الخرطوم.. ثلاث أزمات تحاصر المواطن

الغلاء يلتهم مداخيل المواطنين ويضاعف أعباء المعيشة

الخبز والوقود وغاز الطهي.. أزمات تتسع وتثقل كاهل الأسر

إغلاق عشرات الطلمبات بسبب انقطاع الإمدادات وجالون البنزين بـ150 ألف جنيه

أسطوانة الغاز بـ120 ألف جنيه وشح المعروض يمتد إلى السوق السوداء

الخرطوم – عماد النظيف

تتواصل الضغوط المعيشية على سكان العاصمة الخرطوم، مع تصاعد أسعار المواد الغذائية وتفاقم أزمات الخبز والوقود وغاز الطهي، في مشهد يعكس تعدد التحديات التي باتت تحاصر المواطنين وتثقل كاهل الأسر، وسط تراجع القوة الشرائية للجنيه السوداني واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة اليومية.

ولم تعد الأزمة الاقتصادية في الخرطوم مقتصرة على ارتفاع أسعار السلع، بل امتدت إلى صعوبة الحصول على بعض الاحتياجات الأساسية، مع اضطراب إمدادات الوقود وإغلاق عشرات محطات الخدمة، وظهور صفوف طويلة أمام المخابز في بعض الأحياء الطرفية، إلى جانب شح غاز الطهي وارتفاع أسعاره إلى مستويات مرهقة للأسر.

وبينما يواجه المواطنون ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الغذاء، بلغ سعر أسطوانة غاز الطهي نحو 120 ألف جنيه، فيما وصل سعر جالون البنزين، سعة 4.5 لتر، إلى 150 ألف جنيه،في السوق الموازي، في وقت لم تعد فيه المبالغ التي كانت تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية قادرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الأسرة.

الأسواق.. الغلاء يلتهم الدخول

وشهدت أسواق الخرطوم زيادات كبيرة في أسعار المواد الغذائية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، الأمر الذي انعكس على تكلفة السلع المستوردة والمنتجات المحلية التي تعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والترحيل والتوزيع.

وأصبحت الزيادات المتلاحقة تمثل عبئاً يومياً على المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة، الذين يجدون أنفسهم أمام واقع اقتصادي تتغير فيه الأسعار بصورة متواصلة، بينما تظل دخولهم عاجزة عن مواكبة تلك الزيادات.

ويقول مواطنون إن المبالغ التي كانت تكفي لتوفير احتياجات الأسرة لم تعد تشتري الكميات نفسها، مشيرين إلى أنهم اضطروا إلى تقليص مشترياتهم والاستغناء عن بعض الأصناف، والاكتفاء بالضروريات وفقاً لما تسمح به إمكاناتهم المالية.

ويشير متعاملون في الأسواق إلى أن ارتفاع الأسعار انعكس على حركة البيع والشراء، إذ بات بعض المستهلكين يكتفون بشراء كميات محدودة، بينما يتجه آخرون إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الأسعار والدخول.

ولا تقف آثار الغلاء عند المواد الغذائية، بل تمتد إلى مختلف الاحتياجات المنزلية والخدمات، بما يجعل كل زيادة جديدة في أسعار النقل والطاقة عاملاً إضافياً في ارتفاع تكلفة المعيشة.

الخبز.. صفوف وأحجام تتقلص

وفي ملف الخبز، رصد محرر صحيفة «العودة» صفوفاً طويلة أمام عدد من المخابز في الأحياء الطرفية بالخرطوم، حيث امتدت المعاناة إلى سكان أمبدة بالحارة العشرين، أمام مخبزي المستشار والعمدة، في مشهد يعكس صعوبة حصول المواطنين على أحد أهم السلع الأساسية.

وأظهرت المشاهدات الميدانية تفاوتاً في أسعار الخبز وأحجامه، إذ تبيع معظم المخابز قطعتين بألف جنيه، بينما تبيع مخابز أخرى ثلاث قطع بالسعر نفسه، لكن بأحجام صغيرة، الأمر الذي يعني عملياً تراجع الكمية التي يحصل عليها المستهلك مقابل المبلغ الذي يدفعه.

ولم يعد ارتفاع سعر الخبز وحده مصدر القلق، بل أصبح تراجع حجم الرغيف عاملاً إضافياً في زيادة الأعباء على الأسر، التي تحتاج إلى شراء كميات أكبر لتغطية احتياجات أفرادها، في وقت تتراجع فيه قدرتها على الإنفاق.

ويقول مواطنون إن الخبز يمثل احتياجاً يومياً لا تستطيع الأسر الاستغناء عنه، وإن ارتفاع تكلفته وتقلص أحجام القطع يضاعفان المصروفات اليومية، خصوصاً للعائلات الكبيرة، التي تجد نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين احتياجات متعددة لا تحتمل التأجيل.

وتكشف هذه المشاهدات عن أزمة تتجاوز مسألة السعر إلى حجم السلعة وتوفرها، إذ يواجه المواطن أعباء الانتظار أمام المخابز، إلى جانب ارتفاع التكلفة وتراجع الكميات التي يحصل عليها.

الوقود.. إغلاق الطلمبات وانقطاع الإمداد

وفي قطاع الوقود، اختفت صفوف السيارات الطويلة أمام محطات الخدمة، لكن ذلك لم يكن نتيجة تحسن الإمدادات أو توفر البنزين، وإنما بسبب إغلاق عشرات الطلمبات إثر انقطاع الإمدادات، ما أدى إلى تراجع مشهد الازدحام دون أن تنتهي أزمة الحصول على الوقود.

وبدلاً من السيارات المتراصة أمام المحطات في انتظار التعبئة، أصبح إغلاق الطلمبات وتوقف عدد منها عن تقديم الخدمة مظهراً جديداً للأزمة، حيث يواجه أصحاب المركبات صعوبة في العثور على محطات تعمل وتوفر الوقود.

وبلغ سعر جالون البنزين، الذي يعادل 4.5 لتر، نحو 150 ألف جنيه، وهو مبلغ يضيف عبئاً كبيراً على أصحاب المركبات والعاملين في قطاع النقل، فضلاً عن انعكاساته على تكاليف ترحيل السلع والخدمات.

ويقول مواطنون إن اختفاء صفوف السيارات لا يعني انفراج أزمة الوقود، موضحين أن توقف المحطات بسبب انقطاع الإمدادات جعل الحصول على البنزين أكثر صعوبة، وأن الأزمة انتقلت من الانتظار أمام الطلمبات إلى البحث عن المحطات التي لا تزال تقدم الخدمة.

وتتجاوز آثار نقص الوقود أصحاب المركبات إلى قطاعات واسعة، إذ يرتبط توفر المحروقات بحركة النقل والترحيل وتشغيل الأنشطة التجارية والخدمية، ما يجعل استمرار اضطراب الإمدادات عاملاً إضافياً في زيادة تكاليف السلع والخدمات.

غاز الطهي.. شح وارتفاع في الأسعار

ولم يكن غاز الطهي بعيداً عن دائرة الأزمات، إذ بلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 120 ألف جنيه، في وقت يعاني فيه المواطنون من شح المعروض وصعوبة الحصول عليها، حتى إن الأزمة امتدت إلى السوق السوداء في منطقة بري، حيث أصبح توفر الأسطوانة تحدياً إضافياً أمام الأسر.

ويمثل هذا الوضع عبئاً متزايداً على ميزانيات المنازل، خصوصاً أن غاز الطهي من الاحتياجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها بصورة يومية، فيما تتزامن صعوبة الحصول عليه مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وبقية متطلبات الحياة.

ويجد المواطنون أنفسهم أمام معادلة معيشية معقدة، فإلى جانب توفير الغذاء والخبز، يتعين عليهم تدبير مبالغ كبيرة للحصول على أسطوانة الغاز، وسط شح المعروض وارتفاع الأسعار، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الأسر محدودة الدخل.

كما أسهم انقطاع الكهرباء في زيادة تعقيدات الأزمة، إذ يضيف إلى أعباء الحياة اليومية تحديات أخرى تتصل بتدبير احتياجات المنازل وتشغيل الأنشطة المختلفة، في وقت تتداخل فيه أزمات الطاقة والوقود والغاز وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.

ثلاث أزمات في مواجهة المواطن

وتكشف الأوضاع في الخرطوم عن تداخل أزمات معيشية متعددة، تتصدرها أسعار الغذاء والخبز والوقود وغاز الطهي، وهي أزمات تختلف في مظاهرها، لكنها تلتقي جميعاً عند المواطن الذي يتحمل آثارها المباشرة في ظل تراجع قدرته الشرائية.

ففي الأسواق، تتقلص الكميات التي يستطيع المواطن شراءها، وأمام المخابز يواجه السكان صفوف الانتظار وارتفاع الأسعار وتراجع حجم الرغيف، بينما تتوقف محطات الوقود بسبب انقطاع الإمدادات، ويصبح الحصول على أسطوانة الغاز مهمة مكلفة وشاقة.

ويقول مواطنون إن تعدد الأزمات جعل تدبير الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة، وإن الزيادات المتلاحقة لم تترك مساحة كافية للأسر للتكيف مع الأوضاع الجديدة، في ظل غياب حلول تخفف الأعباء وتضمن استقرار السلع والخدمات الأساسية.

وبين ارتفاع أسعار الغذاء، وقطعتَي الخبز بألف جنيه، وإغلاق عشرات الطلمبات بسبب انقطاع الإمدادات، وجالون البنزين الذي بلغ 150 ألف جنيه، وأسطوانة الغاز التي وصلت إلى 120 ألف جنيه، تتواصل معاناة سكان الخرطوم مع واقع معيشي تتداخل فيه الأزمات وتتسع آثاره من الأسواق إلى المنازل.

وتظل معالجة هذه الأوضاع مرتبطة باستقرار الإمدادات، والحد من الزيادات المتلاحقة في الأسعار، وتحسين توفر السلع الأساسية، ومعالجة مشكلات النقل والطاقة، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويعيد إليهم القدرة على توفير احتياجاتهم اليومية.
////////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى