بخطوات متوازية على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية..

 

ما وراء الخبر..

 

يبقى التحدي الأكبر أمام الخرطوم هو المحافظة على هذا التوازن..بحيث تتحول الإنتصارات العسكرية إلى إستقرار دائم.. وتتحول إستعادة مؤسسات الدولة إلى مشروع وطني شامل.. وتترجم التحركات الخارجية إلى اعتراف أوسع بسيادة السودان ووحدة مؤسساته.. بما يغلق نهائياً الباب أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الأزمة أو تدويرها تحت عناوين جديدة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى