إثيوبيا تشتعل.. تقرير عن تطورات الموقف العملياتي والوضع الميداني

مرحلة جديدة من الحرب متعددة الجبهات

جبهة تغراي.. تحالف غير مسبوق ضد حكومة آبي أحمد


تقرير: هيثم حسن السوباط


تشهد إثيوبيا في هذه الساعات واحدة من أخطر مراحل التصعيد منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022. فالمشهد لم يعد مقتصراً على توتر سياسي بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي، وإنما انتقل إلى مواجهات عسكرية فعلية، وسيطرة قوات تيغراي على منشآت حيوية، وامتداد القتال إلى إقليم عفر، بالتزامن مع تشكيل تحالف مسلح واسع يضم قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا وأقاليم أخرى.

 

والتطور الأهم أن الأحداث جاءت متزامنة وبسرعة كبيرة، الأمر الذي يجعل الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت إثيوبيا تتجه إلى جولة جديدة من الحرب الأهلية، أم أن الأطراف ستتمكن من احتواء التصعيد.

 

أولاً: مطار ميكيلي.. أول مؤشر على التحول الميداني

 

في 23 سبتمبر، أفادت مصادر محلية ودولية بأن قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي TPLF سيطرت على مطار ألولا أبا نيغا في ميكيلي، عاصمة الإقليم. وذكرت تقارير أن العاملين بالمطار تلقوا تعليمات بمغادرة الموقع والعودة إلى منازلهم، بينما توقفت الحركة الجوية.

 

وبالتزامن مع ذلك، أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشِرِه اعتباراً من 23 سبتمبر، بسبب الوضع الأمني في تيغراي. وهذا التطور له دلالة تتجاوز الطيران المدني؛ فتعليق الرحلات إلى المدن الثلاث يعني أن البيئة الأمنية في شمال الإقليم أصبحت غير مستقرة إلى درجة تؤثر مباشرة في حركة النقل والاتصال بين تيغراي وبقية إثيوبيا.

 

ميدانياً، لا يمكن اعتبار السيطرة على مطار ميكيلي وحدها سيطرة كاملة على عاصمة تيغراي أو الإقليم، لكنها تمثل مؤشراً مهماً على قدرة قوات تيغراي على التحرك داخل مناطق استراتيجية.

 

ثانياً: القتال يتجاوز حدود تيغراي

 

الأخطر في التطورات الحالية أن الاشتباكات لم تبقَ داخل تيغراي. فقد تحدثت مصادر عن مواجهات بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية في أبالا وإربتي داخل إقليم عفر، وهو تطور شديد الأهمية من الناحية العملياتية.

 

عفر ليست مجرد منطقة مجاورة لتيغراي؛ فهي تمثل منطقة اتصال استراتيجية في شمال شرق إثيوبيا، وبالتالي فإن انتقال القتال إليها يعني أن الصراع بدأ يكتسب عمقاً جغرافياً جديداً.

 

وهنا تظهر إحدى أخطر فرضيات المرحلة المقبلة: إذا استمرت الاشتباكات في عفر بالتزامن مع القتال في تيغراي، وأضيفت إليها جبهات أمهرة وأوروميا، فإن القوات الفيدرالية ستواجه بيئة أمنية أكثر تعقيداً بكثير من الحرب السابقة.

 

ثالثاً: تحالف غير مسبوق ضد حكومة آبي أحمد

 

قبل التصعيد الميداني بأيام، وتحديداً في 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة وسياسية إثيوبية تشكيل تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء، معلنة هدفاً يتمثل في مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد والعمل على إزاحتها وتشكيل إدارة انتقالية.

 

ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الوطنية في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع مجموعات أخرى من مناطق مختلفة.

 

أهمية التحالف لا تكمن فقط في عدد الجماعات، وإنما في طبيعته الجغرافية والسياسية. فهو يجمع قوى موجودة في شمال البلاد ووسطها وشرقها، ما يفتح نظرياً إمكانية انتقال الضغط على الحكومة من جبهة واحدة إلى عدة جبهات.

 

لكن من الضروري عدم المبالغة في تقدير قدرته العسكرية في الوقت الحالي. فهذه الجماعات متباعدة جغرافياً، ولديها أهداف ومطالب مختلفة، كما أن وجود إعلان سياسي مشترك لا يعني بالضرورة وجود قيادة عسكرية موحدة أو غرفة عمليات واحدة. وقد أشارت رويترز إلى أن الخلافات السياسية والجغرافية بين مكونات التحالف يمكن أن تمثل تحدياً أمام قدرته على العمل المشترك.

 

رابعاً: المفارقة الكبرى.. أعداء الحرب السابقة في جبهة واحدة

 

ربما يكون هذا التحالف أهم تحول سياسي في المشهد الإثيوبي.

 

فـفانو وتيغراي كانتا في معسكرين متحاربين خلال حرب 2020–2022. فانو قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية ضد قوات تيغراي، قبل أن تدخل لاحقاً في مواجهة مسلحة مع الحكومة في أمهرة.

 

أما الآن، فقد وجد الطرفان نفسيهما داخل تحالف واحد ضد الحكومة المركزية.

 

وهذا لا يعني اختفاء الخلافات القديمة بينهما، لكنه يوضح أن خريطة التحالفات الإثيوبية دخلت مرحلة جديدة، أصبح فيها الخصم المشترك عاملاً أقوى من بعض الخصومات التاريخية.

 

خامساً: اتفاق بريتوريا أمام أخطر اختبار

 

الحرب الكبرى السابقة بين الحكومة الفيدرالية وتيغراي انتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. الاتفاق أوقف الحرب، لكنه لم يحسم كل الملفات، خصوصاً قضايا نزع السلاح، والوضع السياسي لجبهة تحرير شعب تيغراي، والأراضي المتنازع عليها.

 

وفي يوليو 2026 أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي أن الاتفاق أصبح، من وجهة نظرها، «ميتاً فعلياً». ومع عودة القتال وسيطرة قوات تيغراي على مواقع ومرافق مهمة، يبدو أن الاتفاق دخل أخطر مرحلة منذ توقيعه.

 

لكن من المهم التمييز بين انهيار ترتيبات السلام عملياً وبين إعلان قانوني أو رسمي بانتهاء الاتفاق بالكامل؛ فالمشهد لا يزال متحركاً، والروايات حول المسؤول عن بدء الجولة الجديدة من القتال متناقضة.

 

سادساً: الروايتان المتعارضتان

 

قوات تيغراي تقول إنها تتحرك دفاعاً عن نفسها في مواجهة ما تصفه بهجوم واسع من الحكومة الفيدرالية، بينما تقول الحكومة إن قوات تيغراي هي التي بدأت التصعيد.

 

وهذه النقطة مهمة عند قراءة الوضع العملياتي؛ لأن المعلومات القادمة من مناطق القتال محدودة، وبعض التقارير لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. لذلك فإن السيطرة المعلنة على بعض المواقع يجب التعامل معها باعتبارها تطورات ميدانية واردة من مصادر متعددة، وليس خريطة نهائية للسيطرة العسكرية.

 

سابعاً: أين تكمن الخطورة العملياتية؟

 

إذا استمر التصعيد، فإن إثيوبيا قد تجد نفسها أمام أربعة محاور ضغط رئيسية:

 

تيغراي: حيث تدور المواجهة الأساسية بين قوات الإقليم والقوات الفيدرالية.

 

عفر: حيث ظهرت اشتباكات بين قوات تيغراي والقوات الحكومية.

 

أمهرة: حيث تخوض قوات فانو منذ 2023 صراعاً مسلحاً ضد الحكومة.

 

أوروميا: حيث ينشط جيش تحرير أورومو منذ سنوات.

 

المشكلة بالنسبة للحكومة الفيدرالية ليست فقط في عدد الجبهات، وإنما في تزامنها الجغرافي والزمني. وإذا تحولت هذه الجبهات إلى عمليات واسعة في وقت واحد، فإن إدارة القوات والإمداد والمواصلات ستكون أكثر تعقيداً.

 

وفي المقابل، فإن القوى المعارضة تواجه هي الأخرى مشكلة كبيرة: المسافات الشاسعة بين مناطق نشاطها، اختلاف أهدافها، وصعوبة تحويل تحالف سياسي إلى قوة عسكرية متكاملة.

 

ثامناً: العامل الإريتري

 

يزداد المشهد حساسية بسبب العلاقات المتوترة بين إثيوبيا وإريتريا. وقد اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم قوى معارضة، بينما تنفي أسمرا هذه الاتهامات. كما أن الحدود الشمالية تحمل إرثاً ثقيلاً من الحرب السابقة.

 

ولهذا فإن أي توسع كبير للقتال في تيغراي قد يحمل تداعيات تتجاوز الداخل الإثيوبي، خصوصاً إذا دخلت عوامل إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

 

الخلاصة: إثيوبيا أمام اختبار حاسم

 

التطورات الحالية تشير إلى انتقال الأزمة الإثيوبية من مرحلة التوتر السياسي والاشتباكات المحدودة إلى مرحلة أكثر خطورة من الصراع المفتوح.

 

السيطرة المعلنة على مطار ميكيلي، تعليق الرحلات إلى مطارات تيغراي الثلاثة، الاشتباكات في عفر، وظهور تحالف يضم تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، كلها أحداث وقعت خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.

 

لكن السؤال الحاسم ليس فقط من يسيطر على مطار ميكيلي، بل هل تستطيع الحكومة الفيدرالية احتواء الجبهة الشمالية قبل أن تتزامن مع جبهات أمهرة وأوروميا وعفر؟

 

وفي الاتجاه المقابل، فإن السؤال الأهم بالنسبة للتحالف الجديد هو: هل يستطيع تحويل التوافق السياسي بين جماعات متباعدة إلى تنسيق عسكري حقيقي؟

 

إذا فشل الطرفان في احتواء التصعيد، فقد تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الحرب متعددة الجبهات، بما يحمل مخاطر كبيرة على استقرار البلاد وعلى القرن الإفريقي عموماً. أما إذا نجحت الوساطات في وقف العمليات قبل اتساعها، فقد تبقى التطورات الحالية جولة خطيرة لكنها قابلة للاحتواء.

 

حتى صباح 24 سبتمبر 2026، المؤكد أن الحرب لم تعد مجرد احتمال سياسي؛ الاشتباكات وقعت فعلاً، لكن حجم الحرب المقبلة ومدى انتشارها يظل في علم الغيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى